الولاء قبل الخبرة.. هكذا تُدار حكومة ترمب من الداخل
ترصد تقارير وتحليلات أمريكية تحولا في حكومة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال ولايته الثانية، إذ تبدو أكثر التصاقا بشخص الرئيس، مع تقدم الولاء والثقة على الخبرة والاستقلالية في بعض أعلى مستوياتها.
ويكشف موقع بوليتيكو -استنادا إلى مقابلات مع عشرات المسؤولين الحاليين والسابقين في الإدارة الأمريكية- أن ترمب أحاط نفسه بدائرة من المسؤولين الذين تجمعهم به علاقات وثيقة تراكمت على مدى سنوات، في وقت لا يعني فيه القرب من الرئيس بالضرورة نفوذا أكبر، إذ قد يُفاجأ وزراء بقرارات تمس ملفاتهم أو يكلفون بمهام بعيدة عن اختصاصاتهم.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 مزايدات إسرائيل الانتخابية.. الفلسطينيون يدفعون الثمن
* list 2 of 2 هكذا قرأت الصحافة الإسرائيلية احتجاج لاعبي أيرلندا end of list
ومن زاوية أخرى، ترى الكاتبة مولي جونغ-فاست في مقال رأي بصحيفة نيويورك تايمز أن هذه البيئة عززت ثقافة إرضاء الرئيس داخل دائرته، وسط تنافس على إظهار التأييد له وتراجع محاولات ثنيه عن قراراته.
وبين معايير اختيار المسؤولين، وحدود سلطتهم، وطريقة صناعة القرار، ترسم المادتان صورة مقربة لكيفية إدارة حكومة ترمب من الداخل.
مصدر الصورة
الولاء معيار للاختيار
وتضيف أنه بمجرد تعيين أحد أعضاء الحكومة، فإن الأهم -وفق رؤيتها- هو الاستمرار في إخبار الرئيس بما يريد سماعه، أو قول ما يرضيه على شاشة التلفزيون بدلا من تقديم مشورة سليمة تخدم البلاد.
ويقدم بوليتيكو صورة أوسع لهذا التحول، موضحا أنه إذا كانت ولاية ترمب الأولى قد بدأت بطموح لبناء إدارته على غرار الشركات، حيث يبحث المختصون عن أصحاب أقوى السير الذاتية لشغل المناصب العليا، فإن ولايته الثانية باتت أقرب إلى "شركة عائلية"، تضم دائرة صغيرة من الشخصيات الموثوقة والمؤمنة به، اختيرت لقربها منه وولائها له أكثر من مؤهلاتها الموضوعية.
ويظهر ذلك في اختيار وزيرة التعليم ليندا مكمان، التي تلقت اتصالا من ترمب بعد فوزه بولاية ثانية يعرض عليها المنصب، رغم أنها أخبرته بأنها لم تعمل في مجال التعليم.
ويعتبر التقرير أن الرئيس لم يكن يبحث عن شخص يمتلك مؤهلات تعليمية، بل عن قائدة أعمال تحقق "عائدا على الاستثمار" في وزارة التعليم.
أما وزيرة الزراعة بروك رولينز، فقد درست التنمية الزراعية في جامعة تكساس إيه آند إم، لكنّ الموقع يقول إن سجل ولائها للرئيس ولأجندته السياسية هو ما جعل اختيارها لولايته الثانية "شبه محسوم"، إذ ينقل عن مسؤول بارز في إدارة ترمب قوله إن رولينز "كانت مستعدة للمجازفة ووضع سمعتها على المحك من أجل ترمب".
ويشير التقرير إلى أن فريق ترمب الانتقالي أعطى الأولوية لمرشحين يدعمون قرارات الرئيس وأجندته، وتربطهم به علاقة سياسية، سعيا لتجنب شخصيات المؤسسة التقليدية التي أزعجته في ولايته الأولى.
ولم يتوقف اختبار الولاء عند الوزراء أنفسهم، إذ طلب عدد منهم خلال عملية الاختيار اصطحاب موظفين موثوقين للعمل معهم، لكن مكتب شؤون الموظفين الرئاسي في البيت الأبيض رفض بعض الأسماء التي قدموها -من بينهم مستشارون إعلاميون وعاملون سابقون في حملاتهم الانتخابية- لاعتبارهم غير موالين بما يكفي لحركة " ماغا".
مصدر الصورة
وزراء تحت الرئيس
ولا تتوقف حدود عمل وزراء ترمب دائما عند اختصاصاتهم، إذ يقول وزير الأمن الداخلي ماركواين مولين: "إذا طرحت مشكلة على الرئيس، ولم تكن ضمن اختصاصك تماما، ولا تقع فعليا ضمن اختصاص أي شخص آخر، فستصبح تلك المشكلة مسؤوليتك"، مضيفا أن ترمب يستمع إلى رأي المسؤول ثم يقول له: "حسنا، اذهب وأصلحها".
ويلفت التقرير إلى أن كثيرا من أعضاء الحكومة يبدون مستعدين للتخلي عن قدر من سلطتهم مقابل القرب من الرئيس، بينما يتعامل من نجحوا في أدوارهم مع أنفسهم كمستشارين لا صناع سياسة مستقلين، وقد ينتظرون أحيانا منشورات ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي لمعرفة موقفه.
ويلخص وزير سابق في حكومة ترمب الأولى هذه العلاقة بالقول: "أهم درس لعضو في الحكومة هو أنك موظف، ولست صاحب قرار مستقل".
ويرصد الموقع مفارقة في هذا النموذج، فرغم تمتع وزراء ترمب الحاليين بقرب شخصي من الرئيس افتقده كثير من أسلافهم، ومشاركتهم نتيجة لذلك بصورة أكبر في العمل اليومي للحكومة، فإن بعضهم أصبح أقل نفوذا من وزراء سابقين كانوا يشتكون من إبعادهم المستمر عن المكتب البيضاوي.
وفي سياق متصل، تشير الكاتبة في نيويورك تايمز إلى أن مسؤولين في البيت الأبيض وأعضاء في الحكومة باتوا يتنافسون على إظهار تأييدهم للرئيس، إلى درجة وصفتها بـ"أولمبياد التملق"، مضيفة أن أفراد دائرته المقربة لا يفوتون فرصة لمدحه خلال اجتماعات الحكومة المتلفزة.
وينقل المقال عن تقرير لموقع أكسيوس أن المحيطين بترمب لم يعودوا يحاولون ثنيه عن اتخاذ قراراته، موضحا أن ترمب لا يريد سماع الآراء المخالفة، وهو ما بات واضحا في طريقة إدارته.
مصدر الصورة
مركزية القرار
وتنعكس مركزية القرار حول ترمب مباشرة على عمل الوزراء ورؤساء الوكالات، الذين وجدوا أنفسهم خلال الأشهر الأخيرة أمام قرارات لم يكونوا على علم بها، أو تجاوز الرئيس مواقفهم، أو اضطروا إلى المسارعة لتنفيذ قراراته بشأن بعض أكثر الملفات حساسية في نطاق مسؤولياتهم، وفق التقرير.
وينقل بوليتيكو عن مسؤول كبير سابق في إدارة ترمب قوله إن ما يحكم الإدارة هو "شخصية ذات سلطة مركزية قوية جدا، يحاول الجميع البقاء في دائرة رضاها وإبقائها سعيدة على المستوى الشخصي"، مشبّها ترمب بـ"ملك قوي" تحيط به شخصيات "ضعيفة" تحتاج إلى الرجوع إليه باستمرار قبل القيام بأي شيء.
ولا يقتصر الوصول المباشر إلى ترمب على أعضاء حكومته، فمع امتلاكهم رقم هاتفه وإمكانية الاتصال به مباشرة، يظل الباب نفسه مفتوحا أمام نواب ومتبرعين وصحفيين وأصدقاء قدامى ورجال أعمال يسعون إلى التأثير في رأيه، وهو ما يقلّص أحيانا تأثير المسؤولين المكلفين قانونيا بتنفيذ السياسات في مجالات اختصاصهم.
ويمتد تداخل الأدوار إلى الوزراء أنفسهم، الذين بات كثير منهم يتولى مهاما بعيدة عما كان متوقعا عند تصديق مجلس الشيوخ على تعيينهم.
ويبرز الموقع حالة وزير الخارجية ماركو روبيو الذي يجمع بين منصبه ومنصب مستشار الأمن القومي بالإنابة، إلى جانب مسؤوليات تتعلق بالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والأرشيف الوطني.
ويرى مسؤول كبير في الإدارة أن هذه البيئة تحول معظم أعضاء الحكومة إلى أشخاص يسايرون الرئيس، قائلا: "الجميع يريد الاحتفاظ بوظيفته، ومن لم تكن لديه علاقة سابقة بالرئيس لا يملك القدرة على قول الحقيقة له".