تواجه التزامات تركيا بتأمين الممرات المائية الاستراتيجية تحديا غير مسبوق مؤخرا، مع تحول البحر الأسود إلى ساحة رئيسية في الصراع الروسي الأوكراني.

ولأكثر من 4 سنوات خشت أنقرة من اتساع نطاق الحرب إلى حوض البحر الواقع بين قارتي أوروبا وآسيا، وتعريض الملاحة البحرية به إلى مخاطر حقيقية.

وتأكدت هذه المخاوف مؤخراً مع تعرض المنطقتين الاقتصاديتين لرومانيا وبلغاريا بالبحر الأسود لهجمات بمسيرات خلال 5 و6 أكتوبر الحالي، نتج عنها إصابة 3 سفن شحن تجارية تركية.

واتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي موسكو بتنفيذ هذه الهجمات بهدف تهديد حركة الشحن ورفع تكاليف التأمين والملاحة.

لكن سفارة روسيا في العاصمة البلغارية صوفيا نفت صلة موسكو بالهجومين اللذين وقعا قبالة الساحل البلغاري.

ولم تصدر وزارة الدفاع الروسية بيانا بشأن هجوم المنطقة الاقتصادية الرومانية، لكنها أشارت في نشرتها اليومية في 6 أكتوبر، بحسب تقرير لـ” نيويورك بوست “، إلى استهدافها سفينتي شحن، دون تقديم تفاصيل أخرى عن الهجوم.

وتشير إحصائيات غرفة الشحن البحرية التركية في أغسطس، إلى تعرض 226 سفينة في البحر الأسود لهجمات منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، بينها 163 سفينة هوجمت خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، بنسبة تزيد عن 70%.

وتواصلت “الحرة”، عبر باحثين أتراك، مع عدد من ممثلي شركات شحن تركية عاملة في البحر الأسود، أكدوا جميعا عزمهم تجميد نشاطهم مؤقتا، مشيرين إلى بدء شركات وملاك سفن في ذلك بالفعل.

ورغم ذلك، يبدي مسؤولو هذه الشركات مخاوفهم من الإفلاس، مشيرين إلى أن السفن الراسية تتطلب أيضا نفقات ثابتة وأعمال صيانة دورية، في وقت لا تحقق أي عوائد مالية.

كما أكدوا أن حركة الملاحة في البحر الأسود تواجه نقصا حادا في عدد العاملين والبحارة، بعد ترك العشرات لوظائفهم بسبب المخاطر الأمنية.

وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في تصريحات الخميس، إنه لا يجب السماح بتحول البحر الأسود إلى جبهة صراع جديدة مع تصاعد الهجمات المتبادلة مؤخرا بسبب رغبة موسكو وكييف في تحقيق تفوق عسكري قبل حلول الشتاء.

واعتبر فيدان أن أنقرة تبذل قصارى جهدها لوضع حد لمثل هذه الحوادث، بينما تتعرض سفنها إلى هجمات.

ولم تقدم السلطات التركية حتى الآن على أي تحركات فعلية لحماية الملاحة في البحر الأسود، واقتصر موقفها على البيانات الرسمية وخطوات تنظيمية ودبلوماسية، بالإضافة إلى مرافقة محدودة لعدد من السفن المتضررة، نفذها خفر السواحل التركي.

ويقول الباحث السياسي التركي، يوسف كاتب أوغلو لـ”الحرة” إن تصاعد وتيرة الهجمات يشكل عائقا خطيرًا على الملاحة البحرية التركية، والعلاقات الاقتصادية لأنقرة مع كل من روسيا وأوكرانيا.

وارتفعت مؤخرا تكلفة الشحن من الموانئ التركية إلى ميناء أوديسا الأوكراني بنحو 4 إلى 5 أضعاف، في وقت تراجعت فيه الحركة التجارية نتيجة للحصار الروسي على الموانئ الأوكرانية.

وترتبط تلك التطورات بسيادة تركيا على المضائق الاستراتيجية في المنطقة وحرصها على منع تحول البحر الأسود إلى ساحة صراع مفتوح .

وكانت أنقرة فعلت بنود اتفاقية مونترو بعد أيام من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022.

وتنص الاتفاقية الموقعة عام 1936 على منح تركيا السيادة الكاملة على مضيقي البوسفور والدردنيل وبحر مرمرة، وتنظيم الملاحة ومرور السفن التجارية والحربية بين البحر الأسود والبحر المتوسط.

وتضمن الاتفاقية حرية المرور الكاملة للسفن التجارية والمدنية في أوقات السلم والحرب، بشرط ألا تتبع السفن دولة في حالة حرب مع تركيا.

لكنها وضعت قيوداً صارمة على مرور السفن الحربية التابعة لدول لا تطل على البحر الأسود، تشمل تحديد أعدادها وحمولاتها الإجمالية.

كما تشترط الاتفاقية تقديم إخطار مسبق لتركيا قبل عبور المضائق بنحو 8 أيام بالنسبة للدول المطلة على البحر الأسود، وقبل 15 يوماً للدول غير المطلة عليه.

وتمنح كذلك أنقرة الحق في إغلاق المضائق أمام السفن الحربية التابعة للدول المتحاربة، أو في حال وجود تهديد مباشر.

ومنذ تفعيل الاتفاقية، سمحت تركيا فقط للسفن الحربية التابعة للدولتين المتحاربتين (روسيا وأوكرانيا) بالعبور في حالة واحدة: إذا كانت بطريق عودتها إلى قواعدها البحرية المسجلة رسمياً في البحر الأسود، وذلك وفق استثناء قانوني يعتمد على قاعدة عودة السفن إلى القاعدة الأم.

وبسبب هذه الشروط، تمنع “مونترو” تركيا من تنسيق أي تحرك عسكري مشترك مع حلفائها في حلف الناتو داخل البحر الأسود. ولذلك تتحرك تركيا اعتمادا على قوتها الذاتية أو بالتعاون مع دول مطلة على البحر الأسود مثل بلغاريا ورومانيا، وعبر مبادرات إقليمية مثل مجموعة العمل المشتركة لإزالة الألغام البحرية.

وتخشى أنقرة، بحسب ناشطين سياسيين مقربين من السلطات التركية تحدثوا لـ”الحرة”، فقدان صفة “الحارس الأمين” للمضائق، في حال تنفيذ أي تحرك عسكري يثير حفيظة دول عظمى، ويدفعها إلى المطالبة بإلغاء الاتفاقية أو تدويل الإشراف على المضائق.

ورغم تصاعد المخاطر مؤخرا، يرى الكاتب والباحث السياسي التركي، فراس رضوان أوغلو، أن انعكاسات الحرب الحالية لم تشل حركة الملاحة التركية تماما، إذ يستمر عمل عدد من الخطوط البحرية.

كما يلفت، في تصريحات لـ”الحرة”، إلى أن توفير الحماية الكاملة للملاحة في بحر واسع ليس أمرا سهلا، مشيرا إلى أن جهود تركيا الحالية تتركز على مراقبة خطوط الملاحة، وتوفير الحماية قرب مياهها الإقليمية، بفضل امتلاكها أسطولا بحريا كبيرا في البحر الأسود.