لا يحتاج إضعاف مجتمعٍ ما إلى قرونٍ طويلةٍ من التحوّلات الجذريّة، بل قد يكفي عقدٌ أو عقدان من الزمن لإحداث تصدّعاتٍ عميقةٍ في بنيته القيميّة والاجتماعيّة. ففي غضون خمسة عشر إلى عشرين عامًا يمكن أن تتآكل منظوماتٌ أخلاقيّةٌ راسخة، وأن تُستبدل الـمبادئ الجامعة بأنماطٍ ثقافيّةٍ استهلاكيّةٍ سطحيّة، خصوصًا إذا نشأ خلال هذه الفترة جيلٌ كاملٌ تشكّلت ملامح وعيه ضمن شروطٍ تربويّةٍ واجتماعيّةٍ مضطربة. إذ إنّ هذا الجيل سرعان ما يتولّى إدارة الـمؤسّسات الـمختلفة، ويعيد إنتاج أنماط السلوك والقيم الّتي تشكّل وعيه في مرحلة التكوين.
وفي هذا السّياق، شهد الـمجتمع العربيّ خلال السنوات الأخيرة مؤشّراتٍ واضحةً على تراجعٍ ملحوظٍ في درجة تماسكه البنيويّ، نتيجة تحوّلاتٍ اجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ غير مدروسةٍ في كثيرٍ من الأحيان، بعضها ناتجٌ عن ضعف الوعي الجمعيّ بطبيعة الـمخاطر الـمحدقة بالبنية الاجتماعيّة، وبعضها الآخر مرتبطٌ بتآكل الخطوط القيميّة الضابطة الّتي كانت تؤدّي دورًا مركزيًّا في حفظ التوازن الـمجتمعيّ. ولا تعمل هذه العوامل بصورةٍ منفصلة، بل تتداخل فيما بينها لتنتج حالةً مركّبةً من التفكّك الـمتسارع الّذي يطال مستوياتٍ متعدّدةً من البناء الاجتماعيّ.
أوّلًا: اختلال الـمرجعيّات القيميّة وتراجع الأخلاقيّات
لا يمكن اختزال ظاهرة التفكّك الاجتماعيّ في عاملٍ واحدٍ بعينه، غير أنّ تراجع حضور الـمنظومة الدينيّة الأخلاقيّة بوصفها إحدى أهمّ الـمرجعيّات الضابطة للسلوك الاجتماعيّ يمثّل عنصرًا مؤثّرًا في إضعاف البنية الـمجتمعيّة. فالدين، في صورته القيميّة الجامعة، أسهم تاريخيًّا في ترسيخ منظوماتٍ أخلاقيّةٍ أساسيّةٍ مثل احترام الأسرة، وصون الحياة الإنسانيّة، وتعزيز روح التكافل الاجتماعيّ، وترسيخ الـمسؤولية الفرديّة والجماعيّة.
لذلك، إنّ استعادة الدور البنيويّ للدين لا ينبغي أن تُفهم بوصفها عودةً شكليّةً إلى مظاهر التديّن، بل باعتبارها إعادة تفعيلٍ لوظيفته الأخلاقيّة والاجتماعيّة بوصفه رأس مالٍ رمزيًّا يعزّز التضامن الـمجتمعيّ ويمنح الأفراد، ولا سيّما فئة الشباب، إطارًا معنويًّا يساعدهم على بناء هويّةٍ متوازنة. أمّا التديّن الشكليّ أو الإقصائيّ الّذي يتحوّل إلى أداةٍ للصراع أو التخوين أو الانغلاق الاجتماعيّ، فإنّه لا يسهم في ترميم الـمجتمع، بل قد يعمّق من انقساماته الداخليّة.
ثانيًا: تحوّلات البنية الأسريّة وتراجع الوظيفة التربويّة
تمثّل الأسرة الحاضنة الأساسيّة لتشكّل القيم والاتّجاهات السلوكيّة لدى الأفراد، ولذلك فإنّ أيّ خللٍ يصيب بنيتها الوظيفيّة ينعكس مباشرةً على استقرار الـمجتمع بأسره. وقد شهدت الأسرة العربيّة خلال العقود الأخيرة تحوّلاتٍ عميقةً أدّت إلى تراجع حضورها التربويّ في حياة الأبناء، الأمر الّذي انعكس في ضعف الحوار القيميّ داخل الفضاء الأسريّ، وتراجع دور الأسرة بوصفها مرجعيّةً توجيهيّةً ضابطة.
ولا يكمن التحدّي الحقيقيّ في مشاركة الـمرأة في سوق العمل أو في تحوّل الأدوار الاجتماعيّة للرجل، بل في كيفيّة إدارة التوازن بين متطلّبات الحياة الاقتصاديّة الحديثة وبين الـمسؤوليّات التربويّة للأسرة. فغياب هذا التوازن يؤدّي في كثيرٍ من الأحيان إلى تراجع جودة الـمتابعة الأسريّة للأبناء، وإلى ضعف الإشراف التربويّ، الأمر الّذي يفتح الـمجال أمام مصادر تنشئةٍ بديلةٍ قد لا تكون دائمًا منسجمةً مع منظومة القيم الـمجتمعيّة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء نموذجٍ أسريٍّ متوازنٍ يقوم على الشراكة والـمسؤوليّة الـمشتركة، ويبتعد عن الطروحات الـمتطرّفة الّتي تسعى إمّا إلى تجميد الأدوار التقليديّة أو إلى تفكيكها بصورةٍ فجائيّةٍ غير مدروسة، بما يضمن الحفاظ على الوظيفة التربويّة للأسرة بوصفها أحد أهمّ مرتكزات الاستقرار الاجتماعيّ.
ثالثًا: هيمنة القيم الـمادّيّة وإعادة تشكيل سلّم الـمكانة الاجتماعيّة
يُعدّ تصاعد حضور البعد الـمادّي في تنظيم العلاقات الاجتماعيّة أحد أبرز التحوّلات الّتي شهدها الـمجتمع العربيّ في العقود الأخيرة، إذ أخذ الـمال يتقدّم تدريجيًّا ليغدو عاملًا حاسمًا في تحديد الـمكانة الاجتماعيّة للأفراد، وفي تشكيل معايير التقدير والاعتراف الرمزيّ داخل الفضاء الـمجتمعيّ، بل وفي إعادة تعريف صورة القدوة والنموذج الاجتماعيّ الـمحتذى.
إنّ تحقيق النّجاح الاقتصاديّ من خلال العمل الـمنتج والإنجاز الـمهنيّ يمثّل عنصرًا إيجابيًّا وضروريًّا في أيّ مشروعٍ مجتمعيٍّ حديث، غير أنّ الإشكاليّة تبدأ حين يتحوّل الـمال من وسيلةٍ للتنمية الفرديّة والجماعيّة إلى غايةٍ قائمةٍ بذاتها، وإلى معيارٍ شبه وحيدٍ للحكم على قيمة الإنسان وموقعه الاجتماعيّ. فعند هذه النقطة، يبدأ التوازن القيميّ في التآكل، وتتراجع الاعتبارات الأخلاقيّة الّتي شكّلت تاريخيًّا أحد أعمدة التماسك الاجتماعيّ.
ومن هنا، إنّ التحدّي الحقيقيّ لا يكمن في الحدّ من السعي إلى النّجاح الاقتصاديّ، بل في إعادة إدماج القيمة الـمادّيّة ضمن منظومةٍ قيميّةٍ أوسع تُوازن بين الإنجاز الاقتصاديّ والـمسؤوليّة الاجتماعيّة، وبين الطموح الفرديّ والالتزام الأخلاقيّ، بما يضمن استمرار الـمال بوصفه أداةً للتنمية لا أداةً لإعادة إنتاج التفكّك الاجتماعيّ.
رابعًا: تراجع الـمرجعيّات التقليديّة وضعف الـمؤسّسات الحديثة
يشكّل ضعف الـمرجعيّات الاجتماعيّة التقليديّة وتراجع فاعليّة الـمؤسّسات الحديثة أحد العوامل البنيويّة الـمركزيّة الّتي أسهمت في تعميق حالة التفكّك داخل الـمجتمع العربيّ الـمعاصر. فقد شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في حضور الـمرجعيّات الّتي أدّت تاريخيًّا دورًا تنظيميًّا وأخلاقيًّا مهمًّا، مثل الـمرجعيّة الدينيّة الـمحليّة، والقيادات الاجتماعيّة التقليديّة، وكبار السنّ، وآليّات الوساطة الاجتماعيّة الّتي مثّلت أدواتٍ فعّالةً لضبط النزاعات وحماية التوازن الـمجتمعيّ.
وكان يُفترض، في سياق التحوّل نحو الدولة الحديثة، أن تتولّى الـمؤسّسات التربويّة والاجتماعيّة والثقافيّة هذا الدور التنظيميّ، من خلال توفير إطارٍ مؤسّسيٍّ قادرٍ على تعزيز الشعور بالعدالة والانتماء، وترسيخ منظومةٍ قيميّةٍ واضحةٍ تضبط السلوك الفرديّ والجماعيّ. غير أنّ الواقع يكشف عن فجوةٍ ملحوظةٍ في أداء هذه الـمؤسّسات، سواء على مستوى التعليم، أو الخدمات الاجتماعيّة، أو الأطر الشبابيّة والتربويّة، الأمر الّذي انعكس مباشرةً في تراجع قدرتها على احتضان الأفراد، ولا سيّما فئة الشباب.
ولا يقتصر أثر هذا الضعف على الجانب الوظيفيّ للمؤسّسات، بل يمتدّ إلى تراجع مستوى الثقة بها بوصفها مرجعيّةً ضابطةً للسلوك الاجتماعيّ، وهو ما يدفع بعض الفئات، خصوصًا الشباب، إلى البحث عن أطرٍ بديلةٍ غير منظّمة، قد تقع أحيانًا خارج الإطار القيميّ أو القانونيّ، الأمر الّذي يفاقم من مظاهر الاضطراب الاجتماعيّ ويُنتج حالةً من فقدان الاتّجاه واليقين الاجتماعيّ.
ومن هنا، فإنّ إعادة بناء التماسك الـمجتمعيّ تظلّ رهينةً بقدرة الـمؤسّسات على استعادة دورها التربويّ والتنظيميّ، وتعزيز حضورها بوصفها فضاءً جامعًا يوازن بين الحقوق والواجبات، ويعيد إنتاج منظومةٍ قيميّةٍ مشتركةٍ قادرةٍ على حماية الـمجتمع من الانزلاق نحو مزيدٍ من التفكّك البنيويّ.
خاتمة: نحو إعادة بناء التماسك الـمجتمعيّ
إنّ تفكّك الـمجتمع العربيّ لا يمثّل قدرًا تاريخيًّا محتومًا، بقدر ما هو نتيجةُ مسارٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ قابلٍ للمراجعة والتصحيح. فالـمجتمعات، بحكم طبيعتها الديناميّة، تمتلك دائمًا إمكاناتٍ كامنةً لإعادة بناء توازنها الداخليّ متى توفّرت الإرادة الجماعيّة والرؤية الإصلاحيّة الواضحة. وتبدأ عمليّة استعادة التماسك الـمجتمعيّ بإعادة التوازن بين الـمرجعيّات القيميّة، وتعزيز دور الأسرة، وإعادة تنظيم العلاقة مع البعد الـمادّيّ ضمن إطارٍ أخلاقيٍّ متوازن، وتقوية الـمؤسّسات بوصفها فضاءاتٍ جامعةً للثقة والانتماء. إنّ العناصر مجتمعةً تشكّل الأساس الّذي يمكن أن يقوم عليه مشروعٌ مجتمعيٌّ متكاملٌ قادرٌ على مواجهة تحدّيات الـمرحلة الراهنة، واستعادة الفاعليّة الحضاريّة للمجتمع العربيّ في سياق التحوّلات العالـميّة الـمتسارعة.
المصدر:
كل العرب