الجريمة المنظمة… النزيف الاقتصادي الأكبر في تاريخ المجتمع العربي
بقلم: محمد دراوشة
الجريمة المنظمة… النزيف الاقتصادي الأكبر في تاريخ المجتمع العربي، ليست مجرد عنوان لمقال، بل وصف دقيق لواقع يعيشه كل بيت عربي اليوم. لم يعد الحديث عن الجريمة المنظمة في مجتمعنا نقاشاً اجتماعياً أو أمنياً فحسب، بل تحوّل إلى كارثة اقتصادية شاملة تهدد مستقبل مجتمع كامل، وتلتهم ما تبقى من قدرته على النمو والتطور. عام 2025 وحده شهد 252 ضحية قتل، وهو الرقم الأعلى في تاريخنا الحديث، يليه مطلع 2026 الذي بدأ بـ11 ضحية جديدة خلال أسبوع واحد. هذه الأرقام ليست مجرد معطيات، بل مؤشر على انهيار منظومة الأمان التي يحتاجها أي اقتصاد ليزدهر.
وفق التقديرات الاقتصادية الدولية، فإن تكلفة القتل الواحد — عند احتساب خسارة الإنتاجية، وتكاليف العلاج، والتبعات الاجتماعية — تتراوح بين 3 إلى 10 ملايين دولار. وبحساب 252 ضحية في عام واحد، فإن المجتمع العربي خسر ما بين 2.7 إلى 9 مليارات شيكل في الأرواح وحدها، دون احتساب الجرحى أو المصابين أو من فقدوا قدرتهم على العمل. وفي الوقت نفسه، نشهد موجة غير مسبوقة من هجرة رجال الأعمال العرب إلى الخارج. البعض يغادر بحثاً عن بيئة آمنة لاستثماراته، والبعض الآخر يختار تجميد مشاريعه أو إبقاء مصالحه صغيرة كي لا يلفت أنظار العصابات. هذه الهجرة وحدها تُقدّر خسائرها بما بين 1 إلى 3 مليارات شيكل سنوياً نتيجة خروج رأس المال، وتوقف التوسع الاقتصادي، وضياع فرص العمل.
هذا الواقع يخلق فراغاً اقتصادياً خطيراً: تراجع الاستثمارات المحلية، انخفاض فرص العمل، تباطؤ نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، وفقدان الثقة في رغبة وقدرة الدولة على حماية المواطنين. وعندما يصبح فتح مصلحة تجارية مخاطرة وجودية، فإن المجتمع يدخل مرحلة شلل اقتصادي. ومن أخطر الظواهر التي ترسّخت في السنوات الأخيرة هي الإتاوات، أو كما تُعرف شعبياً بـ“الخاوة”. وهي المال الذي تُجبر العصابات أصحاب المصالح على دفعه مقابل إدعاء “الحماية”، رغم أن الحقيقة الوحيدة هي أن من يرفض الدفع يتعرض لإطلاق نار، أو حرق ممتلكاته، أو تهديد حياته، وفي الكثير من الأحيان دفع حياة المقربين له كوسيلة للضغط عليه. تقديرات الخسائر الناتجة عن “الخاوة” وحدها تصل إلى 500–750 مليون شيكل سنوياً، تشمل الأضرار المباشرة، والإغلاقات المؤقتة، وارتفاع تكاليف التأمين، والخسائر الناتجة عن توقف النشاط التجاري.
“الخاوة” ليست مجرد كلمة دارجة، بل أصبحت نظاماً اقتصادياً موازياً يفرض نفسه بالقوة، ويحوّل أصحاب المصالح إلى رهائن. بهذا الشكل، يتحول الاقتصاد العربي إلى مساحة تتحكم بها العصابات، بينما يهرب رأس المال الشريف ويُخنق الاستثمار الحقيقي. وعندما تُغلق مصلحة تجارية بسبب التهديدات، يخسر الاقتصاد وظائف، وتخسر البلدة خدمات. كما أن انتشار الجريمة يؤدي إلى انخفاض قيمة العقارات في البلدات العربية بما يُقدّر بـ1 إلى 1.5 مليار شيكل سنوياً نتيجة عزوف المستثمرين وتراجع الطلب. كذلك يخسر المجتمع العربي سنوياً ما بين 200 إلى 500 مليون شيكل من المشاريع التي كان يمكن أن تُحدث تغييراً حقيقياً في الاقتصاد المحلي.
نحن لا نخسر فقط أرواحاً، بل نخسر ما بين 5 إلى 15 مليار شيكل سنوياً نتيجة الجريمة المنظمة. هذه ليست أرقاماً نظرية، بل واقع يعيشه كل بيت عربي. والمأساة الأكبر ليست فقط حجم الجريمة، بل الشعور المتزايد لدى المجتمع العربي بأن ما يحدث ليس مجرد فشل حكومي، بل سياسة ممنهجة تُدار بنِيَّة ووعي كامل من جهات مسؤولة. فالكثيرون باتوا يرون أن انتشار الجريمة بهذا الشكل، وترك العصابات تعبث في البلدات العربية دون رادع، ليس صدفة ولا نتيجة إهمال عابر، بل جزء من نهج سياسي قديم هدفه إبقاء المجتمع العربي ضعيفاً، منشغلاً بأزماته الداخلية، وغير قادر على بناء قوة اقتصادية أو اجتماعية مستقلة.
هناك قناعة راسخة لدى شرائح واسعة من أبناء شعبنا بأن أطرافاً داخل المؤسسة الحاكمة تستفيد من هذا الانهيار، أو على الأقل تغضّ الطرف عنه عمداً. فكيف يمكن تفسير أن دولة تمتلك واحدة من أقوى الأجهزة الأمنية في العالم، وتستطيع الوصول إلى خلايا سرية في دول بعيدة، لكنها تعجز — أو تتظاهر بالعجز — عن تفكيك عصابات محلية معروفة بالاسم والعنوان؟ وكيف يمكن تفسير أن السلاح يتدفق إلى بلداتنا بلا توقف، وأن المجرمين يتحركون بحرية، وأن ملفات القتل تُغلق دون لوائح اتهام؟ هذا الشعور بأن الجريمة تُترك لتنتشر، بل وربما تُستخدم كأداة سياسية لإضعاف المجتمع العربي من الداخل، أصبح جزءاً من الوعي الجمعي. كثيرون يرون أن الهدف هو تفكيك النسيج الاجتماعي، وضرب الاقتصاد العربي، ومنع أي إمكانية لنهضة حقيقية. فالمجتمع الذي يخاف على حياته لا يستطيع أن يطالب بحقوقه، والمجتمع الذي ينزف اقتصادياً لا يستطيع أن يبني مؤسساته، والمجتمع الذي ينشغل بدفن أبنائه لا يستطيع أن يرفع رأسه في وجه الظلم.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحكومة وكأنها تتعامل مع الجريمة في المجتمع العربي كأداة ضبط لا كأزمة وطنية. الشرطة لا توفر الردع المطلوب، والنيابة لا تقوم بدورها، والمحاكم لا تفرض العقوبات الرادعة. كل ذلك يعزز الانطباع بأن هناك من يريد لهذه الفوضى أن تستمر، وأن المجتمع العربي يبقى في حالة إنهاك دائم تمنعه من التقدم.
لا يمكن للمجتمع العربي أن ينتظر حلولاً تأتي من الخارج. نحن بحاجة إلى قيادة عربية موحدة تضع ملف الجريمة على رأس أولوياتها، وضغط سياسي منظم على الحكومة، وشراكات اقتصادية تحمي المصالح التجارية، ومبادرات مجتمعية تعيد بناء الثقة، ودعم للشباب كي لا يصبحوا وقوداً للعصابات. الجريمة ليست قدراً. هي نتيجة لغياب سياسات، وغياب محاسبة، وغياب رؤية. وهي أيضاً نتيجة لصمتنا الطويل.
إذا استمرت الجريمة بهذا الشكل، فإن المجتمع العربي سيخسر جيلاً كاملاً من التنمية الاقتصادية. لن يكون هناك استثمار، ولا نمو، ولا فرص عمل، ولا مستقبل اقتصادي مستقر. إنها لحظة الحقيقة: إما أن نواجه الجريمة كأكبر تهديد لوجودنا الاقتصادي، أو نتركها تبتلع ما تبقى من مجتمعنا.
المصدر:
كل العرب