في المشهد السياسي الإسرائيلي، تدّعي أحزاب المركز أنها تمثل الاعتدال، وأنها البديل العقلاني بين تطرف اليمين ومثالية اليسار. غير أن هذا الادعاء سرعان ما يتهاوى عند التدقيق في خطابها وممارساتها الانتخابية، خصوصاً في تعاملها مع الأحزاب العربية. فبدلاً من أن تكون جسراً للتقارب وبناء شراكة سياسية حقيقية، تتحول هذه الأحزاب إلى منصات لإعادة إنتاج خطاب الإقصاء، مستخدمةً العرب كفزّاعة انتخابية، وكأن وجودهم في الساحة السياسية خطر يجب التحذير منه. هذا السلوك يكشف أن ما يسمى "الاعتدال" ليس سوى قناع يخفي نزعات عنصرية دفينة، وأن المركز في إسرائيل ليس سوى نسخة مموهة من اليمين، تتزيّن بخطاب ناعم لكنها تمارس ذات السياسات الإقصائية.
من أبرز سمات أحزاب المركز الإسرائيلي هو خطاب الإقصاء الموجّه ضد الأحزاب العربية. هذا الخطاب يتجلى في تصريحات قادة بارزين مثل بيني جانتس، الذي أعلن أكثر من مرة أنه لن يجلس في حكومة تعتمد على أصوات النواب العرب، وكأن هؤلاء النواب لا يمثلون شريحة واسعة من المواطنين. كذلك يائير لابيد، الذي يكرر في حملاته الانتخابية أنه لن يشرك الأحزاب العربية في ائتلافاته، مبرراً ذلك بحسابات انتخابية، لكنه في الحقيقة يعكس موقفاً إقصائياً يضع العرب خارج دائرة الشرعية السياسية. أما أفيغدور ليبرمان، فرغم أنه يُصنّف أحياناً ضمن معسكر المركز، إلا أن خطابه تجاه العرب لا يختلف كثيراً عن خطاب اليمين المتطرف، حيث يصفهم بالعدو الداخلي ويطالب بإقصائهم من أي معادلة سياسية.
هذه الأمثلة تكشف أن خطاب الإقصاء ليس مجرد تكتيك انتخابي عابر، بل هو جزء من بنية التفكير السياسي لهذه الأحزاب. فهي تضع العرب في خانة الخطر، وتتعامل معهم كأداة تفاوضية لا كشركاء حقيقيين في صنع القرار. هذا السلوك يفضح زيف ادعاء الاعتدال، ويؤكد أن المركز في إسرائيل ليس سوى انعكاس آخر للعنصرية البنيوية التي تسيطر على المشهد السياسي.
تبرر أحزاب المركز هذا السلوك بأنه ضروري لاستقطاب مصوتي اليمين المعتدل، بهدف الفوز في الانتخابات. لكن هذه التبريرات ليست سوى ذرائع واهية، تكشف عن انتهازية سياسية بلا حدود. فهي تقول للعرب: "نهاجمكم ونقصيكم لنرضي اليمين، ثم نعدكم لاحقاً بسياسات إيجابية كتعويض". أي منطق هذا الذي يشرعن العنصرية بحجة الحسابات الانتخابية؟ وأي مصداقية تبقى لحزب يدّعي الاعتدال بينما يضع المجتمع العربي في خانة العدو المؤقت الذي يمكن استرضاؤه لاحقاً؟ إن هذه التبريرات لا تعكس سوى استخفاف بالعقل العربي، ومحاولة لشراء أصواته عبر وعود فارغة لا تستند إلى احترام حقيقي لحقوقه ومكانته.
الأخطر من ذلك أن هذه الأحزاب تسعى للحصول على أصوات المجتمع العربي، لتشرعن خطاب التحريض ضد العرب، وتحوّله إلى مكسب سياسي شخصي، على حساب مصالح المجتمع العربي ومستقبل أبنائه. هذا السلوك يضع العرب أمام معضلة أخلاقية وسياسية، بين رفض الإقصاء وبين رفض أن يكونوا أداة لتبرير العنصرية. فالمشاركة في دعم هذه الأحزاب دون شروط صارمة تعني عملياً منحها غطاءً شرعياً لممارساتها الإقصائية.
ندرك جيداً أن هذه الأحزاب، إذا اضطرت بعد الانتخابات إلى أصوات النواب العرب في الكنيست، سواء للتوصية على رئيس حكومة، أو لتوفير شبكة أمان لحكومة مركز-يسار، أو حتى للدخول في ائتلاف حكومي، فإنها ستأتي زاحفة إلى العرب، لا طوعاً بل اضطراراً. وهنا تكمن أهمية التعامل العربي مع هذه المواقف بحكمة المفاوض الواعي للسياق السياسي، بعيداً عن الهرولة لتقديم الدعم بأي ثمن. فالعرب يجب أن يضعوا شروطهم بوضوح، وأن يطالبوا باعتراف كامل بشرعيتهم السياسية وحقوقهم المدنية، قبل أن يمنحوا أي دعم لهذه الأحزاب.
إن أحزاب المركز الإسرائيلي، بخطابها الإقصائي وممارساتها الانتهازية، تكشف عن وجه عنصري لا يختلف كثيراً عن اليمين المتطرف. وعلى المجتمع العربي أن يدرك هذه الحقيقة، وأن يتعامل معها بوعي سياسي يرفض الاستغلال، ويصر على أن يكون شريكاً حقيقياً في صياغة مستقبل عادل ومتوازن، لا مجرد أداة انتخابية في لعبة المصالح الضيقة. إن مواجهة هذا الواقع تتطلب استراتيجية عربية واضحة، تقوم على رفض الإقصاء، ورفض أن يكون الصوت العربي مجرد ورقة تفاوضية، بل قوة سياسية فاعلة تفرض احترامها وتنتزع حقوقها.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
المصدر:
كل العرب