لم تتخذ طهران قرارا نهائيا، لكن التخطيط يعكس قناعة لدى كبار المسؤولين بأن أي حملة أمريكية جديدة ينبغي أن تواجه برد أقوى من السابق، حتى مع استمرار السعي إلى تجنب التصعيد عبر المحادثات.

تستعد إيران لرد أوسع وأكثر قوة في حال استئناف الولايات المتحدة هجماتها العسكرية واسعة النطاق، وفق مصادر تحدثت إلى رويترز، بينما تواصل اتصالات دبلوماسية يرى مسؤولون إيرانيون أن فرص نجاحها محدودة.

وبالتزامن، نفت طهران اتهامات بريطانية تربطها بمخطط يشتبه في أنه كان يستهدف قاعدة جوية تستخدمها القوات الأمريكية، واستدعت السفير البريطاني احتجاجا على القضية.

خطط لتوسيع نطاق الرد والأهداف المحتملة

وقال ثلاثة مسؤولين إيرانيين كبار ومصدر مطلع على المناقشات إن القيادة تدرس توسيع نطاق الأهداف المحتملة، بحيث لا يقتصر أي رد على الأصول المرتبطة بالولايات المتحدة، بل قد يشمل دولا تدعم العمليات العسكرية الأمريكية، وربما مواقع خارج الشرق الأوسط .

وبحسب المصادر، تكثفت هذه المداولات منذ عودة الرئيس مسعود بزشكيان من نيويورك الأسبوع الماضي، وتركزت على النطاق الجغرافي للرد وتوقيته وطبيعة الأهداف التي قد يطالها إذا شنت واشنطن هجوما جديدا.

ولم تتخذ طهران قرارا نهائيا، لكن التخطيط يعكس قناعة لدى كبار المسؤولين بأن أي حملة أمريكية جديدة ينبغي أن تواجه برد أقوى من السابق، حتى مع استمرار السعي إلى تجنب التصعيد عبر المحادثات.

وقال حميد رضا عزيزي، المحلل الكبير للشؤون الإيرانية في مجموعة الأزمات الدولية، إن طهران لا تزال غير متأكدة مما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيختار حملة عسكرية واسعة أم ضربات محدودة، قد تستهدف منشآت نووية. وأضاف أن القيادة تبدو مصممة على تجاوز الردود الرمزية، بهدف إعادة ترسيخ الردع.

استعدادات لدى حلفاء طهران

وفي إطار التحضير لاحتمال تجدد الحرب، قال مسؤولان إيرانيان إن طهران أصدرت تعليمات إلى الجماعات المتحالفة معها في لبنان واليمن والعراق للاستعداد لدعمها في حال شن هجوم أمريكي واسع النطاق.

وأوضحا أن التوجيهات تتعلق باستجابة منسقة قد تمتد من مضيق هرمز إلى المصالح الأمريكية في المنطقة وخارج الشرق الأوسط. ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية على طلب رويترز التعليق على هذه المعلومات.

وتدرس طهران أيضا الكلفة السياسية التي قد يتحملها ترامب إذا طال أمد المواجهة، في ظل استطلاعات تشير إلى ضعف التأييد الشعبي للحرب داخل الولايات المتحدة، واستمرار القلق من ارتفاع أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

نفي إيراني لمخطط استهداف قاعدة بريطانية

وفي تطور منفصل، ذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية، الخميس، أن طهران رفضت الاتهامات التي تربطها بمخطط يشتبه في أنه كان يستهدف قاعدة جوية في بريطانيا، ووصفتها بأنها لا أساس لها من الصحة.

واستدعت وزارة الخارجية الإيرانية السفير البريطاني لدى طهران على خلفية القضية، بعد تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام، الأربعاء، قال فيها إن لدى بلاده «مؤشرات قوية» على تورط إيران في المخطط.

وبحسب التصريحات البريطانية، يتعلق الاشتباه بقاعدة تستخدمها القوات الأمريكية لشن ضربات على إيران. ولم تتضمن المعلومات الواردة تفاصيل إضافية عن طبيعة المخطط أو الأدلة التي تستند إليها لندن.

ويضيف هذا الخلاف توترا جديدا إلى العلاقات الإيرانية البريطانية، بالتزامن مع المناقشات داخل طهران بشأن كيفية التعامل مع الدول التي تدعم العمليات العسكرية الأمريكية.

اقتراح لوقف القتال خلال سبعة أيام

ورغم الاستعدادات العسكرية، تبقي إيران قناة مفتوحة للمفاوضات غير المباشرة مع واشنطن، في محاولة لوقف القتال وتخفيف الضغط الاقتصادي.

وخلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع الماضي، قدمت طهران اقتراحا عبر وسطاء قطريين، قالت إنه يتيح فتح مضيق هرمز ووقف الأعمال القتالية في أنحاء المنطقة خلال سبعة أيام.

ووفقا للسلطات الإيرانية، يتضمن الاقتراح إنهاء القتال، ورفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن 12 مليار دولار على الأقل من الأموال المجمدة، وإصدار إعفاءات من العقوبات المفروضة على قطاع النفط.

وكان ترامب قد أعلن السبت رفضه الاقتراح، لكن وسائل إعلام إيرانية رسمية أفادت بوصول رد أمريكي عبر قطر، الثلاثاء، قالت إن طهران تراجعه.

وتكمن إحدى نقاط الخلاف الأساسية في ترتيب ملفات التفاوض، إذ ذكرت مصادر إيرانية أن واشنطن تريد إدراج البرنامج النووي ضمن المحادثات، بينما تصر طهران على تلبية شروطها السبعة أولا، قبل بدء المفاوضات النووية.

وقال أحد المسؤولين إن استمرار الاتصالات غير المباشرة لا يعني اقتراب الاتفاق، معتبرا أن احتمال التوصل إلى تفاهم بين الجانبين يظل ضعيفا للغاية.

الحصار يضاعف الضغوط الاقتصادية

وتواجه القيادة الإيرانية، بالتوازي مع حساباتها العسكرية، سؤالا بشأن قدرة الاقتصاد على تحمل مواجهة مطولة، بعدما قطع الحصار الأمريكي صادرات النفط التي تمثل مصدرا حيويا للدخل.

وتضاف هذه الضغوط إلى آثار العقوبات المفروضة منذ سنوات، وتفاقم الصعوبات المعيشية التي يواجهها الإيرانيون، ما يجعل استمرار الأزمة مكلفا لطهران حتى في فترات تراجع العمليات العسكرية.

وقال أليكس فاتانكا، مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، إن آفاق الدبلوماسية محدودة، وإن استمرار الحصار قد يشكل نقطة تحول خطيرة للنظام الإيراني عبر حرمانه من الموارد الأساسية، معتبرا أن التصعيد يظل احتمالا واردا.

كلفة الحرب ومخاطرها على طرق الطاقة

وتأتي المداولات الإيرانية بعد نحو سبعة أشهر من بدء الصراع بهجمات أمريكية إسرائيلية في 28 فبراير/شباط. وأوقف اتفاق لوقف إطلاق النار العمليات العسكرية الكبرى في 8 أبريل/نيسان، منهيا مرحلة استمرت أربعين يوما، لكن هجمات وعمليات عسكرية تجددت بصورة متقطعة منذ ذلك الحين.

وبحسب تقرير رويترز، أسفر الصراع عن مقتل آلاف المدنيين وإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وإلحاق أضرار باقتصاد يعاني أصلا من الهشاشة. كما استنزفت العمليات مخزونات البنتاغون من الصواريخ، من دون تحقيق الأهداف المتغيرة التي أعلنها ترامب للحرب.

وسعت إيران وحلفاؤها إلى زيادة الكلفة على واشنطن عبر توسيع رقعة المواجهة وتعطيل تدفق النفط عبر مضيق هرمز، بما يرفع المخاطر على أسواق الطاقة العالمية.

وشنت طهران هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، فيما استهدف الحوثيون المصالح السعودية. وأتاح تقدم الجماعة نحو باب المندب نقطة ضغط إضافية على طرق التجارة والطاقة، عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.

مخاوف من تجدد الاضطرابات الداخلية

ولا تقتصر مخاوف القيادة الإيرانية على المواجهة الخارجية، إذ قال مسؤول إصلاحي كبير سابق إن السلطات تخشى تكرار الاحتجاجات التي اندلعت في يناير/كانون الثاني بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، والتي قمعتها لاحقا، وأسفرت، بحسب تقرير رويترز، عن مقتل آلاف المتظاهرين.

وحذر المسؤول من أن مواجهة اضطرابات داخلية بالتزامن مع الضغط الأمريكي والقصف قد تمثل تحديا خطيرا لشرعية المؤسسة الحاكمة.

ومع اقتراب الذكرى السنوية لتلك الاحتجاجات، شددت السلطات الإجراءات الأمنية، وسعت إلى تعبئة مؤيديها وتشجيعهم على العودة إلى التجمعات الليلية، بينما تحدثت جماعات حقوقية عن تكثيف قمع المعارضة خلال الحرب.

وقالت منظمة العفو الدولية في مايو/أيار إن السلطات اعتقلت أكثر من ستة آلاف شخص منذ بدء الأعمال العدائية. كما أشار محققون تابعون للأمم المتحدة، في تقرير صدر خلال سبتمبر/أيلول، إلى اعتقالات جماعية وتعذيب وتزايد استخدام عقوبة الإعدام.

وتضع هذه الضغوط العسكرية والاقتصادية والداخلية القيادة الإيرانية أمام خيارات صعبة، بين مواصلة الدبلوماسية رغم تعثرها، والاستعداد لمواجهة أوسع قد تتجاوز حدود المنطقة.