ازدواجية خطاب اليمين الإسرائيلي في مسألة مشاركة العرب في الحكم
بقلم: محمد دراوشة
من يتابع الخطاب السياسي الإسرائيلي يلاحظ ظاهرة ثابتة تكاد تتحول إلى جزء من بنية الحياة الحزبية: ازدواجية اليمين في التعامل مع مسألة مشاركة المواطنين العرب في الحكم، سواء عبر الائتلاف، أو الدعم الخارجي، أو الكتلة المانعة. هذه الازدواجية لا تنبع من اختلافات أيديولوجية بقدر ما تعكس نهجاً سياسياً يقوم على استغلال العرب عند الحاجة، وشيطنتهم عند زوال الحاجة، مع محاولة احتكار شرعية التعاون معهم.
فعندما احتاج اليمين إلى دعم القائمة العربية الموحدة برئاسة الدكتور منصور عباس، رأينا كيف تبدلت اللغة بين ليلة وضحاها. تحوّل الخطاب من التخوين إلى “الشراكة البراغماتية”، ومن الاتهام إلى الإطراء. أصبح منصور عباس “رجل دولة”، وأصبحت الموحدة “شريكاً طبيعياً”. لم يتردد قادة اليمين في التفاوض معه، بل زحف بعضهم سياسياً وإعلامياً باتجاهه، وشرعنوا التعاون معه باعتباره خطوة مسؤولة تخدم “مصلحة الدولة”.
لكن ما إن يقترب معسكر المركز–يسار من فكرة التعاون مع الأحزاب العربية، حتى ينقلب الخطاب رأساً على عقب. فجأة يصبح هذا التعاون “خيانة وطنية”، و”تهديداً للأمن القومي”، و”تحالفاً مع داعمي الإرهاب”. نفس الأحزاب العربية التي كانت قبل أشهر “شركاء شرعيين” تصبح فجأة “خطرًا وجوديًا”. ونفس الأصوات التي تغنّت ببراغماتية منصور عباس تعود لتشيطن أي محاولة للتقارب معه إذا جاءت من جهة أخرى.
المركز–يسار: عقدة الخوف من اليمين
المفارقة الأكبر تكمن في رد فعل أحزاب المركز–يسار نفسها. فبدلاً من مواجهة هذا الخطاب المزدوج بثقة، نجدها تتصرف وكأنها أسيرة له. تعاني هذه الأحزاب من عقدة خوف مزمنة من هجوم اليمين، حتى باتت تتردد في الإعلان صراحة عن استعدادها للاعتماد على النواب العرب في أي ائتلاف مستقبلي.
هذا التردد لا يعكس فقط ضعفاً في الشجاعة السياسية، بل يعكس أيضاً فهماً خاطئاً للواقع. فالمجتمع العربي يشكل أكثر من ٢٠٪ من المواطنين، وله تمثيل برلماني ثابت، وهو جزء لا يتجزأ من الخارطة السياسية. ومع ذلك، يتعامل المركز–يسار مع هذا الواقع وكأنه عبء يجب إخفاؤه، لا فرصة يجب استثمارها.
إن خوف هذه الأحزاب من هجوم اليمين يجعلها تتبنى عملياً جزءاً من روايته، حتى دون أن تقصد. فهي لا تجرؤ على إعلان شراكة كاملة مع الأحزاب العربية، ولا تملك الجرأة لطرح رؤية سياسية واضحة حول دمج المواطنين العرب في الحكم. وبدلاً من ذلك، تكتفي بإشارات خجولة، وتلميحات غير مباشرة، وكأنها تخشى أن تُلتقط عليها صورة وهي تتحدث مع نائب عربي.
رابين: نموذج تاريخي لشجاعة سياسية مفقودة اليوم
ولعلّ المثال الأبرز الذي يكشف حجم التراجع في شجاعة المركز–يسار هو ما فعله إسحاق رابين بعد انتخابات 1992.
ففي تلك المرحلة، لم يتردد رابين في الاعتماد على الحزب الديمقراطي العربي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة كشبكة أمان برلمانية لحكومته.
كان واضحاً وصريحاً: السلام يحتاج إلى أغلبية، وهذه الأغلبية تشمل النواب العرب.
لقد تعامل رابين مع المواطنين العرب باعتبارهم جزءاً شرعياً من العملية السياسية، وليسوا “عبئاً انتخابياً” أو “خطرًا أمنياً”.
وبفضل هذا الموقف الشجاع، تمكن من تمرير خطوات تاريخية، أبرزها اتفاقيات أوسلو، رغم المعارضة الشرسة من اليمين.
هذا المثال التاريخي يكشف أن المشكلة ليست في “استحالة” التعاون مع العرب، بل في غياب القيادة التي تمتلك الجرأة على اتخاذ موقف واضح.
فما كان ممكناً قبل أكثر من ثلاثين عاماً، في ظروف سياسية أكثر توتراً، يبدو اليوم “مستحيلاً” فقط لأن أحزاب المركز–يسار فقدت ثقتها بنفسها.
اليمين: العرب شركاء فقط عندما يخدمون مصالحه
في المقابل، يتعامل اليمين مع العرب بمنطق نفعي واضح. عندما يحتاجهم، يصبحون “شركاء”، وعندما لا يحتاجهم، يصبحون “خطرًا”، ويتبجحون بعنصريتهم جهراً. هذه البراغماتية ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة. فقد رأينا كيف تم تقديم التعاون مع الموحدة على أنه خطوة “تاريخية”، وكيف تم تصوير منصور عباس على أنه “جسر بين المجتمعين”. لكن هذه اللغة اختفت بمجرد تغيّر الظروف السياسية.
أزمة سياسية أعمق
هذه الازدواجية، إلى جانب تردد المركز–يسار، تكشف أزمة أعمق في السياسة الإسرائيلية: أزمة قبول العرب كمواطنين متساوين في الحقوق السياسية. فالمشكلة ليست في مشاركة العرب بحد ذاتها، بل في استعداد الأحزاب اليهودية لقبول هذه المشاركة كجزء طبيعي من النظام السياسي، والتغلب على العنصرية الدفينة فيها.
نحو خطاب سياسي أكثر صدقاً
إذا أرادت إسرائيل أن تتقدم نحو مستقبل سياسي صحي، فعلى الأحزاب كافة أن تتخلص من هذه الازدواجية. مشاركة العرب في الحكم ليست “خيانة”، وليست “تنازلاً”، وليست “مغامرة”. إنها حق ديمقراطي أساسي. وعلى المركز–يسار أن يتحرر من خوفه، وأن يتعامل مع العرب كشركاء طبيعيين، لا كعبء انتخابي. وعلى اليمين أن يتوقف عن استخدام العرب كورقة سياسية موسمية.
إن الاعتراف بشرعية مشاركة العرب يجب أن يكون مبدأ ثابتاً، لا موقفاً ظرفياً. فبدون هذا الاعتراف، ستبقى السياسة الإسرائيلية أسيرة ازدواجية لا تخدم أحداً، وتضر بالجميع.
المصدر:
كل العرب