آخر الأخبار

تأملات في مظاهرة تل أبيب

شارك

يجب ألا نسمح لهذا الحراك أن يتوقف، بل يجب أن يستمر ويتسارع ويتسع.

ما من شكّ في أنّ مظاهرة تل أبيب كانت ناجحة جدًا، سواء من حيث عدد المشاركين العرب واليهود، الذي وصل إلى عشرات الآلاف، أو حتى وفق تقديرات معينة وصل عدد المشاركين إلى ما يقارب مائة ألف متظاهر أو من حيث الصرخة التي أُطلقت.

لم تأتِ هذه الجماهير بالصدفة؛ فقد سبق المظاهرة حالة استعداد وتأهّب وتحشيد واسعة، شاركت فيها قطاعات واسعة من المجتمعين العربي واليهودي، وشملت أطرًا وأشخاصًا ومؤسسات، بذلت جهدًا كبيرًا من أجل إنجاح مظاهرة الرايات السوداء.

إضافة إلى ذلك، جاءت مظاهرة تل أبيب في أعقاب حراك شعبي متواصل ضدّ العنف والجريمة في سخنين وطمرة، وفي بلدات ومواقع عربية أخرى، حراك اتّسم بالكثافة والإخلاص والإبداع.

إنّ إعلاء صوت المجتمع العربي بشكل وحدوي وقوي في مركز تل أبيب يُشكّل خطوة مهمّة في إبقاء قضية الجريمة في صدارة سلّم الأولويات، بوصفها قضية مركزية تشغل المجتمع والدولة ووسائل الإعلام.

صحيح أنّ القضية المركزية التي جرى التركيز عليها هي قضية العنف والجريمة، وهي قضية مدنية واجتماعية، إلا أنّ منطلقاتها سياسية وقومية، ولذلك لا يمكن الفصل بين المدني والقومي، ولا بين الحقوق الفردية والجماعية.

قد تكون لدينا ملاحظات على بعض الخطابات والكلمات التي أُلقيت، وكذلك على بعض جوانب التنظيم، لكن من الطبيعي السعي الدائم إلى الأفضل، والتعلّم من الأخطاء والهفوات.

لقد قام الصحفيون العرب في الصحف والمواقع العربية بدور جديّ ومهم، سواءً في التحشيد أو التغطية أو متابعة الأحداث، إضافة إلى مئات المتطوعين من الأحزاب واللجان الشعبية والحراكات ومؤسسات المجتمع المدني والإسعافات وغيرها.

هناك شرائح واسعة لم تكن تشارك سابقًا في المظاهرات والاحتجاجات السياسية، لكنها تشجّعت وشاركت في المظاهرات الأخيرة، ولذلك من الضروري الحفاظ على هذه الشرائح والتمسّك بها. كما يجب تعميق التعاون مع السلطات المحلية الدرزية، كونهم جزءًا لا يتجزأ من المجتمع العربي، ويعانون ما يعانيه سائر أبناء المجتمع العربي، ووضع حدّ لسياسات سلخ الدروز عن شعبهم وتاريخهم.

إنّ المشاركة في مظاهرة تل أبيب تمثّل خطوة إضافية ضمن مجمل الخطوات والفعاليات التي جرت حتى الآن، والتي ينبغي أن تتواصل وتتراكم، إلى أن يحقق هذا الحراك الشعبي الواسع غايته الأساسية: وضع حدّ للجريمة من جهة، واستعادة الأمن والأمان والحياة الكريمة لبلداتنا العربية من جهة أخرى.

ومن الضروري التأكيد، مرة أخرى، على أنّ التظاهر في تل أبيب هو حقّ مشروع، وليس استجداءً ولا تذلّلًا، وليس من أجل إطلاق عبارات من قبيل: «ساعدونا»، أو «نحن ضعفاء فأنقذونا من أنفسنا»، أو «غدًا سيصل الدور إليكم». فهذه الأصوات لم تُسمَع، بل سُمِع صوت نقديّ واضح موجَّه إلى الدولة والحكومة والشرطة.

هناك دلالات أخرى للتظاهر والحضور العربي القوي في تل أبيب في هذا السياق، ورفع الأعلام السوداء. فقد تراكمت خلال السنتين الماضيتين العديد من القضايا والآلام التي أراد المجتمع العربي التعبير عن موقفه منها والاحتجاج عليها، مثل العدوان على قطاع غزة، لكن لم تُتح له الفرصة، وقُمِع حقّه في التظاهر. لذلك فإن هذا الحضور القوي يُعدّ دلالة على القوة، وتعبيرًا عن إرادة عامة حيّة، خصوصًا في مواجهة اليمين المتطرف الذي يستخدم شتّى الوسائل لقمع الفلسطينيين أينما كانوا. ومن هنا، أحسن رئيس لجنة المتابعة حين تطرّق إلى الاعتداء على غزة.

نؤكّد مرة أخرى أنّ الجريمة ليست مشكلة المجتمع العربي وحده، لا من حيث نتائجها فحسب، بل أيضًا من حيث فواعلها وأسباب تشكّلها. إنها ظاهرة إسرائيلية دخيلة على المجتمع العربي، وعلى المجتمع اليهودي كذلك. والمجتمع اليهودي، بوصفه الأغلبية المهيمنة التي تنتخب الوزراء وصنّاع القرار، وتمنح الشرعية لوسائل الإعلام، تقع على عاتقه مسؤولية مركزية في تغيير هذا الواقع البنيوي القائم.

صحيح أنّ هناك مسؤوليات تقع علينا نحن كمجتمع عربي، لكن في المقابل توجد وسائل وأدوات ليست بمقدورنا استخدامها أو التحكّم بها. فالسلاح يصل إمّا عبر الحدود، أو يُسرق، أو يُباع من معسكرات تابعة للجيش، وليس بوسع المجتمع العربي منع تدفّقه أو نزعه ممّن يمتلكه. من هنا، تقع المسؤولية المباشرة على الحكومة والشرطة لتحمّل دورهما الكامل، وهذا هو المنطلق السليم لأي حوار جدي، أو شراكة حقيقية، أو عمل مشترك بين المجتمعين العربي واليهودي، ونُقدّر كل من يقف مناصرًا لهذا التوجّه ولكل من شارك في هذة التظاهرة المهمة التي بادرات إليها ووضعت أجندتها القيادات العربية، مع إدراكنا وتحذيرنا من أن بعض نشطاء الأحزاب الصهيونية يرى بهذا الحراك فرصة للتغلغل داخل المجتمع العربي من أجل كسب أصوات بعض المؤيدين في الانتخابات القريبة.

لقد بدأ هذا الحراك حراكًا شعبيًا، ويجب أن يتواصل على هذا الأساس. ويتعيّن، بعد مظاهرة تل أبيب، مواصلة الاحتجاجات في بلداتنا العربية، وإقامة خيام احتجاج في طمرة والناصرة وأم الفحم والطيبة ورهط ويافا وبلدات أخرى، إلى جانب الاستمرار في الوقفات والإضرابات والتظاهرات في الشوارع والمفارق المركزية. كما ينبغي توزيع معلومات ومعطيات باللغة العبرية على الجمهور اليهودي، ومواصلة الضغط على الحكومة والشرطة، واستثمار السياق القائم من أجل استحداث آليات نضال جديدة، وتعزيز التنظيم، وتقوية المؤسسات القائمة، والعمل على إقامة مؤسسات مهنية ووطنية جديدة.

إنّ المبادرة إلى تفعيل آلية الاحتجاج الاقتصادي، والدعوة إلى الاستنكاف عن الاستهلاك وعدم استخدام بطاقات الائتمان، هي خطوة حكيمة ومبدعة يجب استخدامها فورًا، لاستثمار حالة الزخم والجاهزية القائمة، بل وتوسيعها باتجاه دعم الاقتصاد المحلي، خصوصًا في البلدات التي أضربت عدة أيام، مثل سخنين وطمرة، والتقليل أو الامتناع عن الاستهلاك في الكنيونات والمراكز التجارية الكبرى، بهدف إدخال رجال الأعمال اليهود في هذا النضال، وإجبارهم على الضغط على الحكومة.

لقد أصبحت الجماهير أسرع وأكثر إبداعًا من القيادات السياسية في استحداث آليات النضال، وتمتلك وسائل تواصل وشبكات تأثير، وتتحرك بسرعة، ولذلك يجب على لجنة المتابعة أن تبقى على تواصل دائم مع هذا التسارع والتصعيد، وإلا قد ندخل في حالة من الفوضى في اتخاذ القرارات.

لقد أُعلن عن مظاهرة يوم الثلاثاء القادم في قرية المزرعة، بمناسبة مرور عام على مقتل الدكتور عوض، وعدم إلقاء القبض على الجناة حتى الآن. وهذه قضية عينية ومهمّة يمكن تركيز الأضواء عليها، خصوصًا أنّ الضحية طبيب بريء. وإضافة إلى ذلك، يجب مواصلة تنظيم ذوي الضحايا والمصابين، ليبقوا جسمًا فاعلًا وناشطًا يروي ويسرد قصص الضحايا، فلكلّ واحد منهم قصة، وأهل، وأولاد، وأحلام انقطعت بين ليلة وضحاها وليسوا مجرد أرقام.

لقد أكّدنا في مكان آخر على ضرورة تأسيس نقابات مهنية فاعلة في جميع مجالات الحياة، تشكّل رافعة لتنظيم المجتمع العربي، إلى جانب الأطر القائمة.

على هيئة الطوارئ التي أُقيمت من قبل لجنة المتابعة أن تبقى في حالة تأهّب وحراك دائم، بالتعاون مع اللجان الشعبية، ولجنة المتابعة، ولجنة الرؤساء، ومؤسسات المجتمع المدني. والمطلوب وضع برنامج عمل يومي للنشاط والحراك، إذ إنّ عدم القيام بذلك قد يؤدّي إلى خسارة هذا الزخم المهم وهذا الزخم من الضروري أن يستمر ويتسارع ويتسع.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا