في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تونس – لم يكن قرار السجين السياسي التونسي عبد الحميد الجلاصي دخول إضراب مفتوح عن الطعام مفاجئا تماما لعائلته، لكنه كان، رغم ذلك، صادما.

قبل أن تذهب زوجته منية إلى السجن، اتصلت بابنتها مريم، التي تعيش خارج تونس، وسألتها إن كانت تريد إرسال شيء إلى والدها ضمن "قفة الطعام" التي تحملها العائلة عادة في الزيارة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 فقدت سِنَّين و11 كيلوغراما وتتهم بالتعذيب.. فصل جديد من محنة زوجة مادورو
* list 2 of 2 هربوا برا وبحرا.. قصة الفرار الجماعي من اليمن end of list

سألت البنت أمها إن كان والدها قد أخبرها أنه ينوي الدخول في إضراب عن الطعام، لتكتشف مريم أن القرار كان قد اتُخذ بالفعل، بعدما طلب الجلاصي من زوجته ألا تحضر له "القفة" في الزيارة التالية.

الجلاصي، القيادي السابق في حركة النهضة، محكوم استئنافيا بالسجن 10 سنوات و5 سنوات من المراقبة الإدارية في ما يعرف ب قضية "التآمر على أمن الدولة"، بعدما كان قد حُكم عليه ابتدائيا بالسجن 13 عاما. وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بدأ إضرابا مفتوحا عن الطعام.

مصدر الصورة منية إبراهيم زوجة السجين السياسي عبد الحميد الجلاصي الذي يخوض إضرابا عن الطعام (الجزيرة)

القفة رسالة دعم

وتقول مريم الجلاصي للجزيرة نت إن العائلة كانت تتوقع القرار بحكم شخصية والدها، لكنها تخشى تبعاته الصحية، خصوصا أنه يبلغ من العمر 66 عاما. وتصف "القفة" بأنها أكثر من طعام، فهي "رسالة إلى السجين بأنه ما زال محاطا بمن يحبونه ويتذكرونه".

وترى مريم أن الإضراب أصبح بالنسبة إلى والدها آخر وسيلة للاحتجاج حين تضيق الخيارات داخل السجن، حتى لو كانت العائلة تدرك خطورته ولا تتفق مع جدواه.

وليس الجلاصي استثناء. ففي السجون التونسية تكررت خلال السنوات الأخيرة حالات الإضراب عن الطعام، حتى أصبح الجسد نفسه إحدى آخر الوسائل المتاحة للسجين للاحتجاج على ظروف احتجازه أو المطالبة بحقوقه.

لكن بين ذاكرة إضرابات عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي وواقع اليوم، يطرح هذا التصعيد سؤالا أوسع: هل ما زال جسد السجين قادرا على أن يتحول إلى قضية عامة؟ وأن يدفع السلطة إلى التراجع أو الاستجابة؟

مصدر الصورة السجين أحمد نجيب الشابي خاض إضرابا عن الطعام علّقه بسبب تدهور حالته الصحية (الجزيرة)

انسداد قنوات الحوار

وقبل الجلاصي، كان أحمد نجيب الشابي رئيس جبهة الخلاص الوطني قد دخل في 1 أكتوبر/تشرين الأول الحالي إضرابا مفتوحا عن الطعام، بعد انسداد قنوات الحوار مع إدارة السجن، مطالبا بالوصول إلى المعلومات وتوفير قناة إخبارية تتيح له متابعة الشأن التونسي.

إعلان

وبعد أيام، علّق الشابي إضرابه مؤقتا إثر تدهور حالته الصحية ونقله إلى المستشفى مرتين خلال فترة الإضراب.

وجاء قرار التعليق بعد أن أبلغته إدارة السجن بأنها "تأخذ مطالبه بجدية"، و"تعهدت بالعمل، في حدود صلاحياتها، على ضمان حق السجناء في الوصول إلى مصدر إعلامي موثوق". وبعد التشاور مع عائلته، اختار الشابي تعليق الإضراب "تعبيرا عن حسن النية"، في انتظار التحقق من تنفيذ الإدارة تعهداتها.

لكن حالته كشفت في الوقت نفسه عن الجانب الأكثر خطورة في هذه الوسيلة، فمع مرور الأيام لا يعود السؤال متعلقا بقدرة السجين على الاستمرار في الاحتجاج فقط، بل بقدرته على تحمل تبعاته الصحية.

يصف المحامي سمير ديلو، في حديث للجزيرة نت، الإضراب عن الطعام بأنه "سلاح من لا سلاح له"، لأنه يمثل الصيغة القصوى في سلم التضحية، إذ يعرض صاحبه لأذى جسدي كبير قد يصل إلى الموت.

وديلو ليس مراقبا من خارج التجربة. فقد كان واحدا من نحو 200 شخص خاضوا إضرابات عن الطعام سنة 2005، عندما كانت السلطة السياسية في عهد بن علي تواجه معارضة متصاعدة قبل انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس.

ويقول ديلو للجزيرة نت إن السلطة لا تستجيب عادة بصورة إيجابية لمطالب المضربين، لكنها تتابع وضعهم الصحي، بينما يتزايد الضغط العائلي والحقوقي كلما تدهورت صحة المضرب.

مصدر الصورة عائلة الهمامي تتهم السلطة بابعاده إلى سجن المنستير بسبب قيامه بإضراب جوع تضامني مع ناشطي أسطول الصمود (الجزيرة)

أصعب اللحظات

وتعيش عائلات السجناء هذا الصراع من موقع مختلف. وتقول شقيقة المحامي السجين العياشي الهمامي -للجزيرة نت- إن أصعب لحظة بالنسبة إليها كانت لحظة إيقاف شقيقها، وإن قراره الدخول في إضراب عن الطعام كان ثاني أصعبها.

وترى أن الزيارة وتقديم الطعام هما الوسيلة الوحيدة التي تستطيع الأسرة من خلالها إظهار تضامنها ووقوفها مع السجين، ولذلك فإن دخول السجين في إضراب يفقدها إياها.

وكان الهمامي قد بدأ إضرابا عن الطعام في 18 سبتمبر/أيلول 2026 من سجن المرناقية، تضامنا مع وائل نوار، عضو الهيئة التسييرية ل أسطول الصمود، مؤكدا أن "معاقبته بسبب هذا الموقف لن تحقق شيئا، ولن تؤثر في معنويات السجين أو عائلته".

وفي عهد بن علي كان الإضراب عن الطعام وسيلة احتجاج بارزة لدى المعارضين والسجناء السياسيين. ومن أشهر محطاته إضراب 18 أكتوبر/تشرين الأول 2005، الذي شارك فيه 8 معارضين من اتجاهات سياسية مختلفة، ورفعوا شعار "الجوع ولا الخضوع".

كان من بين المشاركين أحمد نجيب الشابي، و حمة الهمامي، وعبد الرؤوف العيادي، وسمير ديلو، ومختار اليحياوي، والعياشي الهمامي، ولطفي حجي، ومحمد النوري. وطالب المضربون بحرية العمل الحزبي والجمعوي، وحرية الصحافة والإعلام، ووضع حد لمعاناة السجناء السياسيين.

استمر الإضراب نحو شهر، وتحول إلى حدث سياسي وإعلامي تجاوز السجن، بالتزامن مع انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس. وفي تلك الفترة برزت هيئة 18 أكتوبر/تشرين الأول للحقوق والحريات، التي جمعت شخصيات من تيارات سياسية وفكرية مختلفة.

إضراب التضامن

وفي الفترة نفسها، خاض زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، الذي كان آنذاك خارج تونس، إضرابا عن الطعام إلى جانب عدد من قياداتها، في سياق التضامن مع مطالب حركة 18 أكتوبر/تشرين الأول والضغط من أجل الحريات السياسية.

إعلان

ولم يتوقف الغنوشي عن استخدام الإضراب بعد الثورة. فمنذ سجنه في أبريل/نيسان 2023، خاض سلسلة من الإضرابات، بعضها ارتبط بقضية "التآمر" وبعضها جاء تضامنا مع سجناء آخرين، بينها إضرابات في سبتمبر/أيلول 2023 وفبراير/شباط 2024 ونوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول 2025، إضافة إلى إضراب عن الطعام والدواء في أغسطس/آب 2026 علّقه بعد أيام استجابة لطلب الفريق الطبي.

أما أستاذ القانون الدستوري والقيادي في جبهة الخلاص الوطني جوهر بن مبارك، فقد جعل من جسده محور احتجاج طويل على استمرار سجنه في القضية نفسها.

وفي 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025، دخل بن مبارك إضرابا عن الطعام والشراب والدواء، استمر 33 يوما قبل تعليقه في 2 ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته، ثم عاد إليه في 14 يناير/كانون الثاني 2026، واستمر 12 يوما قبل تعليقه في 26 من الشهر نفسه.

وتحول وضعه الصحي خلال تلك الفترة إلى محور لتحركات تضامنية، ودخل عدد من السياسيين والمعتقلين وأفراد عائلته في إضرابات تضامنية معه.

من جهتها قالت وزيرة العدل ليلى جفال -في وقت سابق- أمام البرلمان إن "الإضراب عن الطعام حق للسجين، وإن مصالح الوزارة تتابع الحالة الصحية للمضربين وفق الإجراءات المعتمدة"، لكنها أشارت إلى أن "بعض السجناء يرفضون الالتزام بالبروتوكول الصحي".

فقدان التأثير

ويرى رئيس تحرير صحيفة المغرب حسن العيادي أن الإضرابات فقدت جزءا كبيرا من تأثيرها مقارنة بالماضي.

ويعزو العيادي، في حديث للجزيرة نت، ذلك إلى:


* أولا: تراجع التعاطف الشعبي في ظل ترسيخ خطاب سياسي يعتبر المعارضة والسجناء في القضايا السياسية جزءا من "مؤامرة" تستهدف الدولة.
* ثانيا: طبيعة السلطة السياسية الحالية، التي تتعامل مع ملف السجناء والإضرابات من زاوية أمنية أكثر من كونه ملفا سياسيا يمكن أن ينتج تفاوضا أو ضغطا أو تنازلات.

ويقول العيادي إن السلطة تستجيب أكثر للقضايا التي تمتلك عمقا شعبيا واضحا، مثل احتجاجات العاطلين عن العمل، أو المطالب المرتبطة بالمجمع الكيميائي بقفصة، بينما يصعب على إضراب سجين سياسي أن يتحول إلى قضية جماهيرية واسعة من دون حاضنة اجتماعية كبيرة.

يظل الإضراب عن الطعام مفارقة قاسية: كلما نجح في إيصال صاحبه إلى حافة الخطر، ازدادت قدرته على جذب الانتباه، لكنه في الوقت نفسه يصبح أقل قابلية للتحكم في نتائجه.

في الماضي، كان جسد المعارض المضرب قادرا على اختراق جدار السجن والوصول إلى المجال العام، فتتحول حالته الصحية إلى قضية سياسية وحقوقية تتجاوز شخصه. أما اليوم، فتبدو المسافة أكبر بين السجين والشارع.

ومع ذلك، لا يزال الإضراب عن الطعام آخر ما يملكه السجين حين يشعر أن الأبواب الأخرى أغلقت. الجلاصي والشابي وبن مبارك والغنوشي والهمامي خاضوا التجربة نفسها بأشكال مختلفة، لكن أثرها السياسي لم يعد بالضرورة يوازي الكلفة التي يدفعها أصحابها.

وبينما تتغير السياسة وأدوات الاحتجاج، يبقى الجسد في السجن آخر مساحة لا تحتاج إلى إذن كي تعلن الرفض.