في مقال تحليلي نشره بمجلة فورين بوليسي، يرى آدم غولدسميث -مدير شؤون أمريكا اللاتينية في مؤسسة "غرينمانتل"- أن الانتخابات الرئاسية البرازيلية -رغم احتدام المنافسة فيها بين اليمين واليسار- لن تعالج بالضرورة المشكلات البنيوية التي تعاني منها البلاد منذ سنوات.

ويشير الكاتب إلى أن البرازيليين اتجهوا إلى الجولة الأولى من الانتخابات -في 4 أكتوبر/تشرين الأول الجاري- وسط منافسة بين الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا الذي يخوض السباق بخطاب يقوم على الشعبوية الاقتصادية والليبرالية الاجتماعية والاستقرار السياسي، وفلافيو بولسونارو الذي يقدم نفسه ممثلا للتيار المحافظ اجتماعيا الذي أطلقه والده الرئيس السابق جايير بولسونارو.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 أمريكا على خُطى إيطاليا.. حين يفقد "العالم الجديد" استثناءه الاقتصادي والسياسي
* list 2 of 2 ترمب يعيد رسم الخط الأخلاقي للرئاسة.. ما كان فضيحة عام 2019 أصبح عاديا في 2026 end of list

وبحسب غولدسميث، فإن الاختلاف الأيديولوجي والسياسي الواضح بين المرشحين لا يُخفي حقيقة وجود مشكلات أعمق تتجاوز هوية الرئيس المنتخَب، وفي مقدمتها ضعف النمو الاقتصادي طويل الأمد واستشراء الفساد.

مصدر الصورة طابور أمام مركز اقتراع أُقيم في مدرسة أيرتون سينا دا سيلفا خلال الانتخابات الرئاسية في ريو دي جانيرو (الأوروبية)

ويرى الكاتب أن تسريع النمو يتطلب خفضا هيكليا في أسعار الفائدة، وهو ما لن يكون ممكنا -في تقديره- من دون إصلاح مالي عميق يعالج الاختلالات في المالية العامة.

إصلاحات عميقة

ويربط غولدسميث هذه المشكلة بمستوى أسعار الفائدة، معتبرا أن تحقيق نمو أسرع يتطلب خفضا هيكليا لأسعار الفائدة، لكن خفض الفائدة ليس قرارا نقديا منفصلا عن السياسة المالية، إذ يحتاج إلى إصلاحات عميقة في المالية العامة حتى تتمكن الدولة من خلق بيئة اقتصادية أكثر استقرارا تستدعي إجراءات غير شعبية أو مؤلمة على المدى القصير، في حين أن الحكومات المنتخبة تكون عادة تحت ضغط تقديم إنفاق اجتماعي وتحقيق نتائج بعينها.

ويرى غولدسميث أن تغيير الرئيس قد يؤدي إلى تغيير بعض السياسات، لكنه لن يزيل بالضرورة جذور المشكلة إذا ظلت المؤسسات والقواعد والحوافز التي تحكم النظام السياسي والقضائي على حالها، كما أن تحقيق معدلات نمو أعلى يتطلب -بحسب تحليله- خفضا هيكليا في أسعار الفائدة، وهو ما يستدعي بدوره إصلاحات عميقة في المالية العامة لتهيئة بيئة اقتصادية تسمح بتكاليف اقتراض أقل.

إعلان

أما المشكلة الثانية -وهي الفساد والإفلات من العقاب- فيعتقد الكاتب أنها أكثر تعقيدا، لأنها لا تتعلق بمجرد تشديد القوانين أو تغيير الحكومة، وإنما تستدعي -وفق تحليله- إعادة النظر بصورة شاملة في منظومة العدالة التي تأسست في البرازيل بعد انتهاء الحكم العسكري.

ولا يقدّم المقال الفساد باعتباره مجرد مشكلة مرتبطة بحكومة بعينها أو بحزب سياسي محدد، بل يتعامل معه باعتباره مشكلة مؤسسية أعمق، وبالتالي فالتغيير السياسي بين اليمين واليسار لا يعني بالضرورة تغييرا في البنية التي تسمح باستمرار الفساد.

مصدر الصورة مرشح الحزب الليبرالي لرئاسة البرازيل فلافيو بولسونارو (وسط) خلال فعالية انتخابية في ساو باولو (الأوروبية)

وإذا ظلت المؤسسات والقواعد والحوافز التي تحكم النظام السياسي والقضائي على حالها، فإن تغيير الرئيس قد يغير بعض السياسات، لكنه لن يزيل بالضرورة جذور المشكلة.

الانتخابات ليست الحل

غير أن الفكرة الأهم التي يمكن استخلاصها من المقال هي أن الانتخابات -رغم أهميتها الديمقراطية- لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حلا تلقائيا للمشكلات الاقتصادية والمؤسسية.

ومن هذه الزاوية، يحاول المقال نقل النقاش من سؤال: "من سيفوز في الانتخابات؟" إلى سؤال أكثر جوهرية: "هل يستطيع الرئيس المقبل تنفيذ الإصلاحات التي تحتاجها البرازيل؟".

ويخلص المقال إلى أن التنافس الانتخابي بين اليمين واليسار قد يغيّر اتجاه السياسات الحكومية أو الخطاب السياسي، لكنه لا يضمن معالجة المشكلات البنيوية التي تعوق الاقتصاد والمؤسسات البرازيلية.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام البرازيل لا يتمثل فقط في اختيار الرئيس المقبل، وإنما في قدرة النظام السياسي على تنفيذ إصلاحات عميقة في المالية العامة والنمو الاقتصادي، ومكافحة الفساد والإفلات من العقاب.