لم تعد الاستعدادات الأمنية والعسكرية في إيران تقتصر على القوات النظامية. فالحرس الثوري وقوات (الباسيج) شبه العسكرية يوسّعان برامج التدريب والتعبئة لتشمل فئات مدنية، بينها نساء وشبان، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق المواجهة مع الولايات المتحدة.

ويظهر هذا التوجه في تدريبات على استخدام السلاح وانتشار متطوعين عند نقاط التفتيش، ما يعكس حضورا أكبر للمؤسسات العسكرية والأمنية في الحياة اليومية للإيرانيين.

حصلت “الحرة” من المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وهو جماعة معارضة إيرانية، على صور ومقاطع مصورة تظهر نساء يتدربن على استخدام السلاح، وأطفالا عند نقاط تفتيش إلى جانب عناصر من الحرس الثوري والباسيج.

مصدر الصورة

في أحد المقاطع، تتدرب امرأة على استخدام بندقية كلاشنيكوف وتفكيكها وإعادة تركيبها. وفي مشاهد أخرى، يظهر أطفال عند حواجز أمنية برفقة عناصر موالية للحرس الثوري والباسيج.

ولا توضح هذه المواد ما إذا كان المشاركون في هذه الأنشطة معدّين للقتال، لكنها تظهر اتساع مشاركة المدنيين في تدريبات ومهام أمنية، في ظل التوترات مع إسرائيل والولايات المتحدة.

ويعتمد النظام الإيراني منذ سنوات على الحرس الثوري والباسيج في الأمن الداخلي والتعبئة، فيما تشير هذه المشاهد إلى امتداد هذا الدور إلى شرائح أوسع من المجتمع.

في مارس، أعلنت السلطات الإيرانية حملة تطوعية باسم “مقاتلو الدفاع عن الوطن من أجل إيران”، وفتحت باب التسجيل لمن تبلغ أعمارهم 12 عاما فما فوق، وفق تصريحات رسمية ومواد منشورة اطلعت عليها “الحرة”.

وقالت منظمة العفو الدولية إنها تحققت من 16 صورة ومقطع فيديو نُشرت منذ 21 مارس، يظهر فيها أطفال يحملون بنادق كلاشنيكوف أو يقفون إلى جانب عناصر من الحرس الثوري عند نقاط تفتيش وفي دوريات وتجمعات عسكرية في طهران ومشهد وكرمانشاه.

مصدر الصورة

وبحسب المنظمة، شارك بعض الأطفال في دوريات ونقاط تفتيش ومهام لوجستية. وحذرت من أن إشراك أطفال دون سن الخامسة عشرة في أنشطة عسكرية قد يشكل انتهاكا خطيرا للقانون الدولي الإنساني.

لكن طبيعة مشاركة الأطفال ليست واضحة دائما. وقال المحامي الإيراني حسين رئيسي لـ”الحرة” إن الأمر لا يرقى إلى نظام رسمي لتجنيد القاصرين، لكنه أضاف أن الأطفال ليسوا بعيدين عن الأنشطة المرتبطة بالمنظومة العسكرية.

ويقول رئيسي إن للباسيج حضورا منظما داخل المدارس، حيث يشارك طلاب وقاصرون في تدريبات وأنشطة تحت عنوان “الاستعداد للدفاع”. وبحسبه، تهدف هذه الأنشطة إلى تشجيع بعض الطلاب على الانضمام مستقبلا إلى الباسيج أو الحرس الثوري، إلى جانب تعزيز حضور هذه المؤسسات داخل المجتمع.

ووصف رئيسي الحملة بأنها “جزء من الدعاية وجزء من التدريب”، قائلا إن إشراك الأطفال فيها يخدم أيضا أهدافا اجتماعية وسياسية للنظام.

أما النساء، فتظهر مشاركتهن بصورة مختلفة. ففي المقاطع التي حصلت عليها “الحرة”، تظهر نساء وفتيات يتدربن على استخدام السلاح، من طريقة حمله إلى تفكيكه وإعادة تركيبه.

وتقدم السلطات هذه التدريبات باعتبارها جزءا من الاستعداد الشعبي للدفاع عن البلاد. لكن رئيسي يرى أن لها أيضا بعدا دعائيا، يهدف إلى إظهار المجتمع الإيراني بمختلف فئاته مستعدا للمواجهة. وقال: “نساء، أطفال، كبار السن، وغيرهم، هم مستعدون للقتال”.

ولا تعني هذه المشاهد بالضرورة أن النساء المشاركات سيصبحن مقاتلات، لكنها تظهر توسيع دائرة التدريب والتعبئة إلى فئات مدنية أوسع.

ويأخذ إشراك الأطفال بعدا أكثر خطورة عند النظر إلى الحوادث الميدانية. ففي أبريل الماضي، قُتل طفل يبلغ من العمر 11 عاما بينما كان برفقة والده، وهو عضو في الباسيج، عند نقطة تفتيش في طهران.

وبحسب توثيق لمنظمة العفو الدولية، أقرت السلطات بمقتل الطفل علي رضا جعفري “أثناء الخدمة”، إثر استهداف موقع أمني بطائرة مسيّرة.

ويرى رئيسي أن اصطحاب الأطفال إلى نقاط التفتيش يعكس حجم الدور الذي تلعبه شبكات الباسيج داخل الأسر والمجتمع، ويقول إن بعض العائلات تشرك أبناءها في هذه الأنشطة تعبيرا عن الولاء أو ارتباطا بهذه المؤسسات. لكنه يحذر من أن وجود الأطفال في مواقع أمنية قد يعرّضهم مباشرة لمخاطر الهجمات التي تستهدف تلك المواقع.

وبينما تبرر السلطات هذه الإجراءات بوجود تهديدات خارجية تستدعي رفع مستوى الجاهزية، يثير اتساع التعبئة تساؤلات أيضا حول دورها داخل البلاد، بالنظر إلى سجل الباسيج والحرس الثوري في التعامل مع الاحتجاجات.

وخلال احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” التي اندلعت عام 2022، شاركت قوات الأمن، بما فيها وحدات مرتبطة بالحرس الثوري والباسيج، في قمع الاحتجاجات. وفي تقارير صدرت في سبتمبر 2026، قالت منظمة العفو الدولية إنها وثقت انتهاكات ارتكبتها قوات الدولة، ودعت إلى التحقيق مع عشرات المسؤولين بشأن دورهم فيها.

ورغم عدم وجود أدلة تثبت أن تدريبات الأطفال والنساء مخصصة لاستخدامهم في قمع احتجاجات داخلية، يرى رئيسي أن البعد الداخلي لا يمكن فصله عن سياسة التعبئة التي يتبعها النظام.

مصدر الصورة

ويقول إن تدريب أطفال في سن مبكرة تحت عنوان “الدفاع عن الوطن” يعكس أولوية الحفاظ على منظومة الحكم والأيديولوجيا، ويهيئ المشاركين لأدوار قد تتجاوز مواجهة التهديدات الخارجية.

وتقدم السلطات هذه الأنشطة باعتبارها جزءا من الاستعداد للدفاع عن البلاد، بينما تحذر منظمات حقوقية من إشراك القاصرين في أنشطة عسكرية أو أمنية.

وتظهر الصور والمقاطع التي اطلعت عليها “الحرة”، إلى جانب المواد التي وثقتها منظمة العفو الدولية، أن التدريب والمهام الأمنية باتت تشمل فئات مدنية واسعة.

ولا تكشف هذه المواد وحدها عن طبيعة الدور الذي قد يؤديه هؤلاء مستقبلا، لكنها تظهر اتساع حضور السلاح والتعبئة العسكرية خارج نطاق القوات النظامية.