تتواصل خروقات الجيش الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، في ظل تصاعد الاستهدافات التي أسفرت عن سقوط ضحايا وجرحى، وسط أوضاع إنسانية متدهورة تمر بها مختلف مناطق القطاع.
وقد شهدت الأيام الماضية موجة عنف جديدة استهدفت نازحين ومدنيين في مناطق متفرقة من مدينة غزة، ما يزيد من التحديات الإنسانية ويضع السكان تحت تهديد دائم.
وفي حادثة مأساوية مساء اليوم الخميس، ارتقى نازح وأصيب آخر بجروح خطيرة إثر قصف إسرائيلي استهدف مجموعة من النازحين قرب ساحة الشوا في حي التفاح شمال شرق مدينة غزة، بحسب مصادر محلية.
وفي حادثة أخرى، قتل الشابان حمزة صيام ومحمد فرحات بعد أن استهدفت طائرة مسيرة إسرائيلية مجموعة من النازحين في شارع كشكو شرق حي الزيتون، ما أدى إلى سقوط مزيد من الضحايا، وفق وزارة الصحة الفلسطينية.
وفي ساعات متأخرة من ليلة الأربعاء، توفي فتى في مدينة غزة إثر انهيار حائط عليه بالقرب من متنزه البلدية، نتيجة الرياح، بحسب الدفاع المدني، في حادثة تضاف إلى سجل الضحايا المدنيين الذين قضوا نتيجة انهيارات منازل وجدران آيلة للسقوط، في ظل الدمار الواسع الذي خلّفه القصف الإسرائيلي السابق خلال الحرب على القطاع.
وتواصل إسرائيل خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع حركة حماس، والذي بدأ سريانه في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
ومنذ ذلك التاريخ، أسفر عن ارتقاء 677 مواطنًا وإصابة 1813 آخرين.
يذكر أن الاتفاق أنهى حربًا استمرت عامين بدأت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وخلفت أكثر من 72 ألف ضحية وما يزيد على 171 ألف جريح، إضافة إلى دمار واسع قُدرت كلفة إعادة إعمار القطاع الناجم عنه بنحو 70 مليار دولار وفق تقديرات الأمم المتحدة.
أفادت المصادر الطبية الفلسطينية، الخميس، بمقتل أربعة نازحين وإصابة آخرين بجروح خطيرة إثر قصف إسرائيلي استهدف مجموعتين من النازحين، إحداهما قرب ساحة الشوا في حي التفاح، والأخرى في منطقة الزيتون.
يأتي ذلك في وقت ما زالت فيه أجزاء كبيرة من القطاع تعاني من دمار مبانٍ ومرافق عامة، ما يزيد من مخاطر وقوع مزيد من الضحايا.
وفي تطور إنساني لافت، أعادت السلطات الإسرائيلية فتح معبر رفح جنوب قطاع غزة بشكل محدود، بعد إغلاق استمر نحو 20 يومًا، ضمن آلية تشغيل تضع السيطرة الأمنية تحت إشرافها.
وأكدت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني نقل 25 مريضًا برفقة مرافقيهم من مستشفى التأهيل الطبي في مدينة خان يونس إلى المعبر، تمهيدًا لمغادرتهم القطاع لتلقي العلاج في الخارج.
وأضافت الجمعية أن هذه الخطوة تهدف إلى تخفيف الضغط على المرافق الصحية المتدهورة داخل القطاع، وتسهيل وصول الحالات الحرجة إلى المستشفيات خارج غزة.
وفي السياق ذاته، أشارت الهيئة المصرية للإعلام إلى وصول دفعات من الفلسطينيين العائدين إلى غزة من الجانب المصري عبر معبر رفح، حيث قدم الهلال الأحمر المصري لهم خدمات إغاثية، شملت الدعم النفسي، خاصة للأطفال، وتوزيع مساعدات إنسانية، إضافة إلى تقديم الرعاية الصحية للجرحى والمرضى قبل نقلهم إلى المستشفيات المصرية.
طالع أيضا: جنوب لبنان ينزف.. تصعيد إسرائيلي متسارع ومعارك مفتوحة تُنذر بدمار واسع ونزوح غير مسبوق
وأوضحت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل أن إعادة فتح المعبر ستكون لحركة محدودة للأفراد فقط، في كلا الاتجاهين، عقب ما وصفته بـ"تقييم أمني"، مع استمرار فرض القيود الأمنية.
وأكدت أن حركة العبور ستخضع لموافقة أمنية مسبقة من الجانب الإسرائيلي، وبالتنسيق مع مصر، وتحت إشراف بعثة الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن إجراءات التفتيش الإضافية ستتم داخل مناطق تسيطر عليها القوات الإسرائيلية.
وكان من المفترض إعادة فتح المعبر ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن.
كما أظهرت بيانات مركز التنسيق الأميركي في كريات غات (CMCC) انخفاض عدد شاحنات المساعدات التي تدخل القطاع بنحو 80% منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، حيث تراجع المعدل الأسبوعي من نحو 4200 شاحنة قبل الحرب إلى 400 شاحنة هذا الأسبوع، ما أثر بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية داخل القطاع.
انعكس التراجع الحاد في تدفق المساعدات على ارتفاع أسعار المواد الغذائية ونقص السلع الأساسية داخل القطاع، حيث ارتفع سعر كيس الطحين (25 كغم) إلى نحو 100 شيكل، أي ثلاثة أضعاف السعر السابق، كما ارتفع سعر كيلو البندورة من نحو 5 شواكل إلى 12، فيما اختفت منتجات أساسية مثل زيت الطهي والمعلبات من الأسواق.
وفي القطاع الصحي، حذرت المستشفيات ووزارة الصحة في غزة من تفاقم النقص في المعدات الطبية والأدوية، فيما أبدت منظمة الصحة العالمية قلقها من انهيار أنظمة الكهرباء المعتمدة على المولدات بسبب نقص الوقود وقطع الغيار، الأمر الذي يزيد من خطورة الوضع على المرضى والجرحى.
وتشير تقديرات فلسطينية إلى أن نحو 22 ألف مريض وجريح بحاجة ماسة لمغادرة القطاع لتلقي العلاج، في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية.
أفادت قناة "القاهرة الإخبارية" بإعادة فتح معبر رفح في الاتجاهين للسماح بخروج المرضى وعودة السكان، في خطوة إنسانية ضرورية وسط الأزمة المستمرة.
كما أرسلت بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (يوبام) إلى رفح لمراقبة إجراءات العبور وتسهيل التنسيق بين الأطراف المعنية.
وفي خطوة أثارت جدلاً، أعلنت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية وقف إدخال شحنات مساعدات عبر المعبر، بعد ضبط مواد غير مصرح بها، ما دفع منظمة "يونيسف" لفتح تحقيق داخلي، مؤكدة التزامها بسياسة عدم التسامح مع إدخال أي مواد غير مصرّح بها، ومشددة على أهمية استمرار المساعدات لتخفيف معاناة الأطفال والعائلات في غزة.
وفي المقابل، أكدت وحدة التنسيق الإسرائيلية استمرار إدخال المساعدات وفق الاحتياجات، مشيرة إلى دخول مئات الشاحنات يوميًا بعد فحص أمني، مدعية وجود توفر كافٍ للغذاء لفترة طويلة، رغم التحديات الإنسانية الكبيرة التي يعاني منها السكان.
وفي ظل استمرار خروقات وقف إطلاق النار، تتعرض غزة لضغط مزدوج: عنف متواصل يهدد الحياة اليومية للسكان، وانهيار تدريجي للخدمات الأساسية، بما في ذلك الصحة والغذاء والمأوى.
ويشير هذا الواقع إلى الحاجة الملحة لتدخلات دولية عاجلة لتوفير الحماية الإنسانية للسكان، وتأمين وصول المساعدات الطبية والغذائية، فضلاً عن ضرورة الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، لتجنب المزيد من الخسائر البشرية والمآسي الإنسانية في القطاع.
وتظل غزة، بعد سنوات من النزاع والحصار، مسرحًا لأزمة إنسانية متفاقمة، تعكس عمق التحديات التي تواجه المدنيين، وسط غياب أي حلول سياسية عاجلة، مما يجعل الحاجة للمساعدات الدولية وحماية المدنيين أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
المصدر:
الشمس