تدخل حكومة بنيامين نتنياهو مرحلة مفصلية وحساسة حتى موعد الانتخابات المقررة في 29 أكتوبر 2026، وسط تراكمات غير مسبوقة للتحديات الداخلية والخارجية التي تهدد قدرتها على الاستمرار، بل وتضع مستقبل نتنياهو السياسي والشخصي على المحك. فالحكومة الحالية تبدو حكومة أزمات بامتياز، تحاول إدارة الوقت أكثر من إدارة الحلول.
فعلى المستوى الداخلي يبقى ملف لجنة التحقيق في أحداث 7 أكتوبر أحد أخطر التحديات. حيث يواصل نتنياهو رفضه القاطع لإقامة لجنة تحقيق رسمية مستقلة، لما تحمله عن مسؤوليته المباشرة عن الإخفاقات الأمنية. وبدلًا من ذلك، يسعى لتمرير لجنة تحقيق سياسية تابعة للكنيست، وهو خيار ترفضه المعارضة، وعائلات القتلى، وأوساط قانونية واسعة تطالب بتدخل محكمة العدل العليا. هذا الصراع لا يعكس فقط خلافًا سياسيًا، بل أزمة ثقة عميقة بين الحكومة والمجتمع الإسرائيلي.
إلى جانب ذلك، تواجه الحكومة معركة تمرير ميزانية الدولة لعام 2026، والتي تشكل اختبارًا وجوديًا للائتلاف. فعدم تمرير الميزانية حتى نهاية مارس/ اذار 2026 المقبل يعني سقوط الحكومة تلقائيًا. غير أن تمريرها مرتبط مباشرة بمطالب الأحزاب اليهودية المتدينة، وعلى رأسها إقرار قانون التجنيد (قانون بوعز بسموت) الذي يعفي المتدينين من الخدمة العسكرية بشكل واسع النطاق مع اعطائهم تسهيلات أساسية لعدم الخدمة في الجيش. وهذا القانون يصطدم بشكل مباشر مع مواقف المؤسسة العسكرية التي تؤكد حاجة الجيش إلى أكثر من 20 ألف جندي لتعويض الخسائر البشرية الكبيرة. وهكذا، يجد نتنياهو نفسه عالقًا بين إرضاء حلفائه المتدينين أو خسارته للشارع والمؤسسة العسكرية.
اما العامل الداخلي فلا يقل خطورة ويتمثل في قضية محاكمته بتهم الرشوة والفساد التي تلاحقه منذ أكثر من 6 سنوات، والتي بدأت تؤثر بشكل واضح على أدائه السياسي وحكمه. ورغم محاولات غير مباشرة، بينها ضغوط أو وساطات خارجية، للتأثير على مسار القضية أو فتح باب العفو، إلا أن هذا الخيار لا يزال شديد التعقيد. فالعفو، إن طُرح جديًا، فسيكون مشروطًا باعتزاله الحياة السياسية والاعتراف بالذنب، وهو ما يصعب على نتنياهو قبوله في هذه المرحلة. وفي المقابل، فإن استمرار المحاكمة دون عفو يظل سيفًا مسلطًا على مستقبله السياسي، وقد يتحول إلى عامل حاسم في أي انتخابات مقبلة.
ولذلك، يبقى ملف العفو مطروحًا في الكواليس، لكنه حتى الآن لا يشكل مخرجًا حقيقيًا، بل قد يكون إعلان نهاية لمسيرته السياسية إذا ما قُبل به.
وتواجه الحكومة أزمات داخلية إضافية ناتجة عن سياسات إضعاف الجهاز القضائي، والصدام المستمر مع محكمة العدل العليا والمستشارة القضائية للحكومة. ان هذه المواجهة، التي تعود جذورها إلى ما قبل الحرب، تعمّقت بعدها، وأدت إلى انقسامات حادة داخل المجتمع الإسرائيلي ومؤسسات الدولة، الامر الذي زاد من هشاشة الحكم والسيطرة المركزية في الدولة.
اما على الصعيد خارجيًا، فلا تقل التحديات خطورة. فالمواجهة المفتوحة أو المحتملة مع إيران، إلى جانب التوتر المستمر مع لبنان وسوريا، تضع حكومة نتنياهو أمام معادلة أمن قومي شديدة التعقيد. من الواضح أن إسرائيل لا تستطيع خوض مواجهة استراتيجية واسعة مع إيران بمفردها، وتعتمد بشكل أساسي على الدعم الأمريكي. غير أن هذا الاعتماد يقيّد القرار الإسرائيلي، ويجعل سياسات نتنياهو الأمنية عرضة لضغوط واشنطن وحساباتها الإقليمية، ما ينعكس سلبًا على صورة “الردع” التي يسعى لتكريسها داخليًا.
وإضافة إلى ذلك، تتصاعد الخلافات داخل الحكومة نفسها حول إدارة هذه الملفات، خاصة مع جناح اليمين المتطرف الذي يرفض أي ترتيبات دولية، سواء في غزة أو على الجبهات الأخرى، ويرى في أي تنسيق أمريكي مساسًا بالسيادة الإسرائيلية.
وتقف حكومة نتنياهو أمام شبكة معقدة من التحديات وهي محاكمة تهدد مستقبله الشخصي، أزمات داخلية تهز تماسك الائتلاف، وضغوط إقليمية ودولية تضيق هامش المناورة. وحتى إن نجح نتنياهو في البقاء حتى انتخابات أكتوبر 2026، فإن حكومته ستبقى ضعيفة ومشلولة، فيما يظل السؤال الأكبر مطروحًا: هل يسعى نتنياهو إلى تجديد حكمه، أم إلى إدارة مرحلة أخيرة قبل خروجه من المشهد السياسي؟
المصدر:
كل العرب