مرة أخرى نتساءل: أين القيادة المسيحية العلمانية؟
زياد شليوط – شفاعمرو – الجليل
منذ فترة طويلة وهناك أوساط مسيحية عربية في بلانا تطمح وتسعى لايجاد إطار علماني يشكل قيادة للمسيحيين العرب في البلاد، وذلك على ضوء التحديات العديدة والخطيرة التي تتعرص لها الجماعة المسيحية خاصة داخل دولة اسرائيل، والتي ازدادت خطورة في السنوات الأخيرة، وبالذات في ظل حكومة نتنياهو – بن غفير (وسائر الأسماء) اليمينية العنصرية التي تحرس وتحمي المجموعات العنصرية الفاشية، وخاصة اليهودية التي تمارس اعتداءاتها على المقدسات المسيحية من رموز دينية وأماكن عبادة ومكرسين ومكرسات مسيحيين، الى جانب الاعتداءات على المقدسات الإسلامية بالطبع.
لماذا نحتاج الى قيادة علمانية؟ من المعروف أن تعداد الكنائس في الأراضي المقدسة (وللمفارقة أكثر من أي مكان آخر) وتنوع الميول والوجهات لدى تلك القيادات الكنسية، يجعل توحيد صوتها في القضايا والمسائل العامة (وليس الدينية) في أقل تقدير غير متناسق أو منسجم، مما ينعكس سلبا على الجماعة المسيحية التي تعاني من قلة التعداد السكاني.
وأمام هذا الواقع الأليم نشأت الحاجة الى وجود قيادة علمانية تعمل مستقلة عن القيادة الدينية (الاكليروس). فالعلمانيون لا يواجهون الحساسيات الموجودة بين الاكليروس من الكنائس المختلفة، ومن السهل عليهم الالتقاء والاتفاق على القضايا الكبرى التي تواجههم يوميا، وهناك أدلة كثيرة وأبرزها الاتفاق الشعبي العام بضرورة توحيد الأعياد.
ومن هنا نشأت الحاجة والتفكير في بناء مجلس أعلى (على سبيل المثال) للجماعة المسيحية، لتضع رؤية واستراتيجية عامة لدور ومهام المسيحيين العرب في البلاد، وتحديد وجهتهم وتوصيف وضعهم وبالتالي برمجة سلوكياتهم، وفق رؤية شاملة ومدروسة تشكل نهجا حياتيا لهم في جميع القضايا، لا أن ينتظروا صدور بيان عن هذه الرئاسة الروحية أو تلك، أو اعتماد نهج ردود الفعل التي تبقى ضمن الرد العاطفي وسرعان ما تنطفىء لتعود وتهب عند وقوع اعتداء ما ثم تنام ثانية وهكذا دواليك.
لماذا لم تنجح الفكرة ؟ لقد ذكرت، وكنت شاهدا ومشاركا في عدة مبادرات لبناء اطار مسيحي عربي، يعمل وفق رؤية وطنية لا تنفصل عن الهم الجماهيري العام للمواطنين العرب في الدولة. ولم يكتب النجاح لتلك المبدرات أو بالأحرى لم يشأ البعض لها أن تنجح أو تم وضع العراقيل أمامها. فهناك من لا يعجبه هذا التوجه ويسعى للعمل وفق أجندة تتلاءم وتوجه السلطة السياسية في الدولة بشكل عام، وقد ظهرت بعض المبادرات على هذا النحو في السنوات والأشهر الأخيرة. وكادت فكرة إيجاد اطار علماني قيادي أن تنجح مع المبادرة التي تمت في السنوات الأخيرة بعقد لقاءات تشاورية موسعة بين علمانيين واكليروس ينتمون لمختلف الكنائس، وشددت جميعها أو برز من خلالها الصوت الداعي لاقامة قيادة علمانية، ونجحت المبادرة في تشكيل “منتدى المسيحيين العرب في البلاد”، والذي عمل فيها البعض على الغاء كلمة العرب لهدف في نفس يعقوب! وأخذ المنتدى يسعى نحو أعمال بعيدة عن المزاج العام، وتركز عمله في العمل مع فئة الشبيبة، في الوقت الذي تتوفر فيه عدة أطر تعمل في هذا المجال في كنائسنا المختلفة، أو إقامة الصلوات عبر الزوم، في الوقت الذي لا تنقصنا فيه مثل هذه الصلوات في الكنائس والمنابر المختلقة. وهذا الأمر أدى ببعض النشيطين في المنتدى الى الانسحاب منهه بهدوء، على أمل أن يتم تصحيح المسار.
ما هو المطلوب اليوم؟ مرة أخرى باتت الحاجة ماسة أكثر اليوم الى إقامة اطار علماني يشمل جميع أبناء الكنائس، وأصحاب التوجهات المختلفة، وهذا لن يتأتى دون البحث والدراسة واللقاء في يوم دراسي (أو أكثر) موسع، يضع كل القضايا والأفكار على طاولة البحث والتوصل من خلال النقاش وتبادل الآراء الى توصيات متفق عليها ينتج عنها الاطار المنشود.
لماذا؟ لأن التحديات ازدادت وتفاقمت، مقابل نشوء أكثر من اطار علماني وكل يعمل لوحده، وكأنه لا يكفينا الانقسامات في عمل القيادات الروحية، مما يعود علينا سلبا ويشكل إساءة ذاتية وهذا ما لا يريده أي طرف، لذا بات من الضرورة بمكان المبادرة من جديد من أجل انجاح هذه الفكرة، قبل تبعثر قوانا وتشرذم طاقاتنا دون فائدة عملية تعود على الجماعة المسيحية في البلاد. فهل من مستجيب؟!
المصدر:
الصّنارة