آخر الأخبار

سبعة عقود من الإفقار الممنهج: العرب واليهود - مسارين اقتصاديين لا يلتقيان

شارك

من يقرأ تقارير الفقر الرسمية في إسرائيل لعام 2024، ويقارنها بمعطيات العقود السابقة، يكتشف حقيقة صادمة لكنها متوقعة: الفجوة الاقتصادية بين العرب واليهود ليست ظاهرة عابرة، ولا نتيجة اختلافات ثقافية أو اجتماعية كما يحلو للبعض الادعاء، بل هي نتاج إفقار ممنهج استمر منذ عام 1948 وحتى اليوم.

فبحسب تقرير التأمين الوطني لعام 2024، يعيش نحو مليوني إنسان في إسرائيل تحت خط الفقر، بينهم 880 ألف طفل، أي ما نسبته 21% من السكان. لكن الأهم من ذلك هو التوزيع الداخلي للفقر: العرب والحريديم يشكلون 65.1% من مجمل الفقراء رغم أنهم أقل بكثير من نصف السكان. هذه الأرقام ليست مجرد معطيات، بل هي مرآة لسياسات اقتصادية–اجتماعية صنعت واقعًا غير متكافئ منذ قيام الدولة.

البداية: مصادرة الأرض كأداة للإفقار

في السنوات الأولى بعد قيام الدولة، كان العرب يعيشون تحت الحكم العسكري، بينما كان الاقتصاد اليهودي ينمو بسرعة.
الأرض، التي كانت رأس المال الأساسي للعرب، صودرت على نطاق واسع عبر قوانين مثل “أملاك الغائبين” و“أراضي الدولة”. هذه المصادرات لم تكن مجرد إجراءات قانونية، بل كانت سياسة اقتصادية واعية هدفت إلى تجريد العرب من أهم أصولهم الإنتاجية.

فقدان الأرض لم يكن حدثًا رمزيًا، بل كان الركيزة الأولى للإفقار الممنهج. فالمجتمع الذي يُسلب رأس ماله الأساسي يُدفع تلقائيًا إلى الهامش الاقتصادي، ويُحرم من القدرة على بناء ثروة أو تأسيس مشاريع إنتاجية أو نقل رأس المال بين الأجيال.
في المقابل، حصلت البلدات اليهودية على أراضٍ واسعة، استُخدمت لإقامة مصانع، ومناطق صناعية، ومشاريع إسكان، ما خلق قاعدة اقتصادية صلبة للمجتمع اليهودي.

الخمسينيات والستينيات: اقتصاد يُبنى لليهود… وحصار اقتصادي للعرب

بينما كانت الدولة تستثمر في البنى التحتية اليهودية، وتبني مؤسساتها الاقتصادية، كان العرب يعيشون في بلدات بلا تخطيط، بلا مناطق صناعية، وبلا استثمار حكومي.
الحكم العسكري قيّد الحركة والعمل، ومنع العرب من الوصول إلى مراكز الاقتصاد الحديثة.
هكذا، في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد اليهودي ينمو، كان العرب يُدفعون إلى الهامش، ويُحصرون في أعمال منخفضة الأجر.

السبعينيات والثمانينيات: الفجوة تتسع

مع انتهاء الحكم العسكري عام 1966، دخل العرب سوق العمل بشكل أوسع، لكنهم دخلوا من الباب الخلفي.
فقد بقيت البلدات العربية خارج خارطة الاستثمار، وبقيت البنى التحتية ضعيفة، واستمرت سياسات التخطيط التي تمنع توسع البلدات العربية.

في هذه الفترة، بدأت تظهر الفجوة في الأرقام بشكل واضح:
كانت نسبة الفقر بين العرب أعلى بمرتين إلى ثلاث مرات من نسبتها بين اليهود.
بينما كان المجتمع اليهودي ينتقل تدريجيًا إلى اقتصاد صناعي متقدم، بقي العرب في قطاعات منخفضة الأجر مثل البناء والزراعة والخدمات.

التسعينيات: طفرة اقتصادية لا تشمل العرب

شهدت إسرائيل طفرة اقتصادية كبيرة بعد موجة الهجرة من الاتحاد السوفييتي وتطور قطاع التكنولوجيا.
لكن هذه الطفرة لم تشمل العرب، الذين بقوا خارج مراكز التكنولوجيا، وخارج المدن التي استقبلت الاستثمارات الكبرى.

في نهاية التسعينيات، كانت نسبة الفقر بين العرب تقارب 38%، مقابل 13% بين اليهود.
هذه الفجوة لم تكن نتيجة “اختيارات فردية”، بل نتيجة بنية اقتصادية صُممت بحيث يستفيد منها طرف واحد.

الألفية الجديدة: الاندماج المحدود لا يكفي

مع دخول القرن الحادي والعشرين، ازداد عدد الأكاديميين العرب، لكن هذا لم ينعكس على مستوى المعيشة بسبب:

- التمييز في التوظيف.
- نقص المناطق الصناعية.
- سياسات بنكية متشددة تجاه المصالح العربية.
- غياب تمثيل عربي مؤثر في مراكز اتخاذ القرار الاقتصادي.

بين 2004 و2012، وصلت نسبة الفقر بين العرب إلى 50–54%، وهي من أعلى النسب في تاريخ الدولة، بينما بقيت بين اليهود حول 14–16%.
هذه الأرقام تكشف أن الاندماج الفردي لا يكفي عندما تكون البنية الاقتصادية نفسها غير عادلة.

2010–2020: خطط حكومية… لكن الفجوة تبقى

بدأت الدولة في هذه السنوات إطلاق خطط اقتصادية للمجتمع العربي، مثل خطة 922، لكنها جاءت بعد عقود من التراكم السلبي.
تحسن محدود في البنى التحتية، وزيادة طفيفة في فرص العمل، لكن الفجوة بقيت واسعة لأن الأساس البنيوي لم يتغير.

في عام 2018، كانت 45.3% من العائلات العربية تحت خط الفقر، مقابل 13.4% من العائلات اليهودية.
هذه الفجوة لم تتقلص رغم الخطط الحكومية، ما يدل على أن المشكلة ليست في “نقص البرامج”، بل في طبيعة النظام الاقتصادي نفسه.

2020–2024: الأزمات تكشف هشاشة المجتمع العربي

جائحة كورونا، ثم الأزمات الأمنية والاقتصادية، ضربت العرب بقوة أكبر:

- نسبة كبيرة من العرب يعملون في قطاعات لا يمكن العمل فيها من المنزل.
- المصالح الصغيرة العربية تضررت أكثر بسبب ضعف الدعم البنكي.
- البطالة ارتفعت بشكل أكبر في البلدات العربية.

وفي تقرير الفقر لعام 2024، يظهر أن العرب والحريديم يشكلون 65.1% من مجمل الفقراء رغم أنهم أقل من نصف السكان.
كما أن 21% من سكان إسرائيل يعيشون تحت خط الفقر، لكن العرب يشكلون الشريحة الأفقر والأكثر هشاشة.

خلاصة سبعة عقود: مساران متوازيان لا يلتقيان

عبر سبعين عامًا، يمكن تلخيص المقارنة بين العرب واليهود في إسرائيل كالتالي:

- اليهود: اقتصاد ينمو، استثمار حكومي واسع، مناطق صناعية، جامعات، تكنولوجيا، دعم بنكي، تخطيط حضري متقدم.
* العرب: مصادرة أراضٍ، غياب مناطق صناعية، نقص بنى تحتية، تمييز في التوظيف، تضييق بنكي، غياب تمثيل اقتصادي.

هذه ليست صدفة، بل نتيجة إفقار ممنهج بدأ بنزع الأرض، واستمر عبر سياسات التخطيط، وتوجيه الاستثمار، وخنق المبادرات الاقتصادية العربية.

ما العمل؟

تقليص الفجوة يتطلب تغييرًا بنيويًا لا مجرد خطط مؤقتة:

- استثمار حكومي ضخم في البنى التحتية العربية.
- إقامة مناطق صناعية متطورة في البلدات العربية.
- إصلاح جذري في سياسات البنوك.
- فتح أبواب التسويق والتصدير أمام المنتج العربي بشروط عادلة.
- تعويضات عادلة عن الأراضي المصادرة أو استرجاع جزء منها.

بدون هذه الخطوات، ستبقى الفجوة الاقتصادية وصمة على جبين الدولة، وسيبقى العرب يدفعون ثمن سبعة عقود من الإفقار الممنهج.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا