لم تكن المظاهرات الأخيرة ضد الجريمة مجرّد تجمّع جماهيري عابر، بل كانت صرخة ألمٍ صادقة خرجت من عمق معاناة مجتمعٍ أنهكته دوامة العنف والجريمة. كانت رسالة واضحة تقول إنّ الصبر قد بلغ حدّه، وإنّ الخوف لم يعد أمرًا مقبولًا، وإنّ كرامة الإنسان وأمنه يجب أن يكونا فوق كل اعتبار.
وقد جعل الإسلام حفظ النفس من أعظم المقاصد، فقال تعالى:
ليؤكد أنّ الاعتداء على حياة الإنسان جريمة تهزّ كيان المجتمع كله، لا مجرد اعتداء فردي.
هذه المظاهرات أعادت ترتيب الأولويات، وكسرت كثيرًا من الحواجز النفسية والاجتماعية، وذوّبت الفوارق أمام حجم الخطر المشترك. فقد أدرك الجميع أن الجريمة لا تفرّق بين بيتٍ وبيت، ولا بين عائلةٍ وأخرى، وأنّ النار إذا اشتعلت فلن تستثني أحدًا.
لكن، ورغم أهمية هذه الهبّة الشعبية، يبقى السؤال الأهم: هل الشارع وحده هو العلاج؟
الحقيقة أن المظاهرات تعبّر عن الألم، لكنّها ليست وحدها الدواء. فالعلاج الحقيقي يوجد في أماكن أخرى أعمق وأبعد أثرًا.
وقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام مبدأ المسؤولية الجماعية بقوله:
"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته".
فالإمام مسؤول، والرجل في أهله مسؤول، والمرأة في بيتها مسؤولة، وكل فرد مسؤول عن موقعه ودوره في حماية المجتمع.
كما أن جزءًا أساسيًا من العلاج يرتبط بالقرار السياسي والمهني، وبوجود منظومة عدالة حقيقية تطبّق القانون بإنصاف وحزم، وتحمي الإنسان البريء، وتمنع تحوّل الجريمة إلى ظاهرة أو إلى قوّة اجتماعية موازية.
إنّ مواجهة الجريمة ليست معركة لحظة، بل مشروع وعي طويل، يحتاج إلى تضافر الجهود، وإلى شجاعة في التشخيص قبل شجاعة المواجهة. فالمجتمعات التي تنتصر على الجريمة هي تلك التي تعالج جذورها، لا فقط مظاهرها.
إنّ صرخة الألم التي خرجت في المظاهرات يجب أن تتحوّل إلى مشروع إصلاح شامل، يشارك فيه الجميع، لأن المسؤولية مشتركة، ولأن الأمن ليس ترفًا، بل هو أساس الحياة الكريمة.
فإذا كانت المظاهرات قد قالت: إنّ الألم وصل إلى الذروة، فإنّ المرحلة القادمة يجب أن تقول: إنّ العلاج قد بدأ فعلًا.. في العقول، وفي القيم، وفي المؤسسات، وفي القرارات.
المصدر:
كل العرب