أعادت انتخابات المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح رسم ملامح القيادة العليا للحركة، بعد نتائج حملت مزيجاً من التجديد والاستمرارية، وأظهرت صعود جيل جديد من القيادات السياسية والأمنية والتنظيمية، في مقابل خروج أسماء تاريخية شكّلت لعقود جزءاً من مركز القرار الفتحاوي.
وأسفرت الانتخابات عن اختيار 18 عضواً للجنة المركزية، احتفظ 9 منهم فقط بمقاعدهم، مقابل دخول 9 أعضاء جدد، بنسبة تغيير بلغت 50%، في واحدة من أعلى نسب التجديد داخل اللجنة المركزية منذ سنوات، ما عكس حجم التحولات الداخلية والضغوط التي تواجه الحركة في مرحلة سياسية فلسطينية شديدة الحساسية.
ومن أبرز مفاجآت النتائج، فوز ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بعضوية اللجنة المركزية، في خطوة قرأها كثيرون باعتبارها مؤشراً إضافياً على إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل الحركة، وعلى انتقال تدريجي نحو معادلات جديدة في مرحلة ما بعد الجيل التاريخي المؤسس.
نصف القيادة الجديدة.. صعود الأمن والإدارة والرمزية الميدانية
كما شهدت النتائج صعود شخصيات توصف بأنها تمثل “الجيل التنفيذي” داخل الحركة، مثل ماجد فرج، وليلى غنام، وعدنان غيث، وأحمد أبو هولي، إضافة إلى زكريا الزبيدي، الذي شكّل فوزه حدثاً لافتاً نظراً لرمزيته الشعبية والميدانية، خصوصاً في شمال الضفة الغربية.
في المقابل، غادرت اللجنة المركزية أسماء ثقيلة تاريخياً وسياسياً، من بينها صائب عريقات، عزام الأحمد، عباس زكي، جمال محيسن، وروحي فتوح، إلى جانب شخصيات رحلت خلال السنوات الماضية، ما جعل المؤتمر يبدو وكأنه لحظة انتقال فعلية داخل البنية القيادية للحركة.
ورغم نسبة التغيير المرتفعة، حافظت شخصيات مركزية نافذة على مواقعها، أبرزها مروان البرغوثي، جبريل الرجوب، حسين الشيخ، محمود العالول، ومحمد اشتية، وهو ما عكس رغبة داخل الحركة في تحقيق توازن بين التجديد ومنع حدوث فراغ أو صدام داخلي بين الأجنحة المتنافسة.
مؤتمر استثنائي في توقيت حساس
وجاء انعقاد المؤتمر الثامن بعد نحو عشر سنوات على المؤتمر السابع، وفي ظل ظروف استثنائية تعيشها الساحة الفلسطينية، مع استمرار الحرب على قطاع غزة، وتصاعد المواجهات في الضفة الغربية والقدس، وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية على السلطة الفلسطينية وقيادة الحركة.
وشارك في المؤتمر نحو 2580 عضواً من الضفة الغربية وقطاع غزة والخارج، فيما عقدت جلساته بين رام الله والقاهرة وبيروت، وسط متابعة سياسية وإعلامية واسعة باعتباره مؤتمراً مفصلياً في تاريخ الحركة.
ويرى مراقبون أن نتائج المؤتمر لم تكن مجرد انتخابات تنظيمية داخلية، بل شكلت اختباراً مبكراً لمعركة “اليوم التالي” داخل فتح، في ظل تصاعد النقاشات حول مستقبل الحركة وشكل القيادة المقبلة، خاصة مع بروز أسماء جديدة مرتبطة بالمؤسسة الأمنية والإدارة المدنية والسلطة التنفيذية.
معركة النفوذ داخل "فتح"
واعتبرت أوساط سياسية أن صعود ياسر عباس إلى اللجنة المركزية يعكس حضوراً متزايداً للعامل السياسي والعائلي داخل توازنات الحركة، خاصة أن اسمه ارتبط خلال السنوات الماضية بملفات اقتصادية وسياسية أثارت جدلاً واسعاً في الشارع الفلسطيني.
كما عكست نتائج الانتخابات تحوّلاً تدريجياً في طبيعة القيادة الفتحاوية، من جيل تاريخي قاد الحركة خلال مراحل الثورة والمنفى والانتفاضات، إلى جيل أكثر ارتباطاً بإدارة السلطة ومؤسساتها الأمنية والإدارية والسياسية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول شكل الخطاب السياسي والتنظيمي للحركة خلال السنوات المقبلة.
وفي الوقت الذي نجحت فيه فتح في تمرير المؤتمر دون انقسامات علنية كبيرة، إلا أن تركيبة اللجنة المركزية الجديدة توحي بأن الحركة تدخل مرحلة إعادة تموضع داخلي، عنوانها الأساسي: المحافظة على وحدة التنظيم، مع فتح الباب أمام إعادة إنتاج القيادة والنفوذ داخل أكبر فصيل فلسطيني.
المصدر:
بكرا