ما يجري اليوم في جنوب لبنان ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل هو عملياً إعادة إنتاج لنمط احتلالي قديم بثوب جديد. إسرائيل فرضت واقعاً ميدانياً يمتد على بضعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، يصل في بعض المحاور إلى نهر الليطاني في شرقاً، وفي محاور أخرى إلى سفوح جبل الشيخ ومنطقة الحاصبيا. هذا الواقع يشبه إلى حدّ بعيد ما حدث في غزة بعد وقف إطلاق النار هناك، حين أُنشئ ما سُمّي بـ”الخط الأصفر”، وهو المصطلح ذاته الذي بدأ يظهر الآن في الخطاب الإسرائيلي حول جنوب لبنان، وربما لاحقاً في سوريا أيضاً.
المنطق الإسرائيلي واضح: تحويل “الخط الأصفر” إلى منطقة نفوذ أمني دائمة، أشبه بما يُعرف بالمنطقة B في الضفة الغربية، حيث تُترك الشؤون المدنية للدولة او السلطة المعنية، بينما تبقى السيطرة الأمنية بيد إسرائيل. أي أن الاحتلال يُعاد تعريفه ليصبح “إدارة أمنية” طويلة الأمد، دون الحاجة إلى إعلان رسمي أو تحمل كلفة سياسية مباشرة.
هذا النمط ليس جديداً. فالتجربة الإسرائيلية في جنوب لبنان خلال الثمانينيات والتسعينيات، ما عُرف بـ”الشريط الأمني”، كانت قائمة على الفكرة ذاتها: وجود عسكري مباشر أو غير مباشر، مع إدارة محلية شكلية، وهدف معلن هو “حماية الجليل”. الحكومة الإسرائيلية تبنت عام 1985 خيار الانسحاب إلى الشريط الأمني لأنه يضمن “درجة معقولة من الأمن” دون الاحتكاك المباشر مع السكان. اليوم، يبدو أن المنطق ذاته يعود، لكن بوسائل مختلفة.
من اللافت أن أصواتاً إسرائيلية تعترف بأن ما يحدث اليوم هو عودة إلى نموذج “حزام الأمن” القديم. ويبدو من عملية التهجير انه توجد هناك إرادة اسرائيلية لفرض تغيير ديموغرافي أو سياسي في جنوب لبنان.
كذلك نشهد غياب ضغط أميركي فعلي على إسرائيل للانسحاب الآن، مقابل وجود “تذمر لبناني” فقط. وقف إطلاق النار الحالي لا يُنهي المواجهة، بل يطبع واقعاً جديداً: إسرائيل تحاصر بنت جبيل، وتنشر دباباتها في الخيام، وتتعامل مع المنطقة كأنها “منطقة أمنية” يجب إدارتها لا الانسحاب منها. هذا التطبيع مع الاحتلال هو أخطر ما في المشهد، لأنه يحوّل الاستثناء إلى قاعدة، ويجعل من السيطرة العسكرية أمراً قابلاً للاستمرار دون إعلان رسمي.
التجربة التاريخية للشريط الأمني تُظهر كيف تتحول “البدائل الأمنية” إلى عقيدة، وكيف تتسرب “الكُنسِبْتسيا” إلى صناع القرار حتى تصبح أمراً مسلّماً به. قراءة هذا التاريخ ضرورة تساعدنا لفهم كيف تُعاد صياغة الاحتلال اليوم بلغة جديدة، وبأدوات أكثر نعومة، ولكن بالهدف ذاته: فرض واقع أمني دائم داخل أراضي دولة أخرى.
ما يجري في جنوب لبنان ليس مجرد ترتيبات ميدانية، بل هو محاولة لإعادة تعريف الحدود، والسيادة، وطبيعة الصراع. “الخط الأصفر” ليس خطاً أمنياً مؤقتاً، بل مشروع نفوذ طويل الأمد، يعيد إنتاج نموذج الاحتلال بطريقة أكثر قابلية للتسويق السياسي. والقبول بهذا الواقع — أو الصمت عنه — يعني عملياً القبول بعودة الشريط الأمني، ولكن تحت اسم جديد.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
المصدر:
كل العرب