ما بين الفعل والمراقبة: في أنماط مواجهة العنف والجريمة في المجتمع العربي
الشيخ د. كامل ريان
رئيس مركز أمان
تحوّلت ظاهرة العنف والجريمة في المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل من حالة طارئة إلى واقع بنيوي معقّد، تتداخل فيه عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية وأمنية. ومع تعمّق الأزمة، لم يكن التحدّي مقتصرًا على حجم الجريمة وخطورتها، بل تعدّاه إلى كيفية مواجهتها، إذ تبلورت في الساحة العامة مسارات مختلفة، لكلّ منها منطقه الخاص وأدواته وتأثيره.
غير أنّ السؤال الجوهري لم يعد: من يصف الواقع بدقّة أكبر؟ بل: من يملك القدرة والاستعداد لتحويل الوصف إلى فعل، والفعل إلى تغيير تراكمي مستدام.
أولًا: مسار الفعل من خطّ التماس إلى مركز القرار
يقوم هذا المسار على قناعة مفادها أن مواجهة العنف لا يمكن أن تتم من خارج ساحة الاشتباك، لا شعبيًا ولا سياسيًا. هو مسار يبدأ من خطّ التماس مع الجريمة وتداعياتها اليومية، ويمتدّ إلى محاولة التأثير في السياسات العامة، وصولًا إلى الدخول إلى مؤسسات صنع القرار، باعتبارها جهات تتحمّل مسؤولية مباشرة عن الأمن، والميزانيات، والتشريعات.
هذا المسار لا يرى تناقضًا بين العمل الميداني والعمل السياسي، بل يعتبرهما حلقتين في سلسلة واحدة؛ إذ إن الاحتكاك المباشر بالواقع هو الذي يمنح الشرعية والمعرفة، بينما يوفّر الحضور في مراكز القرار الأدوات اللازمة للتأثير البنيوي.
تكمن قوة هذا المسار في كونه مسار فعل، لا يكتفي برفع الصوت، بل يسعى إلى تغيير قواعد اللعبة، ويغامر بالدخول في مناطق رمادية، حيث لا توجد حلول نقية أو انتصارات كاملة. كما يتيح هذا النهج إمكانية تحويل قضية العنف والجريمة من شأن هامشي أو موسمي إلى بند دائم على جدول الأعمال الرسمي.
في المقابل، لا يخلو هذا المسار من مخاطر حقيقية؛ فهو يعرّض أصحابه لاستنزاف متواصل، ويجعلهم هدفًا للنقد والتشكيك، كما أنه يعمل داخل منظومة حكم لا تنظر بالضرورة إلى المجتمع العربي كشريك متساوٍ، ما يجعل الإنجازات هشّة وقابلة للتراجع. ومع ذلك، يبقى هذا المسار الأكثر قدرة – رغم كلفته – على إحداث اختراقات عملية، شرط ألا يتحوّل إلى فعل فردي معزول أو صفقة مؤقتة بلا رؤية بعيدة المدى.
ثانيًا: مسار المراقبة والتوصيف من مسافة
في مقابل مسار الفعل، برز مسار آخر يفضّل الابتعاد عن ساحة الاشتباك، مكتفيًا بمراقبة المشهد من مسافة، وتحليل الظاهرة، ووصف إخفاقات من يخوضون المواجهة، وأحيانًا محاسبتهم أخلاقيًا وسياسيًا.
ينطلق هذا المسار من موقع نقدي، يرى في نفسه حارسًا للمعايير، ومصحّحًا للأخطاء، ويحرص على عدم التورّط في تعقيدات الميدان أو تناقضات السياسة.
لا يمكن إنكار أن لهذا النهج إسهامًا معرفيًا وفكريًا؛ فهو يوفّر قراءة تحليلية، ويكشف اختلالات حقيقية، ويذكّر بالمخاطر الكامنة في البراغماتية المفرطة أو في تحويل المواجهة إلى هدف بحدّ ذاته. غير أنّ الإشكالية تبدأ حين يتحوّل التوصيف إلى غاية، والنقد إلى بديل عن الفعل.
في هذه الحالة، يفقد النقد وظيفته التقويمية، ويغدو عامل إحباط، إذ يُحمَّل من يواجهون الجريمة وزر الإخفاق وحدهم، بينما يُعفى المراقب من أي مسؤولية عملية. ومع الوقت، يتكرّس انقسام غير معلن بين من “يتّسخ” بالمعركة، ومن يحافظ على مسافة آمنة، دون أن يقدّم بديلًا قابلًا للتطبيق.
ما بين المسارين: مأزق الانقسام وغياب التكامل
المشكلة الحقيقية لا تكمن في تعدّد المسارات، بل في غياب التكامل بينها. فمسار الفعل بلا نقد رشيد قد ينزلق إلى أخطاء جسيمة، ومسار النقد بلا فعل يتحوّل إلى خطاب دائري لا يغيّر الواقع. وبين هذا وذاك، تدفع الجماعة ثمن الانقسام، بينما تواصل الجريمة تمدّدها مستفيدة من غياب مشروع جماعي جامع.
إن مواجهة العنف والجريمة ليست اختبارًا للنوايا ولا ساحة لتسجيل النقاط، بل معركة طويلة النفس، تحتاج إلى تراكُم الخبرة، واستمرارية الجهد، وتوزيع أدوار واعٍ، يحترم الاختلاف دون أن يحوّله إلى صراع.
ما المطلوب اليوم؟
المطلوب اليوم ليس توحيد الخطاب بقدر ما هو تنسيق الأدوار، ولا اختيار مسار واحد وإقصاء سواه، بل بناء رؤية تكاملية تجمع بين الفعل الميداني، والتأثير السياسي، والنقد المسؤول، والمعرفة التحليلية.
مواجهة العنف والجريمة تستدعي شجاعة الدخول إلى المعركة، وحكمة إدارتها، وأخلاقية نقدها، دون الاكتفاء بوصف الحالة أو الوقوف على هامشها.
فمن دون هذا التكامل، سنبقى أسرى نقاشات لا تنقذ ضحية، ولا تردع مجرمًا، ولا تبني مجتمعًا أكثر أمانًا. أما تحويل المواجهة إلى مشروع جماعي تراكمي، فهو وحده القادر على نقلنا من تشخيص الأزمة إلى تفكيكها، ومن ردّ الفعل إلى الفعل المؤثّر
المصدر:
كل العرب