الرؤساء في العالم العربي، الناطق الوحيد بحرف الضاد، لا يخرجون من بيوتهم إلى مكانبهم ولا يتجولون بدون حراسة مشددة، تختلف قوة هذه الحراسة من رئيس إلى آخر. فكلما كان ظلم الرئيس أكثر للشعب، كلما كانت الحراسة شديدة أكثر خوفا من الشعب وليس عليه. كما أن هؤلاء الرؤساء ومسؤوليهم، لا يختلطون أبداً بأبناء جلدتهم في الأماكن العامة. حتى أن بعض الرؤساء العرب أمر باستخدام مروحية عسكرية لمراقبة وحماية موكبه خلال تحركاته، إضافة إلى سيارته الرئاسية المصفحة والسيارات الأمنية والدراجات النارية المرافقة، وإغلاق الشوارع المؤدية إلى شارع موكب الرئيس، وكل ذلك يتم على أساس إجراءات أمنية لضمان حياة الرئيس.
في كل زياراتي للعاصمة الفرنسية باريس، يحلو لي وبكل صدق أن أتجول بكثرة في شوارعها، ولا سيما في حي "الشانزليزيه". وخلال إحدى زياراتي لعاصمة الحضارة والرقي (كما يسمونها)، جلست مع زميل لبناني في أحد مقاهي الحي. وكم كانت دهشتي غريبة عندما مر من أمام الطاولة التي نجلس عليها، الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك مع صديق له، وجلسا على بعد أمتار قليلة منا، دون أن يلتفت إليه أحد. ولم يمض وقتها سوى أسابيع قليلة على انتهاء فترة رئاسة جاك شيراك.
أتى النادل وسألهما عما يرغبان، دون أي اهتمام زائد ومصطنع بهما، وأحضر لهما ما يريدان. ولم يكن بصحبة شيراك أي مرافق للحماية، شأنه شأن أي مواطن عادي آخر، ولا يزعجه الناس ويعيش حياته بحرية تامة، رغم أن القوانين الخاصة بالرؤساء السابقين تضمن توفير الحماية لهم، لكن بعض الرؤساء يرفضون ذلك.
وفي إحدى زياراتي للعاصمة السويدية ستوكهولم، وبينما كنت في طريقي إلى البرلمان برفقة أحد الزملاء لحضور جلسة كانت مخصصة عن الشرق الأوسط، رأيت وأنا قبالة البرلمان رجلاً ينزل عن دراجته الهوائية ويركنها في مكان مخصص للدراجات دون أن يقفلها بجنزير حديدي. ولم يكن وجه الرجل غريبا علي، لأنه كان وجها مألوفا لي. فأخبرني صديقي بأن الرجل هو رئيس وزراء السويد أولاف بالما، وقد جاء ليرأس الجلسة البرلمانية.
وفي زياراتي الكثيرة للمملكة الدانماركية التي تتكون من حوالي خمسمائة جزيرة، كنت أرتاح في قضاء الــ "ويك إند" في بعض جزرها، ولا سيما في مدينة "سكيفا" الهادئة. وذات مرة وأنا في هذه المدينة رأيت امرأة عجوز تجاوزت السبعين من العمر، تضع على رأسها قبعة، تنزل من سيارتها وتقبل أطفالاً كانوا يحملون أعلاماً دانماركية، ثم دخلت إلى حانوت واشترت هي بنفسها حاجة لها. فأخبرني صديقي بأن هذه السيدة العجوز هي ملكة الدانمارك، وكانت بدون أي مرافق لها باستثناء السائق.
قارنت بين ما شاهدته وعشته من تصرفات لرؤساء عرب حاليين وسابقين، وما يجمعوه حولهم من مرافقين بالسلاح لحماية مواكبهم من جميع الجهات، رغم أن سياراتهم ألأحدث من نوعها هي مصفحة، وبين ممارسات رؤساء وقادة أوروبيين، يمتلكون سيارات عادية وحتى دراجات هوائية. وقلت في نفسي (بحسرة طبعاً): هكذا تكون الأمم الراقية. فمتى سنصل إلى هذا المستوى؟
المصدر:
كل العرب