يضطر مواطنون في القدس إلى هدم منازلهم بأيديهم، ليس خيارًا بل محاولة لتفادي كلفة مالية باهظة تفرضها بلدية القدس عند تنفيذ الهدم بواسطة آلياتها. هذه الظاهرة، التي تتكرر في أحياء مختلفة من المدينة، تعكس واقعًا إنسانيًا قاسيًا تعيشه عائلات تجد نفسها أمام معادلة مستحيلة: إما الهدم الذاتي أو الغرق في ديون وغرامات لا تُحتمل.
في حي الصوانة، أقدم المقدسي سامي الهشلمون الأيوبي على هدم منزله بنفسه، تنفيذًا لقرار صادر عن بلدية القدس. المنزل، الذي شُيّد عام 2016 وتبلغ مساحته نحو 70 مترًا مربعًا، لم يكن مجرد بناء، بل مأوى لعائلة حاولت لسنوات تثبيت حقها في السكن. يقول الأيوبي إنّه تقدّم بطلب ترخيص، لكن الرسوم التي فُرضت عليه كانت تفوق قدرته المالية.
يوضح الأيوبي أنّه دفع على مدار ثلاث سنوات مخالفة بناء شهرية بلغت 700 شيكل، قبل أن يصدر قرار نهائي بهدم المنزل. ويشير إلى أنّه اضطر لتنفيذ الهدم بنفسه لحماية منزل جده القائم أسفل البناء منذ عام 1936، في محاولة لتقليل الأضرار والحفاظ على ما تبقى من ممتلكات العائلة.
سلوان ايضًا
وفي بلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى، تكررت القصة. فقد أُجبر المواطن وائل هاشم جلاجل على هدم منزله في حي البستان، وفق ما أفادت محافظة القدس. المنزل، الذي تبلغ مساحته 140 مترًا مربعًا، كان يضم شقتين تؤويان عائلة مكوّنة من ثمانية أفراد. القرار لم يترك أمام العائلة خيارات حقيقية، إذ جاء الهدم الذاتي كوسيلة لتجنب غرامات مالية مرتفعة في حال تدخلت آليات البلدية.
ليست حالات فردية
تشير المعطيات إلى أن هذه الحالات ليست فردية، بل تندرج ضمن نمط متكرر يؤثر على مئات العائلات. الكاتب المقدسي مازن الجعبري يرى أن تصاعد قرارات الهدم يأتي في سياق استغلال السلطات الإسرائيلية للظروف الإقليمية والدولية، في ظل انشغال العالم بالحرب الدائرة، لتمرير سياسات تؤدي عمليًا إلى إفراغ المدينة من سكانها الفلسطينيين.
ويضيف أن تزامن هذه الإجراءات واستمرارها يعكس سياسة ممنهجة تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في القدس، عبر تقليص الوجود الفلسطيني وتعزيز مشاريع استيطانية. هذا الواقع لا يقتصر على فقدان المأوى، بل يمتد إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وتهديد الاستقرار النفسي والاقتصادي للعائلات المتضررة.
بين قرارات إدارية صارمة وتكاليف لا يمكن تحملها، يجد المقدسي نفسه أمام خيار قاسٍ: أن يهدم بيته بيديه، أو يواجه تبعات مالية قد تمتد لسنوات. في الحالتين، الخسارة واحدة، والعبء إنساني بالدرجة الأولى.
المصدر:
بكرا