آخر الأخبار

الدكتور عامر جرايسي لـ”الصنارة”: على الأهل ألا يرضخوا للواقع وأن يعملوا على تعزيز التواصل والحياة الاجتماعية عند أولادهم

شارك

زياد شليوط

تُعدّ الحروب من أكثر التجارب قسوة على الأطفال، إذ تؤثر في إحساسهم بالأمان، وتُربك تطورهم النفسي، وتترك آثاراً قد تستمر لسنوات. وأثناء الحروب والصراعات المسلحة، قد يسمع الأطفال أصوات صافرات الإنذار، ودوي إطلاق النار والانفجارات، وتحليق المقاتلات والصواريخ في السماء، علاوة على مشاهد الخراب والدمار والقصف على شاشات التلفزيون وفي مقاطع الفيديو عبر الإنترنت.

ولمعرفة أهم المخاطر النفسية التي يواجهها الأطفال جراء الحروب، وما يمكن أن يتعرضوا له من آثار نفسية سلبية قد تؤثر عليهم ربما لسنوات طويلة بعد هذه التجارب المريرة، التقت “الصنارة” بالمعالج النفسي الدكتور عامر جرايسي.

الصنارة: أظهر استطلاع للمجلس الوطني لسلامة الطفل في 2024، شارك فيه 504 من أولياء أمور لأولاد في جيل 6-17 سنة. أشار 85% منهم الى ارتفاع في العلامات الجسدية، النفسية وسلوكية لدى أولادهم. كيف تفسر هذه المعطيات خاصة وأنها لم تتطرق إلى الحرب الدائرة حاليا؟

د. جرايسي: إن النتائج المشار اليها منطقية وتلائم الواقع. من المعروف أن مشاعر وسلوك الأولاد تتأثر بالبيئة والأجواء التي يحيون ضمنها. عندما يتمتع الأولاد بحالة من الثبات والاستقرار والدفء، تكون سلوكياتهم إيجابية. لكن في حالة من عدم الاستقرار كما يحصل اليوم في ظل الحرب (وهي حالة معاكسة للوضع العادي)، فان مشاعر الأولاد وأفكارهم تنعكس في سلوكياتهم. لذا فان النتائج ليست مفاجئة لنا، فالأولاد مثل البالغين يتأثرون بما يجري حولهم. والأولاد ليسوا مجموعة متجانسة، فهناك من يبدي مشاعر الراحة والسرور خاصة وأنهم في هذه الحالة يقضون أوقاتا أكثر مع ذويهم كما أنهم يبتعدون عن المدرسة وواجباتها، ليسوا مضطرين للاستيقاظ مبكرين لهذا فهم يتمنون أن تستمر هذه الحالة.

الصنارة: لكن نرى ونسمع من الأهالي بأن سلوكيات أبنائهم غالبا ما تنحو نحو المظاهر السلبية!

د. جرايسي: هناك آثار سلبية للحرب تتعلق بنفسية الأولاد. هناك من يميل للعدوانية مثل الغضب والتفوه بألفاظ شاذة، وهناك من يبدي الخوف والقلق في سلوكه لأن ثقته تهتز من صوت الصافرة والانفجارات، ويبدي مشاعر الخوف من الظلمة أو الآلام الجسدية وغيرها. وهناك نوع يظهر حالة من الجمود والخمول ويتجه نحو الحزن وعدم المبادرة والتقوقع.

اذن نحن أمام ثلاث حالات نفسية عاطفية بين الأولاد: الغاضب، الخائف والحزين.

وفي حالة الحرب وانعكاسها اليوم على أولادنا سلوكيا، نلاحظ أن هناك من يميل للخمول وعدم المبادرة واختيار التأجيل والمماطلة. وعلى الجانب المعاكس هناك من يميل الى الحركة الى حد الافراط واختيار الاستفزاز والازعاج والمضايقة للآخرين.

وبالنسبة للجانب الاجتماعي نرى أيضا حالتين متعارضتين، الأولى تتمثل في نوع من الأولاد الذين يعملون على تعزيز العلاقات مع أترابهم وتطويرها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو تبادل الزيارات، وبالمقابل نرى من يتجه نحو التقوقع والانعزال في غرفته والاكتفاء باللهو بالألعاب الألكترونية والتعلق بالشاشات وما شابه.

الصنارة: لا شك أن للأهل دور مركزي في هذه الحالة الصعبة والتي تشهد تقلبات كثيرة عند أولادهم، كيف لهم أن يواجهوا هذا الواقع الجديد خاصة وأن غالبيتهم لا يملكون الأدوات لهذه الغرض؟

د. جرايسي: يبقى دور الأهل هم الأهم وعليهم ألا يرضخوا للواقع وأن يعملوا على تعزيز التواصل والحياة الاجتماعية عند أولادهم، لأن الانخراط في حياة المجتمع يبقى بمثابة حصانة نفسية لهم. أما دورهم في تخفيف الاضطرابات النفسية لدى أبنائهم فيكون في مسارين متكاملين.

المسار الأول وهو النفسي – العاطفي، ويتطلب من الأهل الجلوس مع أطفالهم وتشجيعهم في التعبير عن مشاعرهم ومساعدتهم على ذلك وضمان الشرعية لها من أجل الحفاظ على الصحة النفسية لهم. على الأهل أن يحتضنوا أولادهم وغمرهم بمحبتهم ومكاشفتهم بأنهم هم مثلهم ينتابهم الخوف أحيانا، ليعرف الأبناء أن هناك من يفهمهم من خلال الحديث والنقاش لكن دون المبالغة في ابداء المشاعر.

والمسار الثاني وهو المسار العملي، ويتمثل في حث الأبناء على مواصلة حياتهم النظامية التي اعتادوا عليها، وابعادهم عن حياة الفوضى المستجدة، بحيث يساعدونهم على الحفاظ على واجباتهم الاعتيادية (مثل: ساعة النهوض من النوم، مهام البيت والدراسة)، حتى تستمر حياته دون اضطراب، وبما يتناسب والظروف بعيدا عن الفوضى في تأدية المهام.

الصنارة: هل ما تقوم به المدارس من تعليم عن بعد فيه نجاعة للطلاب، خاصة وأن عددا كبيرا منها غير مهيأ لمثل أساليب كهذه؟

د. جرايسي: من الواضح أن أسلوب التعلم عن بعد لا يناسب الكثيرين، فالبرنامج مختصر ومتقطع بسبب الصافرات، كما أن المدرسة غير جاهزة لبرنامج كهذا. من ناحية الطلاب لا يرغبون بالتعلم عن بعد مما يخلق فجوة نتيجة الظروف، ولهذا من المهم أن يحافظ الأهل على حد أدنى ولا يتوقعون الكثير من أبنائهم. أضف الى ذلك أن غالبية مجتمعنا العربي يعيشون في أيام رمضان المبارك، وفي ظل أجواء التعبد والصيام وممارسة العادات الاجتماعية فيه، جاءت الحرب فخلقت مزيجا من المشاعر التي تؤثر على الناس عامة، والصغار خاصة وتخلق حالة من فوضى المشاعر والسلوك لديهم.

الصنارة: في تلك الحالة كيف ستقوم العلاقة السوية بين المعلم/ة والطالب/ة، أضف اليها دخول الذكاء الاصطناعي وغيره الى حياة الطلاب مما يفقد مركزية دور المعلم/ة!

د. جرايسي: المعلم هو انسان في نهاية المطاف ويمر بكل الظروف أسوة بباقي الشرائح، والتي تؤثر وتمس بأدائه. واليوم فرض على المعلمين التواصل مع الطلاب من خلال منظومة جديدة لم يتم تهيأتهم لها، مما مسّ بقدرتهم التعليمية. وتقع المسؤولية أولا على وزارة المعارف التي تركت المعلم يقف أمام تحد كبير. لكن أمام المعلم تبقى فرصة أن يبدع وينجح في بناء علاقة خاصة مع طلابه، أو يبقى مكانه عندها ستحصل فجوة في العلاقة يسودها الخلل.

الصنارة: حصل تراجع في نسبة الجريمة في مجتمعنا العربي مع بداية الحرب، وشهدنا ذلك أيضا مع بداية الحرب في غزة، فهل هناك تفسير لديك لهذه الظاهرة؟

د. جرايسي: لدي انطباع وليس تفسيرا، بأن الجهات التي تنفذ الجرائم، تدرك أنه في فترة الحرب حيث تستنفر كل الأجهزة الأمنية في الدولة، عليها أن تأخذ ذلك بالحسبان لئلا تعرض “جنودها” للخطر، فتلجأ للحذر والتراجع من منطلق أن الغاية تبرر الوسيلة، مما يعزز الراي القائل بأن الجريمة ستعود للظهور بوتيرة أكبر مع تراجع الحرب ونهايتها.

الصنارة: لا شك أنه سينشأ لدينا جيل مختلف في المستقبل القريب، الذي عاش ظروفا غير طبيعية منذ ست سنوات، كيف ستكون صورة هذا الجيل، وماذا على الأهل فعله استعدادا للمرحلة القادمة؟

د. جرايسي: هذا السؤال سيشغل بال الباحثين في المستقبل. فالأولاد لم يكبروا في جو منتظم انما في جو من الفوضى، والتعليم شهد فترات من الانقطاع مما ذوّت عند الأطفال حالة من عدم الانتظام وفجوات كبيرة في التعليم وصعوبات في معرفة الأساسيات. وعلى الجانب العاطفي يتوقع أن يظهر خلل في عملية تطور أبناء هذا الجيل. ليس هناك من جواب قاطع في هذه المسألة التي ستبقى خاضعة للفحص والدراسة في المستقبل القريب.

وتبقى نصيحة أساسية لأولياء الأمور والمعلمين، أنه يجدر بنا كبشر تخصيص الوقت لتجديد طاقاتنا واستغلال هذه التجربة كفرصة للتقرب من بعض، وتوفير الأمان والاحتضان للأبناء واحداث التقارب والتواصل معهم لتعزيز العلاقة بين جميع الأطراف. هذا واقع فرض علينا ومن واجبنا معرفة كيفية تحويله إلى فرصة إيجابية لتعزيز العلاقات.

الصّنارة المصدر: الصّنارة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا