بعد إطاحة أزمة البث بـ"نصار".. هل واكبت البنية التحتية طفرة الكرة الأردنية؟
بينما تعيش كرة القدم الأردنية واحدة من أبرز مراحلها على صعيد النتائج والحضور القاري والدولي، أعادت أزمة البث التلفزيوني للمباراة الودية بين المنتخبين الأردني والسوري فتح ملف ظل يلاحق اللعبة لسنوات: هل تطورت البنية التي تقف خلف كرة القدم بالسرعة نفسها التي تطور بها "النشامى" داخل الملعب؟
الأزمة لم تتوقف عند رداءة الصورة أو اضطراب الإشارة، بل امتدت تداعياتها إلى المشهد الإداري، فبعد يومين من المباراة، أعلن مجلس إدارة الاتحاد الأردني لكرة القدم قبول استقالة الأمينة العامة سمر نصار، وتكليف فرح البدارنة بمهام الأمين العام بالإنابة، من دون أن يربط البيان الرسمي الاستقالة مباشرة بأزمة البث. وجاء القرار وسط جدل جماهيري وإعلامي واسع أثارته المشكلات الفنية التي رافقت نقل المباراة.
وفي ملف الإنتاج والبث التلفزيوني، أوضح الاتحاد الأردني لكرة القدم، للجزيرة نت، أن منافسات الدوري الأردني تُبث عبر القناة الرياضية الأردنية التابعة لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون، التي وصفها بأنها مؤسسة وطنية رائدة تمتلك تجارب ناجحة في هذا المجال، ولم يُسجل لها سابقا إخفاق في ملف البث أو مشكلات مماثلة لما حدث خلال مباراة المنتخب الوطني أمام نظيره السوري.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 بعد انتهاء تجربته في السعودية.. الجزائري رياض محرز على أعتاب الدوري القطري
* list 2 of 2 قهر الورم وهزمه الاعتزال المبكر.. يايسله من الكرسي المتحرك إلى دكة الدوري الإنجليزي end of list
وأشار الاتحاد إلى أن ما جرى في مباراة الأردن وسوريا كان "اجتهادا في غير مكانه"، موضحا أن التعاقد مع شركة متخصصة جاء أساسا بهدف تطوير مستوى الإنتاج والبث، إلا أن أخطاء حدثت خلال التجربة، مما يستدعي مراجعتها والتحقق من أسباب الإخفاق وتحديد المسؤوليات، لضمان عدم تكرارها.
وأكد أن الهدف خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تقديم البث بأعلى مستوى ممكن، بما يضمن للمشاهد تجربة تتناسب مع ما وصلت إليه الكرة الأردنية من تطور وإنجازات.
طموحات وشكاوى
ولا تبدو أزمة البث منفصلة عن سؤال أوسع يتعلق بالبنية التحتية للكرة الأردنية، ففي الوقت الذي ارتفع فيه سقف طموحات المنتخب والجماهير، لا تزال الملاعب وأرضياتها محور شكاوى متكررة، خصوصا مع الضغط الكبير على عدد محدود من المنشآت التي تستضيف مباريات الأندية والمنتخبات.
وسبق لنجم المنتخب الوطني موسى التعمري أن فجّر نقاشا واسعا بشأن أرضية استاد عمان الدولي، قائلا عقب إحدى مباريات المنتخب إن الأردن، رغم وصوله إلى وصافة كأس آسيا، يخوض مبارياته على ملعب سيئ، واصفا إياه بأنه "أسوأ ملعب" لعب عليه، في انتقاد عكس حجم الفجوة بين الإنجاز الذي تحقق داخل المستطيل الأخضر والبيئة التي تحتضنه.
وفي إربد، يقدم استاد الحسن مثالا مباشرا على حجم المشكلة، فقد شرعت وزارة الشباب، بحسب الناطقة الإعلامية أماني المجالي، في إعادة تأهيل أرضيته، قبل أن تكشف الأعمال عن عيوب أعمق استدعت إعادة تنفيذ أجزاء من شبكات التصريف والري وتوسيع نطاق المشروع.
مصدر الصورة
ثمن باهظ
ووفق ما صرّحت به المجالي لـ"الجزيرة نت"، ارتفعت تكلفة التأهيل إلى نحو 850 ألف دينار، بعدما كانت الأعمال قد بدأت بتكلفة معلنة قدرها 450 ألفا، بينما تجاوزت نسبة الإنجاز 30% منتصف سبتمبر/أيلول.
ويرى لاعب المنتخب الأردني السابق ومدرب الفيصلي في الموسم الماضي مؤيد أبو كشك أن سوء الأرضيات يفرض ثمنا فنيا وبدنيا على الأندية، يبدأ من ارتفاع احتمالات الإصابات ولا ينتهي عند صعوبة تنفيذ الأفكار التكتيكية بالدقة التي يريدها المدرب.
وأوضح في تصريح للجزيرة نت أن الاعتماد الواسع على الملاعب التدريبية ذات العشب الاصطناعي يؤثر في حركة الكرة وتحركات اللاعبين وتغيير الاتجاهات، مستحضرا ملعب الأمير محمد في الزرقاء ضمن الملاعب الاصطناعية التي شهدت إصابات للاعبين خلال اللعب والتدريب.
ويضيف أبو كشك أن محدودية الملاعب تضرب أيضا انتظام البرنامج التدريبي، خصوصا في إربد، حيث تتقاسم أندية عدة المنشآت المتاحة، ما يقلّص عدد الحصص ويضع الأجهزة الفنية أمام مواعيد تفرضها جاهزية الملعب بدلا من احتياجات الفريق، ويؤكد أن المدرب يحتاج إلى بناء برنامجه وفق الأحمال البدنية والاستشفاء والتحضير التكتيكي وموعد المباراة، لا وفق الساعة التي يصبح فيها الملعب شاغرا.
وفيما يتعلق بالانتقادات الموجّهة إلى أرضيات الملاعب، أكد الاتحاد أنه يتعامل بجدية مع الملاحظات المرتبطة بجودة الملاعب، لا سيما ما يتعلق منها بسلامة اللاعبين ومستوى المنافسات.
جذور الأزمة
وأوضح أن ملف الملاعب وأرضياتها يقع بالدرجة الأولى على عاتق الحكومة بشكل عام ووزارة الشباب بشكل خاص، مشيرا إلى وجود تواصل مستمر مع الجهات المعنية بهدف تحسين جودة أرضيات الملاعب.
ومن جهته، يعيد الناقد الرياضي مراد النوايسة جذور أزمة البث إلى ما يصفه بخلل إداري سبق المشكلة الفنية التي ظهرت على الشاشة، معتبرا أن الأزمة لم تكن مجرد عطل طارئ، وإنما نتيجة "قرارات فردية" لم تُبنَ، وفق رأيه، على المصلحة العامة.
وقال النوايسة للجزيرة نت إن الأزمة أحدثت تباينا واسعا في الوسط الرياضي، إلا أن غالبية الانتقادات، بحسب تقديره، حمّلت الاتحاد جانبا من مسؤولية ما حدث، لا سيما في ما يتعلق بآلية اتخاذ القرار بشأن إنتاج وبث المباراة الودية أمام سوريا.
ويقول النوايسة إن أهمية المباراة ضاعفت أثر الأزمة، باعتبارها أول ظهور للمنتخب بعد إنجازه التاريخي، في وقت كانت فيه الجماهير تنتظر صورة تلفزيونية تواكب المكانة التي وصل إليها "النشامى".
ووصف الصورة التي خرج بها البث بأنها "مخزية" و"باهتة"، مؤكدا أنها لا تعكس، من وجهة نظره، مستوى الكفاءات الأردنية العاملة في مجال الإنتاج التلفزيوني، من فنيين ومصورين ومخرجين ومذيعين.
ولا يفصل النوايسة أزمة البث عن طريقة إدارة ملفات أخرى مرتبطة باللعبة، إذ يرى أن استثمار الإنجاز الذي حققه المنتخب يحتاج إلى منظومة إدارية قادرة على العمل بالتنسيق مع أصحاب الاختصاص، بعيدا عما يصفه بـ"القرارات الفردية" و"المصالح الشخصية". ويشير إلى أن التعاون بين اتحاد الكرة والتلفزيون لا يقتصر على نقل المباريات، بل يمتد إلى جوانب فنية أخرى، من بينها الإخراج التلفزيوني ومتطلبات تطبيق تقنية حكم الفيديو المساعد "VAR"، ما يجعل استمرار الخلاف بين الطرفين، وفق تقديره، أمرا مقلقا للمنظومة بأكملها.
وتصبح المفارقة أكثر وضوحا مع دخول تقنية حكم الفيديو المساعد "VAR" إلى البطولات الأردنية رسميا هذا الموسم، فقد أعلن الاتحاد تجهيز البنية التحتية للتقنية في سبعة ملاعب، بكلفة إجمالية تقارب 800 ألف دينار، بينها 686 ألف دينار كلفة رأسمالية و112 ألفا مصاريف تشغيل سنوية، فيما تكفل الاتحاد بنحو 436 ألف دينار لشراء الأجهزة والمعدات والأنظمة.
ويمثل المشروع قفزة تقنية مهمة للتحكيم الأردني، لكنه يطرح في المقابل مفارقة يصعب تجاهلها: كيف تستطيع المنظومة تجهيز الملاعب بالكاميرات والشاشات وأنظمة الاتصال اللازمة لتطبيق تقنية دولية متقدمة، بينما تستمر الشكوى من جودة العشب والصيانة وتوافر الملاعب والإنتاج التلفزيوني؟
وبشأن حدود مسؤولياته في ملف البنية التحتية، بيّن الاتحاد أن دوره يتمثل في مراقبة وتقييم أوضاع الملاعب، وتقديم التوصيات ومخاطبة الجهات المعنية بالملاحظات والاحتياجات، في حين تقع مسؤولية أعمال التطوير والصيانة وتحسين البنية التحتية والأرضيات على الجهات المالكة والمعنية، وفي مقدمتها وزارة الشباب.
وأكد الاتحاد استمرار التواصل مع هذه الجهات ونقل الملاحظات والاحتياجات إليها، بهدف تحسين جودة الملاعب وتوفير بنية تحتية تتناسب مع تطور الكرة الأردنية ومتطلبات المرحلة المقبلة.
رهان مستقبلي
وفي المقابل، تراهن الحكومة على مشروع كبير لمعالجة جانب من الفجوة مستقبلا، يتمثل في استاد الحسين بن عبدالله الثاني الدولي في مدينة "عمرة" الجديدة، الذي قدرت تكلفة إنشائه بنحو 200 مليون دينار، ليكون أكبر ملعب في المملكة.
وتشير أحدث البيانات الرسمية إلى أن الاستاد سيُقام ضمن مدينة رياضية على مساحة إجمالية تبلغ ألف دونم، ويتسع لنحو 46 ألف متفرج، على أن تبدأ الأعمال الإنشائية مطلع عام 2027، ويكتمل المشروع ويُفتتح بنهاية عام 2029.
ولا يقتصر المشروع على مدرجات الاستاد؛ إذ يتضمن ملعبين للتدريب ونحو 6 آلاف موقف للمركبات والحافلات، إلى جانب مرافق لخدمة الرياضيين والجماهير وربط المنشأة بشبكات النقل العام ومسار الباص سريع التردد.