قالت البروفيسور عماليا ساعر، المحاضرة في الأنثروبولوجيا في جامعة حيفا والناشطة النسوية، إن التضامن النسوي الفلسطيني الإسرائيلي في هذه المرحلة ليس موقفًا رمزيًا، بل شرطًا أخلاقيًا وسياسيًا للبقاء في مواجهة الحرب والفاشية والإسكات.
وجاءت تصريحات ساعر خلال مؤتمر “نساء في زمن الإبادة”، الذي عقد اليوم الأحد في الناصرة تحت عنوان “تعزيز السلام النسوي في زمن الإبادة الجماعية والفاشية”، بمشاركة ناشطات وحقوقيات ونسويات فلسطينيات وإسرائيليات. وهدف المؤتمر إلى فتح نقاش نقدي حول معنى السلام والعدالة والنسوية في مرحلة تتصاعد فيها الحرب، وتتعمق فيها أنماط القمع السياسي والعنف الجندري.
وقالت ساعر، وهي بروفيسور في قسم الأنثروبولوجيا في جامعة حيفا وتعرّف نفسها أيضًا كناشطة نسوية وناشطة سلام، إنها جاءت إلى المؤتمر “بأمل كبير في أن تستمد القوة من تضامن نسويات راديكاليات فلسطينيات وإسرائيليات لا يتنازلن عن العمل المشترك رغم الفاشية، ورغم جرائم الحرب والإبادة، ورغم محاولات الإسكات”. وأضافت: “نحن لا نتنازل ولن نتنازل. هذا هو الأكسجين بالنسبة لنا”. وتشير سيرتها الأكاديمية إلى أن مجالات عملها تشمل النسوية، الفلسطينيين في إسرائيل، ونظريات الأمن النسوية.
التضامن النسوي لا زال قائمًا
ورأت ساعر أن التضامن النسوي ما زال قائمًا في الدوائر الراديكالية التي لا تخشى تسمية الواقع ولا تخاف من معارضة الحرب والعسكرة الإسرائيلية. وقالت إن هذا التضامن لا يبقى داخل القاعات، بل يظهر في التوثيق الميداني لاعتداءات المستوطنين في الضفة، وفي المشاركة في المظاهرات، وفي الإصغاء المتبادل، وفي الإصرار على إبقاء كلمات مثل العدالة والسلام والتضامن والأمل جزءًا من اللغة السياسية اليومية.
وتحمل تصريحات ساعر أهمية خاصة في لحظة يتراجع فيها الخطاب السياسي عن تصور أي أفق جدي للتسوية. فقد قالت إن الحكومة الإسرائيلية “أسقطت الأرض من تحت الخيال السياسي”، وجعلت فكرة الاتفاق السياسي أو التسوية تبدو شبه مستحيلة. ووصفت بعض الصيغ المطروحة اليوم بأنها “بشعة وشريرة”، لأنها لا تبني سلامًا حقيقيًا بل تعيد إنتاج ميزان القوة نفسه.
لكن ساعر شددت في الوقت ذاته على أن العمل من الأسفل ما زال ممكنًا، وأن داخل المجتمع اليهودي أيضًا “آلافًا كثيرين” يسعون إلى اتفاق سياسي وتسوية. وقالت إن الخطوة الأولى اليوم هي ترميم لغة السلام نفسها، وإعادة بناء القدرة على تخيل مستقبل سياسي مختلف. وأكدت أن أي اتفاق جدي يجب أن يعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وأن يتضمن تخلي إسرائيل عن امتيازاتها، إلى جانب ضمان تمثيل النساء في مواقع التأثير البرلمانية والاجتماعية والسياسية.
ويضع هذا الموقف حديث ساعر ضمن الإطار الدولي لأجندة “النساء، السلام والأمن”، التي أقرها مجلس الأمن في القرار 1325 عام 2000، والذي دعا الدول إلى زيادة تمثيل النساء في مستويات صنع القرار المتعلقة بمنع النزاعات وإدارتها وحلها، وإدخال منظور جندري في عمليات السلام والأمن. ورغم مرور أكثر من عقدين على القرار، ما زالت النساء مستبعدات بدرجة واسعة من مسارات التفاوض وصناعة التسويات، في وقت تشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 600 مليون امرأة وفتاة يعشن قرب مناطق نزاع، وأن آثار الحرب على النساء والفتيات تتزايد عالميًا.
وفي هذا السياق، لا تطرح ساعر النسوية كقضية تمثيل شكلي، بل كموقف سياسي ضد العسكرة وضد تحويل الحرب إلى قدر دائم. فالمسألة، كما تفهمها، ليست إضافة نساء إلى بنى القرار القائمة، بل تغيير اللغة التي ينتج بها القرار نفسه: من لغة القوة والسيطرة إلى لغة العدالة والمساواة والاعتراف المتبادل.
انتخابات الجبهة
وتطرقت ساعر أيضًا إلى نتائج انتخابات الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، معبّرة عن خيبة أملها من عدم تخصيص مكان واقعي لامرأة. وقالت إنها، كامرأة يسارية تصوت للجبهة منذ سنوات، تشعر بإحباط شديد من عدم قدرة الحزب على ضمان تمثيل نسائي حقيقي في موقع مؤثر. ويكتسب هذا الموقف دلالة أوسع لأنه يربط بين مطلب السلام النسوي وبين الممارسة السياسية الداخلية للأحزاب التي ترفع شعارات المساواة والتقدم.
وتعكس مداخلة ساعر في المؤتمر خلاصة سياسية واضحة: لا يمكن بناء سلام من دون نساء، ولا يمكن بناء عدالة بلغة محايدة تجاه الحرب والعسكرة. فالنسوية التي تتحدث عنها لا تبحث عن موقع هامشي داخل النظام القائم، بل تحاول إعادة تعريف معنى السياسة نفسها، باعتبارها قدرة جماعية على مقاومة الخوف، وحماية الحياة، وفتح أفق لا تقوم فيه التسوية على الصمت، بل على الاعتراف والعدالة وتفكيك الامتيازات.
المصدر:
بكرا