مزايدات إسرائيل الانتخابية.. الفلسطينيون يدفعون الثمن
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تدخل إسرائيل الأسابيع الأخيرة قبل انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول، في حين تتحول غزة والضفة الغربية والقدس وفلسطينيو 1948 إلى ساحات فعلية للمنافسة بين رئيس الوزراء وزعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو وخصومه.
ولا تكمن أهمية الانتخابات للفلسطيني في هوية رئيس الحكومة وحده، بل في نوع السياسة التي ستترجم التفوق العسكري الإسرائيلي إلى واقع على الأرض، فهل سيكون ضما وتهجيرا واستيطانا أوسع، أم استمرار السيطرة الأمنية مع إبقاء إدارة فلسطينية ومساحات مدنية وسياسية محدودة؟
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 الولاء قبل الخبرة.. هكذا تُدار حكومة ترمب من الداخل
* list 2 of 2 هكذا قرأت الصحافة الإسرائيلية احتجاج لاعبي أيرلندا end of list
ومع أن معظم الأحزاب الصهيونية تبدأ من أولوية الأمن وترفض في المرحلة الحالية إقامة دولة فلسطينية، فإن الفجوة بين المعسكرين تتسع عندما ينتقل النقاش إلى مصير الأرض والسكان والحكم والإعمار.
غزة.. البقاء والإعمار
يدفع الجناح الديني القومي في معسكر نتنياهو بتصور يتجاوز نزع سلاح حماس إلى تغيير مستقبل غزة جغرافيا وديمغرافيا، ففي 16 فبراير/شباط 2026، نقلت الصحفية يائيلي ياكوبي-هاندلسمان في صحيفة إسرائيل هيوم عن وزير المالية ورئيس حزب الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش قوله إن "غزة جزء من أرض إسرائيل"، وإن مستوطنات إسرائيلية ستقام فيها بعد القضاء على حماس.
وتطور هذا الخطاب عشية الانتخابات، ففي مقابلة مع القناة 14 في سبتمبر/أيلول، ربط سموتريتش بين تشجيع الهجرة ومنع الفلسطينيين من الاعتقاد أن غزة سيعاد إعمارها، ودعا إلى ضم المنطقة حتى " الخط الأصفر".
كما طرح وزير الأمن القومي ورئيس حزب "عوتسما يهوديت" إيتمار بن غفير الهجرة من غزة باعتبارها جزءا من "الحسم"، إلى جانب العودة إلى الاستيطان.
مصدر الصورة
وهذا يعني بالنسبة للفلسطيني أن فوز معسكر يعتمد بصورة أكبر على سموتريتش وبن غفير قد يحول السيطرة العسكرية الحالية إلى مشروع دائم يتعلق بالأرض والسكان معا، وذلك بإبقاء أجزاء من القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية، وعرقلة الإعمار، وتقليص المساحة المتاحة للسكان، وربط الظروف المعيشية بفكرة دفع الفلسطينيين إلى المغادرة.
في المقابل، لا يقدم معسكر المعارضة وعدا بانسحاب سريع، إذ يتمسك رئيس حزب "بيحاد" نفتالي بينيت رئيس الوزراء السابق ووزير الدفاع السابق بحرية العمل العسكري وبقاء الجيش فترة طويلة في غزة، بينما يشدد رئيس حزب " إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان وزير الدفاع والخارجية السابق على تفكيك القوة العسكرية لحماس قبل أي ترتيبات مستقبلية.
في المقابل، لا تشير ممارسة رئيس حزب " يشار" غادي آيزنكوت رئيس الأركان السابق ومهندس الإبادة الجماعية في غزة -بعد انضمامه ورئيس المعسكر الرسمي بيني غانتس إلى حكومة الحرب بقيادة نتنياهو وصاحب الثأر الشخصي مع غزة بعد مقتل نجله وابن أخيه في حرب غزة- إلى أنه يمكن أن يغيّر توجهاته لغزة إلى حلول سياسية أو انسحابات للجيش الإسرائيلي أو حتى أفق إداري ومدني، وهذا يتطابق كليا مع توجهات شريكيه ليبرمان وبينيت.
الفارق الأوضح يظهر عند زعيم الديمقراطيين ونائب رئيس الأركان السابق يائير غولان، فقد كشفت المراسلة السياسية دافنا ليئيل في القناة 12 يوم 29 يونيو/حزيران خطة تقترح الاعتراف بحكومة تكنوقراط فلسطينية باعتبارها الجهة الرسمية الحاكمة، وإدخالها إلى المناطق التي تخرج منها حماس وبدء الإعمار بتمويل خليجي ورقابة دولية، بالتوازي مع ترتيبات لنزع السلاح.
وبالنسبة للفلسطيني، يصبح الفارق مباشرا، فاليمين الديني القومي يربط أمن غزة بالأرض والاستيطان والهجرة، كما لا يُتوقع كثيرا أن يفتح الاتجاه المقابل مجالا لإدارة فلسطينية وإعادة إعمار، وحتى إن بقيت السيطرة الأمنية الإسرائيلية جزءا من المعادلة.
الضفة.. الأرض والسيادة
في الضفة الغربية يبدو الفرق أكثر وضوحا، فرئيس الصهيونية الدينية سموتريتش لا يتحدث فقط عن توسيع الاستيطان، بل عن تغيير الوضع السياسي للضفة، وقد قال في مقابلة سياسية حديثة إن إسرائيل تحتاج إلى "الخروج إلى حرب" في الضفة و"فعل ما فعلناه في غزة"، وصولا إلى تفكيك السلطة الفلسطينية.
ويتفق معه بن غفير في الهدف العام، إذ يتعهد حزبه بفرض السيادة الإسرائيلية وتفكيك السلطة وتشجيع ما يسميه "الهجرة الطوعية"، وتقول الصهيونية الدينية إنها شرعنت عشرات المستوطنات وأقامت عشرات المزارع وتريد رفع عدد المستوطنين إلى نحو مليون.
إذا تحولت هذه الرؤية إلى برنامج الحكومة المقبلة، فإن الأثر على الفلسطيني لن يقتصر على بناء وحدات استيطانية إضافية، بل سيمس إمكانية البقاء على الأرض نفسها، وذلك بتوسيع المزارع والبؤر الاستيطانية، وتضييق البناء الفلسطيني في المنطقة "ج"، وتقطيع التواصل بين المدن والقرى الفلسطينية وتوسيع الهدم والإخلاء، وإضعاف السلطة باعتبارها إطارا سياسيا ومدنيا فلسطينيا.
مصدر الصورة
لكن المعارضة ليست كتلة متجانسة، إذ يرفض رئيس حزب "يشار" غادي آيزنكوت حاليا إقامة دولة فلسطينية، لكنه يعارض في الوقت ذاته تحويل إسرائيل إلى دولة تدير بصورة مباشرة حياة ملايين الفلسطينيين.
أما بينيت، فرغم وجوده في المعسكر المناهض لنتنياهو، فيبقى أقرب إلى اليمين بشأن الأرض، فهو يدعم الاستيطان في المنطقة "ج" ويرفض الدولة الفلسطينية، وكذلك يؤيد ليبرمان خطوات واسعة تجاه المنطقة "ج" ويطرح تغييرات جذرية في مستقبل السلطة.
وعلى الطرف الآخر، يدعو غولان إلى وقف الضم ومحاربة عنف المستوطنين والحفاظ على التنسيق الأمني مع السلطة، وفق استبيان لصحيفة يديعوت أحرونوت في 27 سبتمبر/أيلول.
ولهذا، فإن مصير الضفة يعتمد أيضا على ميزان القوى داخل المعارضة نفسها، لأن حكومة يهيمن عليها بينيت وليبرمان قد تستمر معها ضغوط الاستيطان، في حين يمنح نفوذ آيزنكوت وغولان فرصة أكبر لوقف الضم الشامل والحفاظ على السلطة، من دون إنهاء السيطرة العسكرية.
القدس.. تغيير الواقع
في القدس، يصبح المسجد الأقصى أحد أكثر الملفات حساسية، ويقدم بن غفير توسيع صلاة اليهود في الحرم باعتباره جزءا من استعادة "السيادة"، وبالفعل توسعت خلال السنوات الأخيرة ممارسات كانت الشرطة تمنعها سابقا، من الصلاة العلنية والسجود إلى إدخال نصوص دينية ورفع العلم الإسرائيلي في بعض المناسبات.
وفي مقابلة منشورة بتاريخ 25 سبتمبر/أيلول 2026 مع قائد شرطة منطقة القدس اللواء أفشالوم بيلد، تناولت الصحافة الإسرائيلية ما وصفته بـ"التجربة الجديدة" في صلاة اليهود في المسجد، بينما أشار بيلد إلى مسؤولية الشرطة عن إدارة أحد أكثر المواقع قابلية للاشتعال.
وبالنسبة للفلسطيني المقدسي، فإن استمرار بن غفير وقوة "عوتسما يهوديت" داخل الحكومة يعني احتمال تحويل التغييرات التدريجية إلى واقع دائم، بحيث تتحول الصلاة اليهودية المنظمة من استثناء إلى ممارسة، ويزداد الضغط لتوسيع أوقاتها ومساحاتها.
وفي المقابل، لا تقدم المعارضة برنامجا مشتركا تفصيليا بشأن الأقصى، ولذلك لا يمكن القول إنها تعد بإعادة الوضع إلى ما كان عليه، لكن الفارق هو أن الأحزاب المركزية فيها لا تجعل تغيير ترتيبات المسجد أو "السيادة على جبل الهيكل" (الاسم الذي يُطلَق إسرائيليا على المسجد الأقصى) شعارا انتخابيا أساسيا بمستوى عوتسما يهوديت.
وهنا يصبح مصير الفلسطيني مرتبطا بسرعة تغيير الواقع: معسكر يدفع علنا إلى توسيع الممارسة اليهودية في الأقصى، ومعسكر لا يحمل مشروعا مماثلا، لكنه لا يقدم أيضا ضمانة واضحة بعكس التحولات السابقة.
الداخل.. المواطنة و"الأمننة"
أما فلسطينيو 1948، فيواجهون تنافسا يتعلق بتعريف المشكلة ذاتها، فقد قدم سموتريتش في 27 أغسطس/آب برنامجا للصهيونية الدينية بعنوان "نهود"، هدفه المعلن إضافة مليون يهودي إلى النقب والجليل وإقامة 40 بلدة جديدة وعشرات المزارع، مع تغيير سياسات التخطيط والأراضي ومنع ما يصفه الحزب بـ"التواصل الإقليمي العربي"، ونشرت تفاصيل البرنامج هودايا بوشري في إسرائيل هيوم.
مصدر الصورة
وفي الوقت نفسه، يدفع الجناح الحكومي باتجاه توسيع دور الشاباك في مواجهة الجريمة، وكشفت القناة 12 -في 3 يوليو/تموز عبر الصحفية يولان كوهين- أن الجهاز طلب مليار شيكل للدخول في مكافحة الجريمة في المجتمع العربي، رغم تحفظاته السابقة على استخدام أدواته في المجال الجنائي.
والنتيجة المحتملة للفلسطيني في الداخل هي دمج ملف الجريمة مع الأرض والديمغرافيا والأمن القومي، بما يوسع أدوات الدولة الأمنية في المجتمع العربي بالتوازي مع سياسات استيطان يهودي في النقب والجليل، مع الاتفاق الكامل بين الأحزاب الصهيونية في المعارضة والائتلاف على إقصاء الأحزاب العربية ومنعها من تمثيل فلسطينيي 1948 في الكنيست.
في المقابل، كشف المحلل محمد مجادلة في القناة 12 -يوم 25 يونيو/حزيران- خطة آيزنكوت للمجتمع العربي، وتتضمن "كابينت" حكوميا لمكافحة الجريمة، وتقوية الشرطة والنيابة والمحاكم، وتوسيع الخدمة المدنية بالتنسيق مع القيادة العربية لا بفرضها.
وتتسع الفجوة عند غولان، الذي قال في 27 سبتمبر/أيلول عبر إذاعة "كان"، ونقلت القناة 12 تصريحاته، إن المواطنين العرب يستحقون تمثيلا في الحكم، وإن مشاركة حزب عربي في الحكومة أمر "طبيعي وديمقراطي".
وهنا يصبح الفارق مباشرا: مسار سموتريتش وبن غفير يتجه إلى مزيد من "الأمننة" والصراع على الأرض والهوية، بينما تتجه أجزاء من المعارضة إلى إدماج سياسي ومدني أكبر، وإن بقيت داخلها قيود واضحة، فآيزنكوت أعلن في 26 سبتمبر/أيلول أن راعم لن تكون -وفق شروطه الحالية- جزءا من حكومته.
ما بعد الاقتراع
ولا تسمح الاستطلاعات الحالية بتقرير أي من المسارين سيتحقق، فاستطلاع القناة 12 المنشور في 22 سبتمبر/أيلول أبقى "يشار" أكبر الأحزاب بـ23 مقعدا من دون حسم واضح للكتل، بينما أعطى استطلاع القناة 14 في 17 سبتمبر/أيلول معسكر اليمين 64 مقعدا، وهو فارق كبير يعكس أثر جهة الاستطلاع أكثر مما يسمح بتوقع يقيني للنتيجة.
لذلك، فإن الانتخابات لا تعرض على الفلسطيني خيارا بسيطا بين الحرب والسلام، ففي غزة يتعلق الفارق بالبقاء والإعمار مقابل الضم والهجرة، وفي الضفة بسرعة تحويل الاستيطان إلى سيادة، وفي القدس بمستوى تغيير الوضع القائم، وفي الداخل بالفارق بين "الأمننة" والإدماج المدني والسياسي.
حتى المعارضة تحتفظ بمواقف أمنية واستيطانية متشددة، لكن جناحها الأقل يمينية يضع حدودا أوضح أمام الضم والتهجير وتفكيك السلطة.
وهنا يصبح مصير الفلسطيني أحد النتائج الملموسة لصراع انتخابي يخوضه الإسرائيليون، بينما تقع آثاره الجغرافية والأمنية والديمغرافية خارج صناديق اقتراعهم.