آخر الأخبار

الجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل: حين يتحوّل العنف إلى أداة حكم

شارك

لا يمكن فهم تصاعد الجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل خارج سياقها السياسي الأشمل، بوصفها إحدى نتائج مشروع طويل من التفكيك والإقصاء، وإدارة الأقلية عبر العنف غير المباشر، حتى بات الدم الفلسطيني في الداخل جزءًا من مشهد يومي لا يثير المساءلة بقدر ما يكشف عمق الاختلال.

لسنا أمام ظاهرة جنائية معزولة، ولا أزمة سلوك اجتماعي طارئة، بل أمام بنية عنف مُركّبة، تشكّلت عبر سنوات من التهميش الممنهج، وغياب العدالة، وانعدام الأفق، حتى تحوّلت الجريمة من استثناء إلى نظام، ومن خلل إلى وظيفة.

الجريمة كنتاج سياسي

تشير المعطيات المتراكمة خلال السنوات الأخيرة إلى فجوة صارخة بين حجم الجريمة في البلدات العربية ومستوى التعامل المؤسسي معها. فرغم أن الفلسطينيين في الداخل يشكّلون أقلية سكانية، فإن حضورهم في مشهد العنف القاتل يفوق نسبتهم الديمغرافية بكثير، فيما تبقى نسب كشف الجرائم في العديد من الحالات متدنية مقارنة بالمعدلات العامة.

هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها بعوامل داخلية فقط، بل بأداء انتقائي في تطبيق القانون، تؤكده تقارير إعلامية وحقوقية متعاقبة. فالمؤسسة المسؤولة عن إنفاذ القانون، وعلى رأسها شرطة إسرائيل، تُظهر حضورًا مكثفًا في ضبط الفعل السياسي الفلسطيني، مقابل غياب مريب حين يتعلّق الأمر بتجفيف السلاح أو تفكيك شبكات الجريمة المنظمة.

هنا، لا تعود الجريمة خروجًا عن النظام، بل أحد أدواته غير المعلنة.

اقتصاد العنف وإدارة الخوف

في الفراغ الذي خلّفته سياسات الإفقار، والخنق التخطيطي، وغياب الاستثمار الحقيقي في البلدات العربية، نشأ اقتصاد موازٍ، يقوم على:

السلاح كرأسمال

والخاوة كنظام جباية

والعصابة كسلطة أمر واقع

هذا الاقتصاد لا يعيش خارج الدولة، بل في ظلّها، مستفيدًا من غضّ الطرف، ومن غياب المحاسبة، ومن ترك المجتمع يواجه مصيره وحيدًا. وبهذا، تتحوّل الجريمة من تهديد أمني إلى بنية حكم بديلة، تُدير الخوف، وتفرض الطاعة، وتُعيد إنتاج التفكك.

إدارة الجريمة لا القضاء عليها

لا توحي المؤشرات بأن عام 2026 يحمل تحوّلًا جوهريًا في مقاربة الدولة لهذا الملف. السياسة السائدة لا تسعى إلى تفكيك البنية المنتِجة للعنف، بل إلى إدارته: تهدئة موضعية هنا، حملة إعلامية هناك، دون مساس حقيقي بجذور المشكلة.

الهدف ليس بناء الأمان، بل ضمان الحد الأدنى من “الاستقرار”، أي ضبط الانفجار لا إزالة أسبابه. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين العدالة والسيطرة.

المجتمع الفلسطيني: بين الاضطهاد والمسؤولية

الاعتراف بالطابع البنيوي للجريمة لا يعفي المجتمع الفلسطيني في الداخل من مسؤوليته الأخلاقية والتاريخية. فأخطر ما في العنف ليس وقوعه فحسب، بل تطبيعه: حين يصبح القتل خبرًا عابرًا، وحين يُستبدل القانون بالأعراف القسرية، وحين يُقدَّم السلاح بوصفه حماية لا تهديدًا.

الصمت هنا ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في إعادة إنتاج المأساة. والمطلوب ليس خطاب لوم، بل إعادة بناء الفضاء الأهلي، واستعادة دور القيادة المحلية، ورفض جماعي لمنطق القوة العارية، بوصفه طريقًا مسدودًا لا خلاصًا.

الجريمة كسؤال وجودي

كل محاولة لفصل الجريمة عن سياقها السياسي هي تبسيط مُخلّ. فالسؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه الظاهرة هو:

هل يُسمح للفلسطينيين في الداخل أن يكونوا مجتمعًا آمنًا، منظمًا، وواعيًا بحقوقه؟

حتى الآن، تشير الوقائع إلى أن هذا الحق ما زال مُعلّقًا.

خاتمة

لن يكون عام 2026 عامًا فاصلًا بحد ذاته، لكنه قد يكون فاصلًا في الوعي.

إما استمرار نزيف يُفرغ المجتمع من طاقته،

أو تحوّل الألم إلى وعي جماعي، ومساءلة سياسية، وفعل منظم.

فالجريمة لا تُهزم بالخطاب الأمني،

بل بمجتمع يرفض أن يُدار بالخوف،

وبوعي لا يقبل أن يكون الدم قدرًا،

وبنضال مدني يفرض العدالة بدل انتظارها.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا