في ظل أجواء الصيام التي يعيشها المسلمون في شهر رمضان المبارك والمسيحيون في الصوم الأربعيني المقدس، تشهد مدينة القدس واقعا استثنائيا مع استمرار إغلاق المسجد الأقصى وكنيسة القيامة أمام المصلين، في خطوة أثارت قلقًا واسعا وتحذيرات من تداعياتها الدينية والإنسانية والسياسية.
وقال المطران عطالله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس لموقع بكرا ،إن المسيحيين والمسلمين يعيشون أيام الصيام؛ فالمسلمون يصومون شهر رمضان المبارك، فيما يصوم المسيحيون الصوم الأربعيني المقدس.
وأضاف للأسف، في هذه الفترة التي يفترض أن تكون مخصصة للعبادة والتقرب من الله وممارسة الطقوس الدينية، نلاحظ أن كنيسة القيامة والمسجد الأقصى مغلقان.
وأوضح المطران حنا أنه في أوقات الصوم، وفي ظل الآلام والمعاناة التي يعيشها الناس، يلجأ الإنسان بطبيعته إلى خالقه وبارئه، ويكثف من صلواته وأدعيته طلبا للعون والسكينة.
وأشار إلى اننا نتفهم أن البلاد تمر بظروف حرب قد تستدعي اتخاذ إجراءات احترازية، مؤكدا أن سلامة الناس أمر مهم، إلا أنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة أن يتمتع المؤمنون بحرية الوصول إلى أماكنهم المقدسة، خاصة في هذه الأيام التي يصوم فيها المسلمون والمسيحيون استعدادا لأعيادهم ومناسباتهم الدينية.
فتح الأقصى والقيامة أمر بالغ الأهمية
وأضاف المطران حنا أن الإجراءات الاحترازية قد تكون ضرورية، لكن العبادة أيضا ضرورية، مؤكدا أن فتح المسجد الأقصى وكنيسة القيامة أمر بالغ الأهمية، ولا سيما في هذه الأوقات الأليمة التي يلجأ فيها الإنسان إلى ربه ملتمسا المعونة والبركة والقوة.
واعرب المطران حنا عن أمله في أن يتم فتح المسجد الأقصى وكنيسة القيامة قريبا، حتى يتمكن المؤمنون المسلمون والمسيحيون من ممارسة عباداتهم والوصول بحرية إلى أماكنهم المقدسة.
300 الف مصل
وقال المحلل السياسي فضل طهبوب لموقع بكرا "أنه في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان من كل عام يزدحم المسجد الأقصى بالمصلين، حيث يصل عددهم عادة إلى نحو 300 ألف مصلٍ أو أكثر، إضافة إلى آلاف المعتكفين الذين يبيتون في الحرم بعد صلاة العشاء حتى السحور، في إطار أجواء العبادة التي يحرص عليها المسلمون في هذا الشهر الكريم من صلاة وقراءة للقرآن وسائر الطاعات، وهي من العادات الراسخة لدى أبناء الشعب الفلسطيني، وخاصة المقدسيين، في الأيام الأخيرة من رمضان."
واضاف "أن ما جرى في هذه المرحلة يعد سابقة خطيرة، إذ إنه للمرة الأولى منذ عام 1967 يتم إغلاق المسجد الأقصى بهذه الطريقة الشاملة، بحيث منعت الزيارات والصلاة فيه كليا، سواء في النهار أو الليل، ما يعني حرمان المسلمين من أداء عباداتهم في شهر رمضان داخل المسجد الاقصى، وهو ما يشكل مساسا واضحا بحقوقهم الدينية ومشاعرهم."
واشار طهبوب إلى أنه رغم خطورة ما يحدث، لا يوجد حراك دولي أو إسلامي فاعل تجاه هذه الإجراءات، ويوضح أن المسجد الأقصى اليوم يبدو وكأنه أسير؛ فليس فقط المصلون من منعوا من دخوله، بل إن الحرم نفسه بات مكبلًا ومغلقة أبوابه بشكل كامل، في مشهد غير مسبوق في تاريخ مدينة القدس.
اضراب شامل
واوضح طهبوب أن هذا الإغلاق أثر بشكل كبير على الحياة العامة في المدينة، حيث اعتاد المقدسيون في الأيام الأخيرة من رمضان استقبال الزوار من مختلف المناطق، بما في ذلك من داخل الأراضي الفلسطينية وأحيانا من قطاع غزة، كما تنشط الأسواق وتزداد حركة البيع والشراء. أما اليوم، فالوضع مختلف تماما؛ إذ تبدو المدينة وكأنها في حالة إضراب شامل، فالأسواق مغلقة والحركة شبه معدومة، والحرم مغلق بالكامل، فلا صلاة ولا نشاط تجاري.
ويرى طهبوب أن ما يجري ليس بدافع الحرص على سلامة الناس أو بسبب الحرب، بل هو، أشبه بـ"بروفة" أو تجربة من قبل إسرائيل لفرض سيطرة كاملة على المدينة في المستقبل.
وحذر طهبوب من خطورة بعض التصريحات الصادرة عن شخصيات إسرائيلية، التي تحدثت صراحة في وسائل الإعلام عن رغبتها في حدوث اعتداء أو قصف للحرم، بما قد يفتح الباب أمام مخططات لإقامة "الهيكل" مكانه، وهو ما يشكل خطرا كبيرا يتمثل في احتمال افتعال حادثة ما ضد المسجد الأقصى.
واكد أن هذه القضية تمثل مسؤولية كبرى على عاتق الدول الإسلامية، ويشير إلى أن الاكتفاء ببيانات الإدانة والاستنكار لم يعد كافيا، بل يتطلب الأمر تحركا سياسيا وقانونيا أكثر جدية، بما في ذلك التوجه إلى المؤسسات الدولية واتخاذ إجراءات واضحة لمحاسبة إسرائيل على هذه السياسات.
واكد طهبوب إن مدينة القدس تبدو اليوم مدينة مغلقة، كما أن كنيسة القيامة أغلقت هي الأخرى، ويؤكد أن العنوان الأبرز لما يجري حاليا هو أن المسجد الأقصى أصبح أسيرا، وأبوابه مغلقة ، في سابقة لم تحدث منذ عام 1967 حتى اليوم.
المصدر:
بكرا