آخر الأخبار

أن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الصمت لم يعد خيارًا

شارك

رسالة مفتوحة
إلى رئيس اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية
السيد مازن غنايم
وإلى رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية
الدكتور جمال زحالقة
تحية واحترامًا،
يشكّل يوم الخميس، الثاني والعشرين من كانون الثاني/يناير 2026، محطة مفصلية في تاريخ العرب الفلسطينيين في هذه البلاد، لا تقلّ أهمية عن محطات وطنية سابقة، وفي مقدّمتها هبّة أكتوبر عام 2000. فالإضراب الشامل الذي انطلق من مدينة سخنين لم يكن مجرّد ردّ فعل غاضب على جريمة جديدة، بل كان تعبيرًا جماعيًا عن انفجارٍ متراكم، وغضبٍ مكبوت، وإرادةٍ شعبية قرّرت كسر دائرة الصمت، والانتقال من موقع الضحية إلى موقع الفعل والتنظيم.
لسخنين رمزية وطنية خاصة؛ فهي المدينة التي قادت يوم الأرض عام 1976، ورسّخت الوعي بالهوية والحقوق في مواجهة سياسات الإقصاء والمصادرة. واليوم، تعود سخنين لتقود مشهدًا نضاليًا جديدًا، عنوانه الحق في الحياة والأمن والكرامة، في ظل واقع دموي قُتل فيه أكثر من 700 مواطن عربي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، في ظل حكومة يمينية متطرفة تدير ظهرها للمجتمع العربي، وتتعامل مع الجريمة المنظمة كأداة تفكيك اجتماعي، لا كظاهرة يجب اجتثاثها.
لقد كشف الإضراب الشامل زيف ادّعاء “غياب الدولة”، وأثبت أن الغياب هو قرار سياسي مقصود. فحين يتعلّق الأمر بالمواطن اليهودي، تتحرّك الدولة بكل أذرعها، وحين يكون الضحية عربيًا، تُرفع الأيدي، وتُترك الساحة مفتوحة للعصابات والسلاح. هذا التمييز الفجّ، الذي تعزّز بقوانين عنصرية وسياسات إقصائية، حوّل المواطنين العرب إلى مواطنين من درجة ثانية أو ثالثة، ودفع المجتمع نحو الهشاشة والفوضى.
في هذا السياق، برزت اللجان الشعبية التي نشأت في سخنين كفعلٍ طبيعي وصحي، لا كبديل عن الدولة، بل كصرخة تنظيمية تقول إن المجتمع العربي لن يقبل أن يُترك لمصيره. وقد قاد هذا الحراك شخصيات ميدانية، واستطاع أن يتحوّل من مبادرة محلية إلى حراك شعبي واسع شمل القرى والمدن العربية، وأعاد الاعتبار لقيمة العمل الجماعي، والتكافل، والمساءلة الشعبية.
من هنا، تقع على عاتقكم مسؤولية تاريخية في البناء على هذا الحراك، لا احتوائه أو تهميشه. المطلوب اليوم هو الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل المنظّم: إقامة لجان شعبية دائمة في كل بلدة، تعمل بالتنسيق مع السلطات المحلية، وتشكّل إطارًا جامعًا لمتابعة قضايا العنف والجريمة، والضغط على مؤسسات الدولة، ومراكمة قوة شعبية قادرة على الفرض لا الاستجداء.
وبالتوازي، لا يمكن تجاهل البعد السياسي الوطني. إن إعادة إقامة القائمة المشتركة في هذه الظروف العصيبة لم تعد خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة استراتيجية. وحدة الصف السياسي العربي، على قاعدة برنامج واضح، وموقف جماعي رافض لأي شراكة مع حكومات الإقصاء والعنصرية، هي شرط أساسي لتحويل هذا الغضب الشعبي إلى قوة تأثير داخلية ودولية. التشرذم السياسي لم يخدم إلا خصومنا، بينما الوحدة تمنح المجتمع العربي وزنًا، وصوتًا، وقدرة على الفعل.
إن ما جرى في سخنين هو بداية طريق، لا نهايته. والمرحلة المقبلة تتطلّب شجاعة في القرار، وصدقًا مع الناس، وانحيازًا واضحًا لنبض الشارع. فالمعركة اليوم ليست فقط ضد الجريمة، بل على الوجود، والكرامة، والمستقبل.
وتبقى الرسالة الأوضح التي خرجت من سخنين:
أن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع،
وأن الصمت لم يعد خيارًا.
بقلم: خالد خليفة

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا