المحكمة العليا أمام اختبار حاسم.. هل تُقصى القوائم العربية من الانتخابات الإسرائيلية؟
تأتي هذه المعركة القضائية قبل أقل من شهر على الاقتراع، في وقت تمنح فيه استطلاعات الرأي القائمتين معا نحو 12 مقعدا من أصل 120، ما يجعل مصير مشاركتهما مؤثرا في التمثيل العربي وحسابات تشكيل الحكومة المقبلة.
بدأت المحكمة العليا الإسرائيلية ، الخميس، النظر في الطعون المقدمة ضد استبعاد قائمتين انتخابيتين ومرشحين من خوض انتخابات الكنيست المقررة في 27 من الشهر الجاري، وسط احتجاجات أمام مقر المحكمة وخلاف سياسي وقانوني بشأن حق المجتمع العربي في اختيار ممثليه.
وتعقد المحكمة جلساتها بهيئة مؤلفة من تسعة قضاة، لمراجعة قرارات لجنة الانتخابات المركزية بشطب القائمة المشتركة بقيادة يوسف جبارين، والقائمة العربية الموحدة "راعم" برئاسة منصور عباس، إضافة إلى رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي سامي أبو شحادة، والنائب اليهودي عن القائمة المشتركة عوفر كسيف.
وتأتي هذه المعركة القضائية قبل أقل من شهر على الاقتراع، في وقت تمنح فيه استطلاعات الرأي القائمتين معا نحو 12 مقعدا من أصل 120، ما يجعل مصير مشاركتهما مؤثرا في التمثيل العربي وحسابات تشكيل الحكومة المقبلة.
احتجاجات أمام المحكمة وحضور لبن غفير
وقبل انطلاق الجلسات، نظم نواب عرب ومؤيدون لهم وقفة أمام المحكمة العليا في القدس احتجاجا على قرارات الشطب، وشارك فيها متظاهرون من اليسار الإسرائيلي.
وبالتزامن، وصل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى المكان، ولوّح بالعلم الإسرائيلي أمام المحتجين، برفقة مجموعة من أنصار اليمين المتطرف هتفت ضد مشاركة القوائم العربية في الانتخابات. وشهد محيط المحكمة تدافعا بين عناصر الشرطة ومتظاهرين أثناء إفساح الطريق أمامه.
مصدر الصورة
وقال عوفر كسيف مخاطبا المتضامنين إنهم سيواصلون النضال ضد الفاشية ومن أجل العدالة والسلام ومستقبل الفلسطينيين والإسرائيليين، اليهود والعرب، بينما دافع أبو شحادة أمام المحكمة عن مواقفه، مؤكدا رفضه الكفاح المسلح.
قرارات شطب بدفع من الليكود واليمين المتطرف
وكانت لجنة الانتخابات المركزية قد قررت، في 23 سبتمبر/أيلول، استبعاد القائمتين والمرشحين، بعد طلبات قادها حزب الليكود بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وحزب "عوتسما يهوديت" برئاسة بن غفير.
وبحسب مركز "عدالة" الحقوقي، الذي يمثل القوائم والمرشحين، صوتت اللجنة بأغلبية 18 عضوا مقابل خمسة على شطب كل من "راعم" والقائمة المشتركة وكسيف، بينما أيد 31 عضوا استبعاد أبو شحادة مقابل أربعة عارضوا ذلك.
واستندت طلبات المنع إلى اتهامات بإنكار وجود إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، أو دعم الكفاح المسلح ضدها، وهي اتهامات ترفضها الأطراف المستهدفة وتعتبرها محاولة لإقصائها سياسيا.
ويركز ملف الليكود ضد "راعم" على نشاط جمعية "الإغاثة 48" وصلات يقول الحزب إنها تربطها بالحركة الإسلامية والقائمة الموحدة وجهات مرتبطة بحركة حماس.
كما يستند إلى تقرير رقابي لوزارة القضاء الإسرائيلية صدر في يوليو/تموز 2025، وتناول شبهات بشأن استخدام أموال الجمعية وتحويلاتها واتصالاتها.
أما طلبات شطب القائمة المشتركة ومرشحيها، فتستند إلى تصريحات ومواقف سياسية تتعلق بالحرب على غزة والجيش الإسرائيلي والفصائل الفلسطينية، يقول مقدمو الطلبات إنها تندرج ضمن أسباب المنع القانونية.
"عدالة": أدلة قديمة وقرارات تمييزية
وقدم مركز "عدالة" ردوده وطعونه إلى المحكمة يومي 28 و29 سبتمبر/أيلول، معتبرا أن قرارات اللجنة تفتقر إلى أساس قانوني وتتجاهل السوابق القضائية الملزمة.
وقال المركز إن طلبات شطب القائمة الموحدة تعتمد على ادعاءات ومواد سبق بحثها ورفضها في جولات انتخابية سابقة، من دون تقديم أدلة جديدة تبرر تغيير موقف المحكمة.
وفي ملف كسيف، أكد أن بعض المواد التي قدمها الليكود لا ترتبط بأسباب الشطب، وأن بعضها الآخر تعرض للتحريف، متهما الحزب باستخدام الإجراءات القانونية لأغراض دعائية.
كما انتقد "عدالة" استبعاد القوائم العربية في مقابل السماح لأحزاب اليمين المتطرف بالمشاركة، رغم ما وصفه بوجود أدلة على تحريضها على العنف ضد الفلسطينيين. وحذر من أن تثبيت القرارات سيمنح غطاء قضائيا لمعاملة تمييزية في ممارسة حقي التصويت والترشح.
وكانت اللجنة قد رفضت طلبات استبعاد حزبي "عوتسما يهوديت" و"الصهيونية الدينية"، الذي يتزعمه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش.
مقال بعد هجوم أكتوبر في صلب قضية أبو شحادة
ويتركز طلب شطب سامي أبو شحادة على مقال نشره في موقع وصحيفة "العربي الجديد" في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، غداة هجوم حماس على إسرائيل، اعتبر مقدمو الطلب أن بعض عباراته تعبر عن تأييد للعنف.
لكن أبو شحادة نفى هذا التفسير، مؤكدا تمسكه بالعمل السياسي السلمي ورفضه الاعتداء على المدنيين. وقال إنه لم يكن مطلعا على تفاصيل الهجوم عند كتابة المقال، وإنه لو عرفها لما نشره.
وبحسب "عدالة"، لا يتضمن المقال دعوة صريحة لدعم الكفاح المسلح، بل إن الدعوة العملية الوحيدة الواردة فيه تتعلق بالتوجه إلى مسار سياسي. وأشار المركز إلى إقرار أبو شحادة بأنه أخطأ في توقيت النشر.
ودافع حزب التجمع عن رئيسه، مؤكدا أنه أدان مرارا المساس بحياة المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأن القضية تتجاوز شخصه إلى حق المجتمع العربي في اختيار قياداته وممثليه.
المستشارة القضائية تؤيد شطب أبو شحادة
وفي حين عارضت المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهاراف ميارا، شطب القائمتين وكسيف لعدم استيفاء الأدلة المعايير القانونية، طالبت المحكمة العليا بالمصادقة على استبعاد أبو شحادة، استنادا إلى اتهامه بدعم الكفاح المسلح ضد إسرائيل.
وجاء في بيان مشترك صادر عن مكتبي المستشارة القضائية والمدعي العام، الثلاثاء، أن المقال الذي نشره أبو شحادة غداة هجوم حماس وأثناء استمراره يعكس، بحسب تفسيرهما، موقفا داعما للكفاح المسلح الذي تخوضه الحركة، ويندرج ضمن أسباب الشطب المنصوص عليها في قانون أساس الكنيست.
واعتبرت ميارا أن التفسيرات التي قدمها أبو شحادة لاحقا بشأن المقال والأدلة الإضافية وسلوكه العام كانت جزئية وتهدف إلى المراوغة، ولم تتناول الادعاءات الأساسية المطروحة في قضيته. ويؤكد الطلب موقفها السابق خلال مداولات لجنة الانتخابات، فيما يبقى القرار النهائي بشأن ترشحه بيد المحكمة العليا.
وردا على قرار شطبه، قال أبو شحادة إن استهدافه يتجاوز شخصه إلى محاولة إقصاء صوت المجتمع العربي وخفض نسبة مشاركته في الانتخابات.
وأكد أن محاولات الإبعاد لن تدفعه إلى التراجع عن الدفاع عن حق جمهوره في التمثيل والمشاركة السياسية، ومواصلة النضال السلمي من أجل الحرية والعدالة والمساواة.
خلاف يمتد إلى أحزاب المعارضة
ولم يقتصر تأييد الشطب على أحزاب الائتلاف الحاكم، إذ أيدت أطراف من المعارضة استبعاد بعض القوائم والمرشحين، وهو ما أثار انتقادات من القوى العربية.
وانتقد التجمع حزب "الديمقراطيين" لتأييده شطب أبو شحادة، معتبرا أن الدفاع عن الديمقراطية يقتضي حماية الحقوق السياسية حتى لمن تختلف مواقفهم مع الأغلبية. وكان رئيس الحزب، يائير غولان، قد دعا إلى استبعاد أبو شحادة وبن غفير معا.
كما دعم حزب "إسرائيل بيتنا" استبعاد القوائم والمرشحين العرب، مستندا إلى مواقفهم من حماس، ومعتبرا أن القضاء على الحركة يجب أن يكون هدفا مركزيا لأي حكومة مقبلة.
في المقابل، وصف منصور عباس استبعاد حزبه بأنه قرار سياسي يهدف إلى منع تغيير الحكومة، بينما اعتبر يوسف جبارين وأحمد الطيبي أن الإجراءات تندرج ضمن محاولات نزع الشرعية عن التمثيل السياسي العربي.
المحكمة العليا أمام اختبار السوابق القضائية
وتستند طلبات الشطب إلى المادة "7 أ" من قانون أساس الكنيست، التي تحدد أسباب منع القوائم والمرشحين، ومنها إنكار وجود إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، والتحريض على العنصرية، ودعم كفاح مسلح لدولة معادية أو منظمة تصنفها إسرائيل إرهابية ضدها.
مصدر الصورة
وتحتاج قرارات استبعاد المرشحين الأفراد إلى مصادقة المحكمة العليا قبل دخولها حيز التنفيذ، بينما يمكن للقوائم الانتخابية الطعن أمامها في قرارات منع مشاركتها.
ويرأس لجنة الانتخابات قاض من المحكمة العليا، لكن أعضاءها المصوتين يمثلون الكتل البرلمانية، وتتوزع مقاعدهم بحسب حجم تمثيل هذه الكتل في الكنيست المنتهية ولايته، ما يمنح الائتلاف الحاكم أغلبية داخلها.
وسبق للمحكمة أن ألغت قرارات بمنع قوائم ومرشحين عرب، بينها قرار شطب حزب التجمع في انتخابات عام 2022. ويتمسك محامو القوائم المستبعدة بهذه السوابق، وبالمعايير الصارمة التي اعتمدتها المحكمة لإثبات أسباب المنع.
قائمتان بمقاربتين سياسيتين مختلفتين
وتضم القائمة المشتركة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة "حداش"، والحركة العربية للتغيير "تاعل"، والتجمع الوطني الديمقراطي "بلد". ويرأسها يوسف جبارين، يليه أحمد الطيبي وسامي أبو شحادة.
أما القائمة العربية الموحدة، فتخوض الانتخابات منفردة برئاسة منصور عباس، وتشغل حاليا خمسة مقاعد في الكنيست. وقد اتفقت القائمتان على خوض السباق بصورة منفصلة، مع توقيع اتفاق فائض أصوات بينهما.
وتركز الموحدة على التأثير من داخل الائتلاف الحكومي، وتطرح ملفات مكافحة الجريمة والعنف والإسكان والتخطيط والميزانيات والخدمات. في المقابل، تجمع المشتركة تيارات شيوعية وقومية، وتربط قضايا المساواة المدنية واحتياجات المجتمع العربي بالقضية الفلسطينية وإنهاء الحرب والاحتلال.
تداعيات محتملة على المشاركة وتشكيل الحكومة
وبحسب استطلاع أوردته هيئة البث الإسرائيلية "كان"، تحصل المشتركة على سبعة مقاعد والموحدة على خمسة. وتبرز أهمية هذه المقاعد في انتخابات يحتاج فيها أي معسكر إلى أغلبية 61 مقعدا لتشكيل حكومة.
ويشكل الفلسطينيون داخل إسرائيل نحو 21 بالمئة من السكان، ويزيد عدد الناخبين العرب على مليون وربع المليون، ما يمنح مشاركتهم وزنا في توزيع المقاعد.
وأظهر استطلاع نشر في مايو/أيار الماضي أن المشاركة العربية المتوقعة تبلغ 53 بالمئة في الظروف التي تناولها، ويمكن أن ترتفع إلى 67 بالمئة في حال إعادة تشكيل القائمة المشتركة. كما أيد 77.2 بالمئة من المشاركين انضمام حزب عربي إلى الائتلاف المقبل، وأيد 63.7 بالمئة الشراكة السياسية العربية اليهودية.
وفي حال تثبيت الشطب، سيظل الناخبون العرب قادرين على التصويت لقوائم أخرى، لكنهم سيفقدون خيار انتخاب القائمتين الرئيسيتين ذواتي الأغلبية العربية. أما إلغاء القرارات، فقد يمنح الأحزاب المستهدفة فرصة لتحويل المعركة القضائية إلى حملة لحشد الناخبين.
وبين هذين الاحتمالين، يظل قرار المحكمة حاسما لمصير القوائم والمرشحين، ولشكل التمثيل العربي في الكنيست الذي ستفرزه انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.