الطفولة ليست مرحلة… بل الأساس
كيف تؤثر سنوات طفلك الأولى على شخصيته، أمانه الداخلي، وعلاقاته في المستقبل
كثير من الأهالي يعتقدون أن ما يمر به الطفل في سنواته الأولى “سينساه”،
لكن الأبحاث تقول العكس تمامًا.
تشير دراسات علم الأعصاب إلى أن أكثر من 90% من نمو دماغ الإنسان يحدث قبل سن الخامسة (Harvard Center on the Developing Child). في هذه الفترة، يبني الدماغ ملايين الوصلات العصبية كل ثانية، ويختار أيها سيبقى وأيها سيختفي بناءً على ما يعيشه الطفل يوميًا.
بكلمات بسيطة:
دماغ طفلك يُبنى من خلال تجاربه العاطفية.
عندما يبكي طفلك ويجد من يحتضنه،
عندما يخاف ويجد من يطمئنه،
عندما يخطئ ويجد من يوجهه بلطف،
فإن جهازه العصبي يتعلم أن العالم مكان آمن، وأنه محبوب كما هو.
الأبحاث تؤكد أن العلاقة الآمنة مع الأهل أو المربين هي العامل الأقوى في تطور الطفل العاطفي والاجتماعي، أكثر من أي أسلوب تربوي أو تعليم أكاديمي (Shonkoff & Phillips؛ Bowlby).
هذه العلاقة لا تعني غياب الحدود، بل تعني أن الحدود تُوضع داخل علاقة يشعر فيها الطفل بالاحترام والأمان.
في المقابل، التوتر المزمن، الصراخ، والعقاب القاسي يرفعون مستوى هرمون التوتر في دماغ الطفل، مما يؤثر على مناطق مسؤولة عن الذاكرة، التركيز، وضبط الانفعالات (Perry).
الطفل الصغير لا يملك بعد القدرة البيولوجية على التحكم بمشاعره. القشرة الجبهية للدماغ، المسؤولة عن ضبط النفس واتخاذ القرار، لا تكتمل قبل سن المراهقة. لذلك فإن نوبات الغضب، البكاء، والعناد ليست “سوء تربية”، بل مراحل طبيعية من نمو الدماغ (Shonkoff & Phillips).
الطفل لا يحتاج إلى من “يكسره”، بل إلى من يقوده حتى يتعلم التنظيم الداخلي.
دراسات التجارب السلبية في الطفولة (ACEs) أثبتت أن نوعية التجارب العاطفية في السنوات الأولى ترتبط لاحقًا بالصحة النفسية، الثقة بالنفس، والقدرة على بناء علاقات سليمة في الرشد (Felitti et al.).
ما نزرعه اليوم في قلب ودماغ طفلنا،
هو ما سيحمله معه إلى حياته كلها.
رسالتي كمرشدة أهل وأخصائية طفولة مبكرة هي أن نعيد للطفولة مكانتها الحقيقية:
ليس كمرحلة يجب تجاوزها،
بل كجذر ينمو منه الإنسان
هديل شلبي
مستشارة تربوية متخصصة بمجال الطفولة المبكرة، مرشدة أهالي وطواقم بالأطر التربوية
المصدر:
كل العرب