في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تتعامل الصين مع البحر باعتباره أكبر من مجال جغرافي وأوسع من مسرح عسكري تقليدي معزول عن الاقتصاد والعلم، ففي الرؤية الصينية المتنامية يمثل البحر مختبرا علميا لاكتشاف تاريخ الأرض والمناخ، وساحة للتصنيع المتقدم ولاختبار الأنظمة الذاتية، وخط إمداد إستراتيجيا ترتبط به التجارة والطاقة والأمن والنفوذ الخارجي.

وتكشف التقارير الإعلامية التي تتناول التطورات الأخيرة في الحفر العلمي العميق، والمركبات غير المأهولة تحت الماء، والتعاون العسكري البحري مع باكستان، عن ملامح منظومة متكاملة تجمع بين البحث العلمي والقدرة الصناعية والتقنيات الذكية والشراكة الدفاعية.

قصص مقترحة

list of 4 items
* list 1 of 4 روسيا تعيد تموضعها شرقا.. هل تتحول آسيا إلى بديل إستراتيجي عن الغرب؟
* list 2 of 4 حلم الإمبراطوريات ومقبرتها.. من يملك مفاتيح بوابة الدموع؟
* list 3 of 4 بحر جنوب الصين.. من الاحتكاكات إلى إعادة تشكيل الاصطفافات
* list 4 of 4 عبر غرينلاند.. أمريكا تعيد هندسة القطب الشمالي دفاعيا أمام روسيا والصين end of list

ويمثل نجاح سفينة الحفر الصينية "منغ شيانغ" في إنهاء أول بعثة تجريبية للحفر العلمي في بحر جنوب الصين خطوة تتجاوز القيمة الرمزية للإنجاز البحري.

المعرفة بوصفها بنية تحتية

فبحسب صحيفة "تشاينا ديلي"، عملت البعثة لمدة 30 يوما في مياه يبلغ عمقها 4 آلاف و100 متر، ونفذت عمليات حفر وأخذ عينات في موقعين، وحققت أقصى عمق تشغيلي بلغ 4 آلاف و929.17 مترا، ووصل اختراقها إلى 864.77 مترا تحت قاع البحر.

مصدر الصورة يستعيد الباحثون على متن سفينة الحفر البحرية الصينية "منغ شيانغ" عينة من أعماق البحار (الصحافة الصينية)

كما تمكن فريق البعثة من استخراج لباب صخري بازلتي بطول 4.27 أمتار باستخدام معدات مطورة محليا، لتصبح الصين ثالث دولة -بعد الولايات المتحدة واليابان- تحصل على عينات من الصخور الصلبة في حوض محيطي عميق بواسطة سفينة حفر.

ولا تتوقف أهمية الإنجاز عند امتلاك منصة حفر متطورة، بل تنسحب على ما تتيحه هذه العينات من إعادة قراءة لتاريخ تشكل بحر جنوب الصين وتكون قشرته المحيطية.

وتنقل الصحيفة عن كبيرة علماء البعثة سون جن قولها إن عينات البازلت قد تساعد في اختبار فرضيات "قفزة الحيد"، وهي عملية تنفصل فيها القشرة الأرضية وتنتقل إلى موقع آخر، مما يؤدي إلى تشكل حوض محيطي جديد.

إعلان

واكتشف فريق البعثة خلال عمليات الحفر طبقات رسوبية متعاقبة ورواسب ذات محتوى عضوي مرتفع على أعماق كبيرة، مما يفتح المجال لفهم العلاقة بين العمليات الطبيعية القديمة ودورة الكربون وتنظيم المناخ، وتأثير هذه العمليات على بقاء الكائنات الحية في البيئة البحرية العميقة.

بهذا المعنى، يتحول النشاط العلمي في الحفر العميق إلى بنية تحتية للمعرفة البحرية، فإتقان عملية الحفر ذاتها، والحصول على اللباب الصخري، وتحليل العينات، وتخزينها وفق المعايير الدولية، وإدارة المخاطر في الآبار بالغة التعقيد، كلها عناصر تبني قاعدة وطنية للخبرة في اكتشاف المحيطات.

وقد عززت البعثة معايير عملها عبر تشغيل مركبتين موجهتين عن بعد لإجراء عمليات تعاونية مكثفة ومطولة لأكثر من 358 ساعة من العمل تحت الماء في أعماق تقارب 4 آلاف متر، مما يعكس تداخلا عمليا بين علوم الأرض والهندسة البحرية والروبوتات والاستشعار في بيئة شديدة الصعوبة.

مصدر الصورة سجل فريق صيني رقما قياسيا في موسوعة غينيس لأكبر عدد من المركبات ذاتية القيادة تحت الماء (الصحافة الصينية)

أسراب الأعماق والوعي البحري

في المستوى التالي من هذه المنظومة البحرية، تبرز صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" الرقم القياسي الذي حققه فريق من جامعة "نورث وسترن بوليتكنيكال" الصينية بالتعاون مع شركة "شيآن تيانخه للتقنيات البحرية" من خلال تشغيل 116 مركبة ذاتية القيادة تحت الماء في وقت واحد.

ونفّذت المركبات -التي أُطلق عليها "تي إتش-618"- ملاحة تشكيلية مستقلة دون تدخل بشري لمدة 34 دقيقة، وعلى مسار بلغ 500 متر، وهو ما اعتمدته موسوعة غينيس رقما قياسيا عالميا.

وتنبع أهمية هذه التجربة من طبيعة البيئة تحت الماء، حيث تتعقد الاتصالات الفورية، ويتراجع الاعتماد على أنظمة الملاحة التقليدية، وتصبح دقة الاستشعار والتنسيق بين الوحدات شرطا أساسيا للنجاح، ولذلك قدمتها الجامعة بوصفها اختراقا في الملاحة التعاونية واسعة النطاق للأنظمة غير المأهولة، وثمرة عقود من العمل في استشعار الأهداف والمعلومات، والاتصالات الصوتية، والإدراك البصري تحت الماء.

ووفقا لما أوردته الصحيفة، فإن الشركة المتعاونة مع الجامعة -وهي شركة موردة للمعدات والمركبات البحرية تابعة لشركة الدفاع الخاصة "شيآن تيانخه لتقنيات الدفاع"- أفادت بأن المركبات ذاتية التشغيل تحت الماء بدأت تُستخدم في مهام أكثر تنوعا مع تطور تقنياتها، بما في ذلك المشروعات البحثية ومشروعات البنية التحتية، مثل رسم خرائط قاع البحر، ورصد التغيرات البيئية، وفحص الأنابيب ومنشآت النفط والغاز، ودعم عمليات الإنقاذ وتقييم البنى التحتية البحرية.

لكن هذه المجالات نفسها تكشف طبيعة التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، فالمركبة القادرة على إجراء مسح دقيق للقاع، أو تفقد خط أنابيب، أو العمل ضمن سرب منسق لساعات طويلة، يمكنها أيضا أن تدعم مراقبة الكابلات البحرية، وتعزيز الوعي بالمجال البحري، ورصد الأجسام تحت الماء، والاستطلاع في المناطق الحساسة.

ورغم أن هذا لا يعني أن كل استخدام علمي أو مدني هو تطبيق عسكري بشكل تلقائي، فإنه يوضح أن الحدود بين المجالين باتت وظيفية أكثر منها تقنية، إذ تشير "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" إلى أن باحثين صينيين كانوا قد طرحوا بالفعل تصورا لاستخدام أسراب من المركبات غير المأهولة -بما فيها مسيّرات تحت الماء- في تأمين المناطق التي تعاني ثغرات في الرصد، وفي دعم الدفاع عن مناطق لا تغطيها وسائل الكشف في بحر جنوب الصين.

جانغ جون شه: غواصات "هانغور" مجهزة بنظام دفع مستقل عن الهواء مما يمنحها قدرات قوية ومستمرة على التخفي والمناورة والعمل فترات طويلة، وقوة نارية تشمل الطوربيدات والصواريخ المضادة للسفن والقدرة على زرع الألغام البحرية

تصدير منظومة قدرة

أما في البعد الخارجي لبناء القوة البحرية، فتقدم صحيفة غلوبال تايمز نجاح الاختبار الأول لإطلاق أسلحة حية من الغواصة الباكستانية "هانغور" بوصفه مؤشرا على تعاون بحري يتجاوز حدود صفقة تسليح.

إعلان

فقد أطلقت الغواصة -في شمال بحر العرب- صاروخ كروز مضادا للسفن، وأصابت هدفها المحدد بدقة، في اختبار قالت البحرية الباكستانية إنه يؤكد كفاءة أنظمة أسلحتها وجاهزيتها القتالية وفعاليتها العملياتية.

وتُبرز الصحيفة سرعة الانتقال من التسليم إلى الاختبار القتالي في أنها انعكاس لقدرات منظومة الدعم والتدريب، وفي هذا الإطار ينقل التقرير عن الخبير العسكري الصيني سونغ جونغ بينغ قوله إن إبحار الغواصة مباشرة من الصين إلى باكستان بعد تسليمها -بدلا من نقلها على بارجة- يشير إلى سلامة التدريب الصيني وكفاءته، وتأهيل الطاقم الباكستاني وقدرته على التشغيل والدعم الأولي.

كما يوضح الخبير العسكري جانغ جون شه للصحيفة أن غواصات "هانغور" مجهزة بنظام دفع مستقل عن الهواء (AIP) مما يمنحها قدرات قوية ومستمرة على التخفي والمناورة والعمل فترات طويلة، مسلطا الضوء على قوتها النارية، التي تشمل الطوربيدات والصواريخ المضادة للسفن والقدرة على زرع الألغام البحرية.

مصدر الصورة الغواصة الباكستانية "هانغور" الصينية الصنع أجرت أول مهمة إطلاق نار حي لها في شمال بحر العرب (الصحافة الصينية)

وتزداد دلالة المشروع مع خطة بناء 4 غواصات في الصين وتجميع 4 أخرى في باكستان، وهو ما سيعزز المهارات التقنية وقدرات التصنيع في حوض كراتشي لبناء السفن والهندسة.

وتنقل غلوبال تايمز عن رئيس الأركان البحرية الباكستانية الأدميرال نويد أشرف قوله إن التعاون البحري بين البلدين مرشح للتوسع في بناء السفن والتدريب والتشغيل البيني والبحث وتبادل التكنولوجيا والتعاون الصناعي.

مساران متكاملان

تكشف التقارير الصحفية عن مسارين متلازمين في صعود القدرة البحرية الصينية، الأول هو المسار الداخلي والتراكمي من خلال البحث العلمي وتوفير معرفة دقيقة بالمحيطات والجيولوجيا والمناخ والموارد، ومن ثم يحوّل التصنيع المعرفة إلى سفن ومعدات محلية ومنظومات حفر واستشعار؛ ليتوسع نطاق حركة المركبات غير المأهولة في المراقبة والعمل في البيئة الخطيرة أو البعيدة.

أما المسار الثاني فهو خارجي وإستراتيجي، يقوم على الشراكات الدفاعية وتصدير المنصات، وتأهيل الطواقم ونقل الخبرة الصناعية وتعزيز التشغيل البيني، وهو ما يمنح الصين حضورا أوسع، ويحوّل علاقاتها البحرية من روابط سياسية عامة إلى شبكات عملية تجمع الموانئ والسفن والتدريب والدعم اللوجستي والمعرفة الفنية.

غير أن القيمة الحقيقية للمقاربة الصينية تتجسد في الجمع بينهما، إذ تتحول المعرفة العلمية إلى تفوق تقني، ويتحول التصنيع إلى قابلية للتوسع، وتتحول التكنولوجيا إلى شراكات قابلة للتصدير، في حين تمنح الشراكات تلك القدرات نطاقا جغرافيا وإستراتيجيا أوسع.

ولكن تبقى المسافة بين الاستخدام المدني والتطبيق العسكري متحركة، فأدوات البحر الحديثة -من الحفر والروبوتات إلى الاتصالات والاستشعار- تحمل في كثير من الأحيان قيمة مزدوجة الاستخدام.

لذلك، فإن قراءة الصعود البحري الصيني لا ينبغي أن تقتصر على عدد السفن أو الغواصات، بل يجب أن تشمل القدرة على إنتاج المعرفة البحرية وتطوير التقنية وتصنيعها محليا وتشغيلها جماعيا وربطها بشبكة من الشراكات الخارجية، لأن ذلك هو ما يجعل من البحر مختبرا للعلم، وميدانا للصناعة، وخطا متقدما للقوة الإستراتيجية.