في زمنٍ لم تَعُد فيه الحروبُ تُعلَن كما كانت، ولم تَعُد فيه نهاياتُها واضحةً كما ينبغي، يقفُ العالمُ أمام مشهدٍ مركّبٍ من الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، مشهدٍ لا يُقرأ بعيون العسكر وحدهم، بل بعينِ الفلسفةِ التي تُدرك أن ما يجري ليس حربًا تُخاض، بل توازنًا يُدار..
فما يبدو للوهلة الأولى جولاتٍ من التصعيد يعقبها هدوء، ليس إلا إيقاعًا محسوبًا في معزوفةٍ طويلةٍ من شدّ الحبال. الهدنُ ليست سلامًا، والمفاوضاتُ ليست حلولًا، بل هي استراحاتٌ ذكية تُعيدُ ترتيبَ مواقع القوة، وتمنحُ الأطرافَ فرصةً لالتقاط أنفاسها دون أن تُسقط سلاحها، إنّها لعبةُ الزمن، حيثُ يتحوّل الانتظارُ إلى سلاح، والتأجيلُ إلى استراتيجية.
يكفي أن نُدرك أن ما يقارب خُمس إمدادات النفط يمرّ عبر ممرّاتٍ مهدّدة، حتى نفهم كيف يمكن لشرارةٍ صغيرة أن تُربك أسواقًا كاملة، وترفع الأسعار بنسبٍ ملحوظة في أيامٍ قليلة. هنا، لا تُقاسُ قوةُ الصراع بعدد الصواريخ فقط، بل بقدرته على التأثير في خبز الناس، وطمأنينة الأسواق، واستقرار الدول البعيدة قبل القريبة..
غير أنّ أكثر ما يمنح هذا المشهدَ تعقيده، هو حضوره على حافة التناقض؛ فالقوى المتواجهة لا تسعى إلى الحسم الكامل، ولا تقبلُ بالتراجع الكامل. وبين هذين الحدّين، يولدُ ما يمكن تسميته بـ"توازن القلق"، حيثُ تُبقي كلُّ جهةٍ على النار مشتعلةً بما يكفي لتردع خصمها، لا لتحرقه. إنها معادلةٌ دقيقة، تُمسكُ فيها الأطرافُ بزناد القوة، لكنها تتردّد في الضغط عليه حتى النهاية..
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز حزب الله كحقيقةٍ لا يمكن تجاوزها؛ ليس بوصفه طرفًا محليًا فحسب، بل كجسرٍ يصلُ بين الجغرافيا والفكرة، بين الدولة والامتداد، بين السلاح والسياسة. إنّه تجسيدٌ حيٌّ لفلسفة الردع الحديثة، حيثُ لا تكون القوة في استخدامها، بل في القدرة على جعل استخدامها ممكنًا في كل لحظة..
هنا تتجلّى المفارقة: فالسلاح الذي يُخيف الحرب، هو ذاته الذي يُبقي احتمالها قائمًا. والقدرة التي تمنع الانفجار، هي نفسها التي تجعل الانفجار أكثر اتساعًا إن حدث. لذلك، يبدو الجنوب اللبناني كخطّ تماسٍ ليس بين جبهتين فقط، بل بين منطقين: منطق السيطرة، ومنطق التوازن..
أما في الخلفية، فتقف قوى كبرى مثل روسيا والصين، لا بوصفها أطرافًا مباشرة، بل كعقولٍ تراقب وتستثمر وتعيد التموضع. فالعالم لم يعد ساحةً لصراعٍ واحد، بل شبكةً من المصالح المتقاطعة، حيثُ يمكن لأي توترٍ محلي أن يتحوّل إلى ورقةٍ في لعبةٍ دولية أوسع.
الجواب، على قسوته، واضحٌ لمن يقرأ ما وراء الحدث: لن تكون هناك نهاية قريبة، لأن شروط النهاية نفسها غير متوفّرة. فلا أحد قادر على فرض انتصارٍ كامل، ولا أحد مستعد لدفع ثمن الهزيمة. وما بين العجز عن الحسم ورفض التراجع، يولدُ واقعٌ ثالث، هو الاستمرار..
إنّنا لا نعيش زمن الحروب التي تنتهي، بل زمن الحروب التي تُدار. حروبٌ لا تُعلن نهايتها، لأنها لم تبدأ أصلًا بالشكل الذي يسمح لها أن تنتهي. إنها حالاتٌ دائمة من التوتر، تتبدّل شدّتها، لكنّها لا تختفي،ومن هنا، فإن التوقّع الأكثر واقعية ليس اندلاع حربٍ شاملة، ولا تحقق سلامٍ شامل، بل استمرار هذا التوازن الهشّ، حيثُ تتكرّر الجولات، وتُعاد صياغة الردع، ويبقى العالم على حافة احتمالاتٍ مفتوحة. قد تهدأ الجبهات، لكنها لا تنام. وقد تصمت الأصوات، لكن الصراع لا يصمت..
وفي عمق هذا المشهد، تتبدّى حقيقةٌ فلسفية ربما تكون الأصدق:- أن الإنسان، حين يعجز عن تحقيق العدل الكامل، يلجأ إلى إدارة الظلم بدل إنهائه، ويُسمّي ذلك توازنًا..
اللهم أني كتبت فقرأت وحللت وأستنتجت بحس وحدس منطقي،، وان كنت على
خطأ فصححوني...!؟
[وهكذا، لا تنطفئ النار… بل يُعاد توزيعها..]
المصدر:
كل العرب