في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تتجه البيئة الأمنية في شرق آسيا إلى مرحلة أكثر تعقيدا، تتداخل فيها الذاكرة التاريخية الصينية اليابانية مع تسارع التسلح في اليابان، والتحول الأمريكي نحو توظيف المسيّرات والأنظمة غير المأهولة في أي سيناريو محتمل حول تايوان.

وتكشف تغطيات الصحافة الصينية أن بكين تنظر إلى هذه الملفات باعتبارها حلقات مترابطة في إعادة تشكيل توازن القوى والردع في غرب المحيط الهادي.

قصص مقترحة

list of 4 items
* list 1 of 4 عقدة الفيتو.. الأمم المتحدة بين دعوات الإصلاح وهيمنة الدول الكبرى
* list 2 of 4 بحر جنوب الصين.. من الاحتكاكات إلى إعادة تشكيل الاصطفافات
* list 3 of 4 اليابان والصين.. هل تنجح الدبلوماسية في ترميم أسوأ أزمة منذ عقود؟
* list 4 of 4 لا تتركونا للصين.. دول آسيوية تصرخ وواشنطن: لا نريد ضعفاء نحميهم end of list

التاريخ في قلب السياسة

تستخدم الصين "الوثائق السياسية الأربع" المنظمة للعلاقات مع اليابان بوصفها مرجعية سياسية وقانونية حاكمة مرتبطة مباشرة بقضايا السيادة والتاريخ واستعادة تايوان.

وتؤكد صحيفة الشعب اليومية أن البيان المشترك الصيني الياباني لعام 1972 -وما تلاه من وثائق- قد وضع الأساس السياسي والقانوني للعلاقة الثنائية، وحدد قواعد التعامل مع القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها المسؤولية التاريخية اليابانية ومسألة تايوان.

مصدر الصورة البيان المشترك الصيني الياباني لعام 1972 وضع الأساس السياسي والقانوني للعلاقة الثنائية بين البلدين (شترستوك)

وفي الذكرى الـ54 لصدور البيان المشترك، نقلت الصحيفة عن المتحدث باسم الخارجية الصينية غوه جيا كوِن مطالبته السلطات اليابانية بالعودة إلى المقاصد الأصلية للوثائق الأربع، محذرا من أن العلاقة الثنائية تواجه وضعا صعبا بسبب ما تصفه بكين بتقويض أساسها السياسي.

ويرى الخطاب الصيني أن التصريحات اليابانية التي تضع احتمال وقوع أزمة في جزيرة تايوان ضمن إطار "تهديد البقاء" لليابان تمثل تجاوزا للتفاهمات السياسية التي رافقت تطبيع العلاقات بين البلدين.

لهذا تأخذ الوثائق الأربع وظيفة تتجاوز استذكار التاريخ، فهي تقدم للصين أداة لتقييم السياسة اليابانية الراهنة، وخصوصا توسع طوكيو في قدراتها الدفاعية، وانخراطها المتزايد في ترتيبات الأمن الإقليمي المرتبطة بتايوان، وتطويرها قدرات يمكن استخدامها في عمليات بعيدة المدى.

اليابان تعتمد اليوم على توسع تدريجي وتستخدم التكنولوجيا المدنية والبحث ذا الاستخدام المزدوج وتعيد تقديم القدرات الهجومية بوصفها أدوات دفاعية

بواسطة جانغ جوِن شِه

الدول المعادية وسؤال الشرعية

يتكرر المنطق ذاته في السجال الدائر حول ما يُعرف بـ"بنود الدول المعادية" في ميثاق الأمم المتحدة، فقد رفضت الصين الدعوة اليابانية إلى حذف المواد 53 و77 و107 من الميثاق، وهي مواد ترتبط تاريخيا بالدول التي هزمت في الحرب العالمية الثانية.

إعلان

وتنقل صحيفة "غلوبال تايمز" عن سوِن ليه نائب المندوب الصيني لدى الأمم المتحدة تأكيده أن هذه البنود تمثل ترتيبا مؤسسيا لمنع عودة الفاشية والعسكرة، وحماية النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب.

وتعرض الصحيفة المسألة باعتبارها نزاعا على الشرعية السياسية بقدر ما هي خلاف على نصوص قانونية قديمة.

فمن وجهة النظر الصينية، تسعى اليابان عبر الدفع نحو حذف البنود إلى تحرير صورتها السياسية من تبعات الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، وتخفيف القيود الرمزية والمؤسسية المرتبطة بتاريخها العسكري، كما يخشى محللون -نقلت عنهم الصحيفة- أن يؤدي هذا المسار إلى إضعاف اليقظة الدولية حيال التوسع العسكري الياباني.

وتزداد حساسية الجدل مع اتساع النقاش الياباني حول القدرات الصاروخية بعيدة المدى، والصادرات الدفاعية، والقدرات النووية والغواصات التي تعمل بالطاقة النووية، إذ تقدم الصحافة الصينية هذه التحولات كإشارات إلى تغير تدريجي في البيئة الإستراتيجية التي قامت عليها اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وإلى ابتعاد متزايد عن مفهوم "الدفاع الحصري" الذي ارتبط طويلا بالسياسة اليابانية.

مصدر الصورة غواصة تابعة لقوة الدفاع الذاتي البحرية اليابانية في استعراض دولي بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس القوة (غيتي)

تسلح اليابان ومصالح الصناعة

تذهب صحيفة "هوان تشيو" إلى أن إعادة التسلح الياباني تستند إلى بنية مصالح اقتصادية وصناعية وسياسية آخذة في الاتساع، ويعرض تقريرها صعود دور الشركات الدفاعية الكبرى، خصوصا "ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة" و"كاواساكي للصناعات الثقيلة" و"ميتسوبيشي إلكتريك"، بالتوازي مع نمو مشتريات وزارة الدفاع من الصواريخ والطائرات والمعدات العسكرية.

وبحسب البيانات التي استند إليها التقرير، بلغت طلبيات وزارة الدفاع اليابانية 2.69 تريليون ين (نحو 18 مليار دولار أمريكي) خلال السنة المالية 2025، مقابل نحو 948.7 مليار ين (نحو 6.34 مليارات دولار أمريكي) في 2020.

وتوضح الأرقام أن التوسع الدفاعي لم يعد قرارا ماليا مؤقتا، إذ يسهم في بناء قاعدة صناعية وعلمية تتغذى من العقود الحكومية، وأبحاث الاستخدام المزدوج، والانفتاح المتدرج على أسواق تصدير السلاح.

ويربط تقرير الصحيفة هذا المسار بعودة ما يسميه "المجمع الصناعي العسكري"، حيث تتقاطع مصالح الدولة والشركات والمؤسسات البحثية.

وينقل عن الباحث والخبير العسكري جانغ جوِن شِه قوله إن اليابان تعتمد اليوم على توسع تدريجي، وتستخدم التكنولوجيا المدنية والبحث ذا الاستخدام المزدوج، وتعيد تقديم القدرات الهجومية بوصفها "قدرات تصد" أو أدوات دفاعية. وهذا نهج يثير المخاوف -بحسب التقارير الصينية- لأنه يوسع القدرة العسكرية اليابانية تحت مظلات لغوية وقانونية أكثر مرونة.

مصدر الصورة صورة نشرها خفر السواحل الفلبيني لسفينة تابعة لخفر السواحل الصيني في بحر جنوب الصين (الفرنسية)

خفر السواحل والضغط الرمادي

على الجانب الآخر من المعادلة، تستثمر الصين في أدوات بحرية لا تقع في صلب القوة العسكرية التقليدية، وفي مقدمتها خفر السواحل، فالدورية التي نفذتها سفن خفر السواحل الصيني شرق جزيرة تايوان تقدم نموذجا لسياسة الضغط المدروس تحت عتبة المواجهة المباشرة.

إعلان

فقد قالت صحيفة "غلوبال تايمز" إن مجموعة تقودها سفينة "جو جيا جيان" نفذت دورية إنفاذ قانون في تلك المياه، ضمن نشاط أعلنت بكين أنه يهدف إلى حماية الحقوق والمصالح البحرية وضمان انتظام الملاحة.

ونقلت الصحيفة عن تشن شيانغ مياو، مدير مركز أبحاث القوات البحرية العالمية في المعهد الوطني لدراسات بحر جنوب الصين، قوله إن الخطوة تحمل رسالة تحذير إلى القوى الداعمة لاستقلال تايوان، في ضوء تنامي الاتصالات البحرية بين تايبيه ومانيلا.

كما تمنح دوريات خفر السواحل بكين القدرة على تكرار الدوريات وتوسيع نطاقها ورفع مستوى الرقابة على السفن، مع الإبقاء على توصيف قانوني مدني للنشاط.

تتحرك هذه السياسة في منطقة رمادية تجمع بين القانون والأمن والسيادة، فهي تفرض حضورا دائما في المياه الحساسة أو المتنازع عليها، وتزيد كلفة أي تعاون بحري إقليمي تعتبره بكين موجها ضدها، وتترك مساحة واسعة لإدارة أي تصعيد محتمل.

لذلك تكتسب دوريات خفر السواحل أهمية تتجاوز حجم السفن أو طبيعة مهامها، لأنها تعمل كرسائل ردع متكررة في محيط تايوان وامتداداته نحو بحر جنوب الصين.

مصدر الصورة الولايات المتحدة تسعى إلى بناء قوة موزعة وقابلة للاستبدال قادرة على الاستطلاع والإنذار والضرب والتشويش (غيتي)

مسيّرات أمريكية وحسابات تايوان

في المقابل، تشير صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" إلى تحول مهم في المقاربة البحرية الأمريكية، مع إنشاء مركز تطوير القتال بالأنظمة الروبوتية والمستقلة في فرجينيا في 24 سبتمبر/أيلول.

ويهدف المركز إلى جمع الطائرات المسيّرة والمنصات السطحية والأنظمة غير المأهولة تحت الماء ضمن منظومة قتالية واحدة، وتطوير عقيدتها التشغيلية، وإعداد الأفراد لإدارتها واختبارها في بيئة معقدة تتعرض فيها الاتصالات للتشويش أو التعطيل.

وتنقل الصحيفة عن رئيس العمليات البحرية الأمريكية، الأدميرال داريل كودل، تأكيده أن نجاح النماذج الأولية لا يعني امتلاك قدرة قتالية جاهزة، وأن التحدي الحقيقي يتمثل في دمج المنصات وتنسيق قيادتها وإدخالها في التخطيط والقرار والتنفيذ.

ويرتبط هذا التحول مباشرة باحتمال نشوب أزمة حول جزيرة تايوان، عبر فكرة نشر أعداد كبيرة من الأنظمة غير المأهولة لتعطيل أو إبطاء أي عملية إنزال برمائي محتملة عبر المضيق.

وتفتح هذه المقاربة الباب أمام شكل جديد من أشكال الردع، فبدلا من الاعتماد الحصري على السفن الكبيرة والطائرات المأهولة، تسعى الولايات المتحدة إلى بناء قوة موزعة وقابلة للاستبدال نسبيا، قادرة على الاستطلاع والإنذار والضرب والتشويش في وقت واحد.

غير أن فعاليتها ستظل مرتبطة بقدرتها على العمل في بيئة مشبعة بالتشويش الإلكتروني والهجمات السيبرانية، وهي البيئة ذاتها التي تطور الصين فيها قدراتها غير المأهولة وتدريباتها على التكامل بين المنصات المأهولة وغير المأهولة.

بنية ردع متغيرة

توضح تقارير الصحافة الصينية أن شرق آسيا يتجه نحو نموذج ردع متعدد المستويات، ففي المستوى الأول؛ توظف الصين التاريخ والوثائق الثنائية وقواعد النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية لتثبيت موقفها من اليابان وتايوان.

وفي المستوى الثاني، تنمو القدرات العسكرية اليابانية وتتعزز قاعدة صناعاتها الدفاعية، بما يزيد حساسية بكين تجاه أي تغير في دور طوكيو الإقليمي.

أما في المستوى الثالث فتطور الولايات المتحدة أدوات عسكرية غير مأهولة قد تجعل أي صراع محتمل حول تايوان أكثر سرعة وانتشارا واعتمادا على التقنيات الروبوتية والبيانات والاتصالات.

وتتزايد المخاطر لأن هذه المسارات تلتقي في المجال البحري نفسه، فالذاكرة التاريخية ترفع مستوى الشك المتبادل بين الصين واليابان، والتحالف الأمريكي الياباني يوسع الحسابات العسكرية المرتبطة بجزيرة تايوان، ودوريات خفر السواحل والأنظمة غير المأهولة تقلص المسافة بين المنافسة اليومية والأزمة الأمنية.

إعلان

فبنية الردع الجديدة في غرب المحيط الهادي لا تقوم على القوة العسكرية التقليدية وحدها، فهي تتشكل أيضا عبر الرواية التاريخية، والشرعية القانونية، والوجود البحري في المناطق الرمادية، والقدرة على تشغيل أعداد كبيرة من الأنظمة غير المأهولة.

وفي هذا الفضاء المتداخل، تصبح إدارة الأزمات أصعب، لأن الإشارات التي يرسلها كل طرف قد تحمل -في وقت واحد- معنى قانونيا وسياسيا وعسكريا.