في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

القدس- لضبط الوقت ومعرفته، في مدينة مثل القدس، كان وما زال لها حضورها الديني والسياسي والاقتصادي أيضا، ولدت فكرة الساعة الدقاقة، التي ما لبثت أن شُيدت في منطقة باب الخليل، حيث الثقل التجاري والنشاط الميداني لحركة السكان في المدينة آنذاك.

ففي عام 1906، وخلال حكم الدولة العثمانية، أُقيمت الساعة الدقاقة في منطقة باب الخليل، فوق برج حجري غطت الساعة جهاته الأربع، بارتفاع 13 مترا، تميز بطراز رفيع، لم يعكس جمالية المشهد فحسب، بل رصانة البناء وحرفيته كمعلم عثماني له وقعه.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 غارة إسرائيلية تحصد أرواح مسلمات ومسيحيات بغزة وتفجر غضبا واسعا
* list 2 of 2 استشهاد مدرب فلسطيني خلال احتجازه لدى الجيش الإسرائيلي end of list

لكن البرج وساعته لم يعودا قائمين، فأين ذهبا؟ تؤكد المعلومات المتناقلة أن الإنجليز، وبحكم الانتداب البريطاني الذي وقع على فلسطين عقب العهد العثماني، هم من هدموا البرج ونقلوا الساعة، لكن لا أحد يعرف إلى أين؟ وماذا حل بها؟ رغم إشارة بعض المصادر إلى أنها نقلت إلى متحف في لندن، وفق الباحث المقدسي إيهاب الجلاد.

حضور المدينة وثقلها

إلى أواخر القرن الـ19، وبالتحديد في عام 1892، يرجع المؤرخ الجلاد إنشاء خط سكة الحديد الأول في المنطقة، الذي كان ينافس سكة حديد الحجاز، وينقل المسافرين من مدينة يافا الفلسطينية إلى القدس التي أصبحت مربوطة بالعالم الخارجي وواكبت الحداثة وأصبح السفر أسرع.

وكان القطار يتحرك في مواعيد ثابتة ومحدودة، وأصبح الناس بحاجة إلى ساعة لمعرفة الوقت وضبط حلهم وترحالهم، من هنا جاءت فكرة إنشاء برج الساعة الذي استغرق بناؤه وقتا في باب الخليل، المكان الحيوي وحيث الثقل السياسي والاجتماعي لأهل المدينة؛ فكان هناك سبيل ماء، والسوق والبنوك والصحف.

لكن ماذا حصل للساعة؟ سؤال يطرحه الجلاد ويجيب عنه قائلا: الساعة بقيت مكانها منذ عام 1907 إلى عام 1922، حين ادعت جمعية إنجليزية تُعرف باسم "محبي القدس" -وبحجة المحافظة على التاريخ والتراث القديم- أن الساعة حديثة وغير مناسبة، وأنها تشوه البرج والسور القريب، لذلك قامت بتفكيكها وإزالتها "رغم أنها كانت من أجمل المعالم، بل معلما مقدسيا شاملا".

إعلان

ويؤكد الجلاد أن اعتراض الناس حينها أدى إلى إعادة وضعها على برج آخر شُيِّد على بعد عدة أمتار شمال موقعها القديم، وأصبحت قريبة من البلدية الإنجليزية. وهذا الأمر أيضا لم يعجب السكان لعدم مناسبة الموقع وتسببه في أزمة مرورية، فضلا عن غياب الحس الجمالي الذي كان في البرج العثماني، فتمت إزالتها مرة أخرى عام 1934، واختفت حينها ساعة القدس الدقاقة.

هل هي ساعة لندن؟

وفي الوقت نفسه، نفى الجلاد أن تكون الساعة نُقلت إلى لندن أو حلت مكان ساعة بيغ بن، وذلك لأسباب كثيرة منها: أن الأخيرة أُنشئت قبل ساعة القدس بفترة طويلة، وأنه لا يوجد دليل مادي ملموس يشير إلى أن أجزاء من الساعة نقلت إلى لندن، إلى جانب اختلاف المقاييس والأحجام بين ساعة القدس وبيغ بن الأضخم والأكبر والأشهر.

ومثل القدس، حظيت مدن فلسطينية عدة بساعات مشابهة، أُقيم معظمها بمناسبة الذكرى الـ25 لتولي السلطان العثماني عبد الحميد الخلافة، مثل يافا وحيفا وعكا، إضافة إلى الساعة التي لا تزال موجودة حتى الآن في منطقة باب الساحة وسط البلدة القديمة في نابلس.

ولم ينحصر الطراز العثماني في برج الساعة الدقاقة في مدينة القدس، فالبيوت والأسواق والأبواب يظهر فيها نمط معماري خاص يتجلى في حجارتها، وشرفاتها وأقواسها.

ووفق أستاذ التاريخ نظمي الجعبة، فإن محطة قطار القدس وُصلت بالباب العالي بإسطنبول مباشرة، وإن ثاني بلدية أُسست في الدولة العثمانية بعد إسطنبول كانت بلدية القدس، وهذا تماما يؤكد أن "الدولة العثمانية لم تكن لتنسى القدس ولو للحظة".

أهمية المكان

يلفت الأكاديمي الجعبة إلى أن ساعة القدس، التي عُرفت أيضا "بالساعة المحمودية"، جاءت في إطار حملة لتشجيع التجارة في الدولة العثمانية، إذ كانت العشرات من أبراج الساعات في مدن عدة داخل هذه الدولة، في عهد السلطان عبد الحميد، مشددا على أن ساعة باب الخليل "بالتأكيد هي ليست بيغ بن"، ولكن "هذا لا يقلل من قيمتها وأهميتها".

وفي دراسة سابقة نشرتها مجلة "البيادر السياسي" الصادرة في القدس للباحث بشير بركات، أشار إلى أنه مع انتشار العمران خارج سور القدس أواخر العهد العثماني، تم بناء أسواق جديدة وخصوصا غربي السور، وكان باب الخليل أكثر أبواب المدينة ازدحاما، حيث يعبر منه المسافرون والقادمون من الخليل ويافا وغزة، وازداد ازدحاما مع تأسيس مستشفى العيون ومحطة السكة الحديدية في منطقة "البقعة ".

ويضيف بركات "لأهمية الباب شيدت الحكومة برج الساعة فوقه وسبيل السلطان عبد الحميد خارجه بالقرب من محطة العربات"، وتم بناء عدد من "اللوكندات" (الفنادق الصغيرة) والمقاهي في المنطقة. ويشير إلى أن السلطات البريطانية سعت إلى إنهاك الاقتصاد العربي في القدس منذ بداية احتلالها للمدينة، وأنه في إطار هذه السياسة، تم هدم برج الساعة في باب الخليل.