في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لا تعد الجغرافيا مسرحا للأحداث فحسب، بل هي المؤلف الخفي الذي يعيد كتابة التاريخ. وفي العلاقات الدولية لا توجد فراغات جغرافية، بل نقاط تختزن من القوة ما يفوق مساحتها بأضعاف، ولا تبوح الجغرافيا بأسرارها إلا في أوقات الأزمات. ويجسد مضيق هرمز هذه المفارقة في أوضح صورها؛ فما إن اشتعل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران حتى تحول من طريق تخوضه ناقلات النفط في صمت إلى بوابة تحبس أنفاس الأسواق العالمية، ومن معبر للتجارة إلى مسرح لإعادة توزيع القوة والثروة والنفوذ.

في لحظة مفصلية انكشفت هشاشة نظام الطاقة العالمي، وبات ممر واحد قادرا على تغيير إيقاع الحياة في قارات بأكملها، مع بحث عن خريطة جديدة لنقل الطاقة. فمع استهداف إيران للسفن في المضيق والحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، توقفت (أو تقلصت بشدة) خمس تجارة النفط والغاز المسال في العالم التي كانت تمر بالمضيق قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي.

"لم يحبس المضيق النفط وحده، بل احتجز معه حلقات كاملة من دورة الحياة الاقتصادية"

لم يحبس المضيق النفط وحده، بل احتجز معه حلقات كاملة من دورة الحياة الاقتصادية، ووجد العالم نفسه فجأة يعاني من شح الأسمدة النيتروجينية التي تصنع من الغاز ويعتمد عليها إنتاج ما يقرب من نصف الغذاء العالمي، وظل نصف مخزون الكبريت العالمي حبيس الموانئ، مما أوقع كلا من الدول المصدرة والمستوردة في ورطة كبيرة، بل حتى الدول التي لا علاقة لها بالمضيق تأثرت بالأسعار العالمية التي قفزت كما تشتعل النار حين يشتد هبوب الرياح، واضطربت النشاطات الاقتصادية في أنحاء الأرض تبعا لذلك.

قصص مقترحة

list of 3 items
* list 1 of 3 حصار مضيق هرمز وأزمة الطاقة العالمية
* list 2 of 3 أزمة مضيق هرمز تلقي بظلالها على مضيق ملقا
* list 3 of 3 هل يحق لإيران إغلاق مضيق هرمز؟ end of list

رحلة البحث عن شرايين جديدة

على إثر ذلك، انطلقت دول العالم في سباق مع الزمن تبحث عن طرق لتصدير النفط لا تمر بالمضيق المختنق، فأخرجت الرياض من ذاكرة الجغرافيا مشروعا ظل مدخرا لعقود في انتظار مثل هذه اللحظة وإن عمل قبله دون طاقته الكاملة. وبدأت المملكة تشغيل خط أنابيب "شرق-غرب" بكامل طاقته لنقل النفط من حقول المنطقة الشرقية وحتى ميناء ينبع على الساحل الغربي بعيدا عن الخليج، وغيرت الناقلات الضخمة بوصلتها من شرق المملكة إلى غربها، قبل أن تتعطل من جديد مؤخرا إثر هجمات على الخط نُسبت إلى فصائل مسلحة عراقية.

إعلان

يتألف "شرق-غرب" من خطين، وكان ينقل فعليا حوالي 2-3 ملايين برميل يوميا، لكن في مارس/آذار 2026، أعلنت شركة أرامكو السعودية تشغيل الخط بالسعة القصوى وصولا إلى 7 ملايين يوميا. وسرعان ما تدفقت هذه الكميات اليومية إلى الساحل الغربي للمملكة، وخصصت خمسة ملايين منها إلى الأسواق العالمية، فيما تذهب الكمية المتبقية للمصافي المحلية.

ولعل أكثر ما يلفت النظر في قصة هذا الخط أنه خرج إلى الوجود أثناء الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، حين دفعت أجواء الحرب إلى البحث عن منفذ يتجاوز مضيق هرمز. وبعد نحو أربعة عقود، أعاد التاريخ استدعاء المشروع إلى الدور نفسه، فما بدا قبل ذلك خيارا احتياطيا أصبح في لحظة واحدة ضرورة عالمية؛ فقد وفرت إعادة تشغيل الخط بديلا كانت الأسواق أحوج ما تكون إليه.

مصدر الصورة خط أنابيب شرق غرب وفر بديلا حيويا لأسواق متعطشة للطاقة ( الجزيرة)

من شأن هذه التطورات أن تعزز الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر، ولكنها تكشف في الوقت نفسه هشاشة هذا البديل خاصة مع وصول الاضطرابات عند مدخله الجنوبي، مضيق باب المندب. وإذا بقيت قناة السويس مفتوحة، فإن الخام الذي يصل إلى شمال البحر الأحمر يستطيع العبور إلى البحر المتوسط والأسواق الأوروبية، ومواصلة الرحلة عبر الطرق البحرية العالمية. لكن إغلاق باب المندب ولو جزئيا سيعزل عمليا صادرات ميناء ينبع عن المسار المؤدي إلى المحيط الهندي والأسواق الآسيوية؛ إذ إن عبور باب المندب يظل ضروريا للسفن الخارجة من البحر الأحمر جنوبا. أما طريق رأس الرجاء الصالح، فهو بديل متاح للسفن المنطلقة من المتوسط والأطلسي أو المتجهة إليهما، لكنه أطول كثيرا وأعلى كلفة ويزيد زمن التسليم.

وفي هذه المنظومة، يكتسب خط "سوميد" المصري أهمية إضافية. فالخط، الذي يربط العين السخنة على خليج السويس بميناء سيدي كرير على ساحل المتوسط قرب الإسكندرية، نقل في مارس/آذار نحو 2.5 مليون برميل يوميا، أي طاقته القصوى المعلنة، ارتفاعا من نحو مليون برميل يوميا في فبراير/شباط قبل الحرب. وهو ليس بديلا مباشرا لمضيق هرمز، بل حلقة لوجستية مكملة تسمح بنقل الخام بين البحر الأحمر والمتوسط، وتوفر بديلا أنبوبيا لعبور ناقلات الخام عبر قناة السويس. وتخضع شركة "سوميد" لملكية عربية مشتركة: 50% للهيئة المصرية العامة للبترول، و15% لأرامكو السعودية، و15% لجهات كويتية، و15% لمبادلة الإماراتية، و5% لقطر للطاقة.

وفي الإمارات، يوفر خط أنابيب أبوظبي للخام منفذا آخر يلتف على مضيق هرمز. ويمتد الخط لنحو 400 كيلومتر من منشآت حبشان البرية إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، وتبلغ طاقته نحو 1.5 – 1.8 ملايين برميل يوميا. وهكذا توفر هذه الخطوط البديلة مسارا جزئيا لنقل الطاقة في أفضل الأحوال ولا تلغي اعتماد الأسواق على هرمز. ففي 2025 مرّ عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط، بينما لا تتجاوز الطاقة البديلة المتاحة (الإضافية) عبر خطوط السعودية والإمارات نطاق 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يوميا.

يستطيع ميناء الفجيرة، المطل على خليج عُمان خارج مضيق هرمز، تخزين ما يقارب 70 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية، ما يمنحه مرونة كبيرة في إدارة الإمدادات وعمليات التحميل والتزويد بالوقود. لكن موقع الفجيرة خارج حوض الخليج لم يجعله بمنأى عن الحرب. ففي مارس/آذار، أدت هجمات بمسيّرات إلى حرائق وتعليق مؤقت لعمليات تحميل النفط في أكثر من مناسبة؛ ثم استؤنفت بعض عمليات التحميل، وإن بقيت القدرة التشغيلية متأثرة في بعض الفترات.

إعلان

ولتعزيز منفذها الشرقي، تُسرع أدنوك تنفيذ خط "غرب–شرق 1" لنقل الخام، المتوقع تشغيله في 2027. وتبلغ طاقته نحو 1.5 مليون برميل يوميا، ومن شأنه، إلى جانب خط "حبشان – الفجيرة" القائم، رفع طاقة خطوط تصدير الخام إلى ساحل خليج عُمان إلى نحو 3.3 ملايين برميل يوميا، وهكذا يمكن أن تقترب قدرة التصدير عبر الفجيرة من 4 ملايين برميل يوميا عند احتساب طاقة التخزين والمحطات.

وفي العراق، كشفت الأزمة هشاشة الاعتماد شبه الكامل على الصادرات البحرية عبر الخليج ومضيق هرمز. وقال وزير النفط العراقي إن البلاد صدرت نحو 10 ملايين برميل عبر المضيق في أبريل/نيسان، مقابل نحو 93 مليون برميل شهريا قبل الحرب. ورغم إعلان إيران السماح بعبور ناقلات النفط العراقية، ظلت الصادرات مقيدة بمخاطر الملاحة وإغلاق الممر فعليا وتراكم الخام في الخزانات.

في مواجهة اختناق الصادرات عبر المضيق، فعل العراق بدائل محدودة السعة. ففي الشمال، واصل تصدير النفط عبر خط كركوك–جيهان الذي ينتهي عند الساحل التركي على البحر المتوسط. وفي مطلع أبريل/نيسان، بدأ العراق للمرة الأولى منذ سنوات نقل زيت الوقود بالصهاريج عبر الأراضي السورية إلى خزانات مصفاة بانياس على البحر المتوسط. وجرى تحميل أول شحنة لإعادة التصدير بحرا من ميناء بانياس في منتصف الشهر، في خطوة هدفت إلى تخفيف تراكم المخزونات العراقية وفتح منفذ طوارئ بعيدا عن الخليج.

وينص الترتيب على أن تستخدم سوريا جزءا من الوقود العراقي لتغطية احتياجات محطات الكهرباء، بينما يُصدّر الفائض عبر الناقلات من بانياس إلى الأسواق الخارجية. إلا أن هذا المسار، المعتمد على الشاحنات، يظل محدودا مقارنة بحجم الصادرات البحرية العراقية المعتادة، ولا يصلح بديلا دائما لتدفقات النفط عبر الخليج ومضيق هرمز.

"مع استمرار الأزمة، عاد الحديث عن تنويع منافذ العراق التصديرية عبر تركيا وسوريا"

ومع استمرار الأزمة، عاد الحديث عن تنويع منافذ العراق التصديرية عبر تركيا وسوريا، بما في ذلك إنشاء خطوط جديدة تصل حقول الجنوب بمرافئ المتوسط، أو تطوير ممرات تربط العراق بجيهان وبانياس. غير أن هذه المشاريع ما زالت في نطاق البحث والتفاوض، وتتطلب استثمارات ضخمة وترتيبات أمنية وسياسية عابرة للحدود.

مصدر الصورة خط نقل النفط من كركوك في العراق إلى بانياس السورية (الجزيرة)

وفي أقصى جنوب الخليج، منحت موانئ عُمان المطلة على خليج عُمان السلطنة ميزة جغرافية نسبية في مواجهة الأزمة؛ إذ لا تتطلب صادراتها النفطية عبور مضيق هرمز للوصول إلى المحيط الهندي. ولهذا بدت مسقط أقل تعرضا من الدول التي تعتمد صادراتها البحرية بصورة مباشرة على المضيق، واستفادت جزئيا من ارتفاع الأسعار العالمية ومن قدرتها على إبقاء جزء كبير من تدفقاتها النفطية قائما.

لكن هذه الميزة لم تعنِ أن عُمان بقيت بمنأى عن تداعيات الحرب. فقد ظلت عمليات التحميل والشحن والتأمين عرضة لمخاطر الهجمات البحرية والاضطرابات الأمنية. أما إيران، فوجدت نفسها في وضع أكثر تعقيدا. فمنذ عام 2021، راهنت طهران على محطة جاسك الواقعة على خليج عُمان، وعلى خط أنابيب "جوره–جاسك"، لتوفير منفذ لتصدير الخام بعيدا عن مضيق هرمز. وتبلغ الطاقة المعلنة للخط نحو مليون برميل يوميا، وكان يفترض أن يسمح بنقل الخام من مناطق الإنتاج الداخلية إلى الساحل الجنوبي الإيراني، حيث يمكن تحميله على ناقلات متجهة إلى الأسواق الآسيوية.

غير أن هذا البديل لم يتحول إلى قناة تصدير مستقرة. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، ظل "خط جوره – جاسك" ومحطة التصدير المرتبطة به خارج التشغيل التجاري الفعلي، ولم تسجل سوى تحميلات اختبارية في أواخر عام 2024، من دون أن تتبعها صادرات منتظمة. وبذلك، دخلت الأزمة من دون منفذ بديل جاهز يستطيع تعويض الاعتماد على المرافئ الواقعة داخل الخليج.

"مع تعطل التحميلات البحرية، بدأت مشكلة التخزين تتحول إلى قيد مباشر على الإنتاج بسبب امتلاء الخزانات"

ومع تعطل التحميلات البحرية، بدأت مشكلة التخزين تتحول إلى قيد مباشر على الإنتاج بسبب امتلاء الخزانات، وتعذر تصريف الخام، ما اضطر المشغلون إلى خفض الإنتاج أو إغلاق آبار بعينها. وأمام هذا الاختناق، طُرحت في إيران أفكار لنقل بعض النفط أو المنتجات النفطية إلى الصين عبر آسيا الوسطى، بما في ذلك تطوير خطوط سكك حديدية وربطها بممرات برية نحو الشرق. لكن هذه الخيارات لا تشكل بديلاً عملياً لصادرات الخام البحرية في المدى القريب، إذ لا توجد بنية تحتية مكتملة تسمح بنقل النفط الإيراني إلى الصين بكميات تنافس التدفقات البحرية، كما أن عبور عدة حدود وبلدان يزيد الكلفة والتعقيد والمخاطر السياسية.

إعلان

ويكشف الفرق في السعة حجم الفجوة بين الخيارين. فالناقلة العملاقة تستطيع حمل نحو مليوني برميل من الخام في رحلة واحدة، بينما ينقل قطار نفطي مؤلف من مئة عربة كمية أدنى بكثير، في حدود عشرات آلاف البراميل عادة. وهذا يعني أن استبدال حمولة ناقلة عملاقة يتطلب عشرات القطارات، وقد يتجاوز المئة بحسب سعة العربات وتكوين القطار. لذلك قد يؤدي النقل بالسكك دورا محدودا في تصريف منتجات أو كميات صغيرة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الناقلات في تصدير النفط.

بالنسبة للسواحل الإيرانية الشمالية فإنها تطل على بحر قزوين، وهو مسطح مائي مغلق تطل عليه دول كلها مصدرة للنفط مثل روسيا وكازاخستان، ولا توجد لدى إيران أنابيب ولا بنية تحتية مجهزة لتصدير الطاقة منه. كما أن سواحل قزوين بعيدة عن حقولها النفطية في الخليج ما يجعل هذا الخيار محدود التأثير. وهكذا، تكشف التجربة أن تجاوز هرمز لا يعتمد على وجود خط أنابيب أو ميناء بديل على الخريطة فقط؛ بل يتطلب قدرة تشغيلية فعلية، وخزانات كافية، ومحطات تحميل مؤمنة، وحرية ملاحة على الساحل المفتوح. ومن دون هذه العناصر، يتحول البديل من مشروع إستراتيجي إلى أصل غير قادر على العمل عندما تقع الأزمة التي أُنشئ من أجلها.

"تجاوز هرمز لا يعتمد على وجود خط أنابيب أو ميناء بديل فقط؛ بل يتطلب قدرة تشغيلية، وخزانات كافية، ومحطات تحميل مؤمنة، وحرية ملاحة"

تتجلى المشكلة بصورة أشد عند الحديث عن الغاز الطبيعي المسال، إذ لا يمكن إيجاد طرق بديلة لتصديره بالسهولة النسبية نفسها المتاحة للنفط. فهذه التجارة تعتمد على سلسلة بنية تحتية معقدة ومترابطة: منشآت لتسييل الغاز، وخزانات، وأرصفة تحميل، وناقلات متخصصة، ثم محطات لاستقباله وإعادة تحويله إلى غاز في الدول المستوردة.

وفي عام 2025، مرّ عبر مضيق هرمز ما يزيد قليلا على 112 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، بما يعادل نحو خمس تجارة الغاز المسال العالمية. وتعد قطر ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، إذ تجاوزت صادراتها 112 مليار متر مكعب في ذلك العام، فيما صدرت الإمارات نحو 7 مليارات متر مكعب.

في المعتاد، تمر كل صادرات قطر والإمارات البحرية من الغاز الطبيعي المسال عبر هرمز؛ إذ تعبر المضيق نحو 93% من صادرات قطر و96% من صادرات الإمارات. وهذا الاعتماد يجعل أي تعطل طويل للمضيق قادرا على حجب قرابة خُمس إمدادات الغاز المسال المتداولة عالميا من السوق في وقت قصير. وتمتلك الدوحة منفذا عبر خط دولفين، الذي ينقل الغاز بالأنابيب إلى الإمارات وعُمان، وقد نقل نحو 20.5 مليار متر مكعب في 2025. لكن هذا الخط لا يوفر بديلا لتصدير الغاز المسال إلى الأسواق العالمية.

"اضطراب هرمز لا يهدد إمدادات منطقة الخليج وحدها، بل يخلق صدمة عالمية في سوق الغاز"

ولهذا فإن اضطراب هرمز لا يهدد إمدادات منطقة الخليج وحدها، بل يخلق صدمة عالمية في سوق الغاز. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن انقطاع الغاز الطبيعي المسال العابر للمضيق قد يخفض الإمدادات العالمية بأكثر من 300 مليون متر مكعب يوميا، وهي كمية تعادل نحو ضعفي متوسط ما مر عبر خط أنابيب "نورد ستريم" عام 2021. وتعد الأسواق الآسيوية الأكثر تعرضا، ولا سيما بنغلاديش والهند وباكستان، التي اعتمدت على الغاز المسال المار عبر هرمز في نحو ثلثي وارداتها خلال عام 2025.

نحو بحار أقل اضطرابا

في ضوء تداعيات الحرب على منظومة تصدير الطاقة في الخليج، برزت مجموعة من المستفيدين من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار. وفي مقدمتهم أفريقيا، التي اكتسبت أهمية أكبر لدى مستثمري النفط والغاز والباحثين عن مصادر بديلة للغاز المسال. وتتوقع تقديرات استثمارية أن تمثل القارة نحو 40% من آبار الاستكشاف العالمية عالية التأثير التي تُحفر خلال عام 2026، مدفوعة بالاكتشافات البحرية في ناميبيا وتنزانيا، والإصلاحات التنظيمية في نيجيريا وأنغولا، وعودة نشاط مشروعات الغاز المسال في دول مثل موزمبيق.

وبين مارس/آذار ويونيو/حزيران، ارتفع إنتاج الغاز الطبيعي المسال من خارج منطقة الخليج بنحو 27 مليار متر مكعب، أو قرابة 18% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وعوضت هذه الزيادة، القادمة من مشروعات جديدة في أمريكا الشمالية وأفريقيا ومن تحسن إتاحة الغاز في منشآت قائمة، حصة من الانخفاض البالغ 35 مليار متر مكعب في تحميلات قطر والإمارات.

إعلان

ومع ذلك، لم يكن التعويض كاملا؛ إذ انخفض إنتاج الغاز المسال العالمي خلال الأشهر الأربعة بنسبة 4%، أي بنحو 8 مليارات متر مكعب. لذلك، لم تنتقل قيادة سوق الغاز المسال من الخليج إلى مناطق أخرى بصورة دائمة، لكن الأزمة عززت مؤقتا الوزن النسبي للمنتجين خارج الخليج، وكشفت القيمة الإستراتيجية للطاقة التصديرية غير المرتبطة بمضيق هرمز في أزمنة الاضطراب. وقد يبقى هذا التحول مؤثرا في قرارات الاستثمار والعقود طويلة الأجل، لكنه لن يحل محل أسواق الطاقة الخليجية الأكثر نضجا واستدامة.

"حققت الولايات المتحدة مكاسب ملموسة في سوق المنتجات النفطية المكررة"

وحققت الولايات المتحدة مكاسب ملموسة في سوق المنتجات النفطية المكررة. فمع تعطل تدفقات النفط والوقود عبر هرمز، بحث المشترون عن بدائل، الأمر الذي رفع هوامش التكرير الأمريكية ودفع المصافي إلى العمل بمعدلات مرتفعة. وفي الربع الثاني من 2026، بلغت صادرات المنتجات الوسطى المقطرة الأمريكية، مثل الديزل وزيت التدفئة، 1.56 مليون برميل يوميا، بزيادة 30% عن متوسط الأعوام الخمسة السابقة. كما بلغت صادرات وقود الطائرات 356 ألف برميل يوميا، أي أكثر من ضعفي المتوسط، مع ارتفاع ملحوظ في الشحنات المتجهة إلى أوروبا. وعلى مستوى الغاز المسال، عملت منشآت التسييل الأمريكية قرب طاقتها القصوى، مستفيدة من ارتفاع الأسعار وتقلص الإمدادات القادمة من منطقة الخليج.

القوى الآسيوية المتعطشة للطاقة

رغم ارتفاع الأسعار عالميا، بدت آسيا الأكثر تعرضا لصدمة اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، بحكم اعتمادها الكبير على واردات الطاقة وبحكم ثقلها في الاقتصاد وسلاسل الإنتاج العالمية. وتسهم المنطقة بأكثر من 60% من النمو العالمي، وتمثل أكثر من نصف الناتج الصناعي العالمي؛ لذلك تنتقل صدمة الطاقة فيها سريعاً إلى سلاسل التوريد والأسعار الدولية.

وتُعد الأسواق الآسيوية الوجهة الرئيسية للغاز الطبيعي المسال المار عبر المضيق. ففي عام 2025، اتجه نحو 90% من إجمالي الكميات المصدرة عبر هرمز إلى آسيا، مقابل ما يزيد قليلا على 10% إلى أوروبا. وبذلك مثل الغاز المسال الواصل عبر المضيق نحو 27% من إجمالي واردات آسيا من الغاز المسال، مقابل نحو 7% فقط من تدفقات الغاز المسال إلى أوروبا.

واتجه الاهتمام بصورة خاصة إلى الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم. إذ يمر عبر هرمز ما يقدر بنحو 45–50% من وارداتها النفطية، فيما تمثل الإمدادات المرتبطة بالمضيق قرابة 30% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال. وقد ساعدتها مخزونات نفطية ضخمة، لا تعلن بكين حجمها الرسمي، لكن التقديرات تضعها عند 1.2 – 1.4 مليار برميل؛ وهو ما منحها هامشا أكبر للتعامل مع اضطراب الإمدادات.

مصدر الصورة العالم خسر نحو 36 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط منذ بداية العام (رويترز)

عندما ارتفعت الأسعار، قللت الصين من وارداتها، مما قلص من صدمة انقطاع الإمدادات. ولكن بكين شددت القيود على تصدير المنتجات المكررة، مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات، لضمان إمداد السوق المحلية وهو ما ضيق إمدادات الديزل ووقود الطائرات في الأسواق الآسيوية الأخرى التي بدت أكثر تأثرا. فقد اعتمدت اليابان على الشرق الأوسط في نحو 94–95% من وارداتها النفطية، والفلبين في نحو 96%، وفيتنام في 87%، وكوريا الجنوبية في قرابة 69% تقريبا. وتظل اليابان وكوريا الجنوبية أقدر نسبيا على امتصاص الصدمة بفضل مخزونات كبيرة وقدرة مالية أعلى، بينما تواجه الاقتصادات الأفقر والأكثر اعتمادا على السوق الفورية صعوبة أكبر في تأمين الشحنات.

مثلا، واجهت الاقتصادات النامية في سريلانكا ولاوس وكمبوديا، صعوبات في تأمين الوقود، وعجزت دول شبه القارة الهندية ذات الكثافة السكانية العالية عن تخطي الأزمة. ففي العام الماضي استوردت بنغلاديش والهند وباكستان ما يقرب من ثلثي إجمالي إمداداتها من الغاز الطبيعي المسال عبر هرمز، مما جعلها عرضة بشكل خاص للتأثر الكبير باضطرابات تدفقات العبور.

وبرغم سماح إيران للعديد من سفن باكستان والهند ودول أخرى بالمرور عبر المضيق، فإن ارتفاع الأسعار شكل ضغطا هائلا على الميزانيات، إذ وصل سعر البرميل إلى أعلى مستوى له عند 118 دولارا في 29 أبريل/نيسان، وانخفض إلى أدنى مستوى له عند 72 دولارا للبرميل في 26 يونيو/حزيران. وقد أعلنت الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم وثاني أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال، أنها استخلصت العبر وبدأت في تكثيف التنقيب عن النفط والغاز، لأنها تستورد 90% من احتياجاتها النفطية من الخارج، ثم وجهت محطات توليد الطاقة بالفحم للعمل بكامل طاقتها، كما لجأت لتعزيز خطط الاعتماد على الطاقة النووية.

في خضم هذه الأزمة، وجدت روسيا نفسها تجني ثمارا لم تزرعها، فانتعشت خزينتها بسبب ارتفاع الأسعار، كما منحت واشنطن إعفاءات للنفط الروسي ومن ثم أضعفت تأثير العقوبات، مما أسهم في تمويل آلة الحرب الروسية في أوكرانيا. لكن كييف لم تترك موسكو تهنأ طويلا بهذا الوضع، إذ شنت قصفا مستمرا على المصافي الروسية، مما أدى إلى نقص حاد في الوقود وارتفاع للأسعار داخل روسيا. وقد حظرت موسكو صادرات الديزل بسبب نقص المعروض في السوق المحلي، وهي أكبر مصدر لزيت الوقود وثاني أكبر مصدر للديزل في العالم.

ما بعد هرمز.. عالم مختلف

أدى التوتر في مضيق هرمز إلى إيقاظ مخاوف إستراتيجية للقوى الكبرى التي باتت تخشى من تكرار السيناريو في أماكن أخرى، مثل مضيق ملقا، إذ ألمح وزير المالية الإندونيسي، بوربايا يودهي ساديوا، إلى إمكانية فرض رسوم على عبور المضيق، لكنه سرعان ما تراجع عن موقفه.

كما أبرزت الاضطرابات في الشرق الأوسط مخاطر الاعتماد الشديد على سلاسل توريد النفط والغاز الهشة، وكان لذلك أثران متناقضان؛ هما تسريع وتيرة مشروعات مصادر الطاقة المتجددة مثل طاقة الرياح، وفي الوقت ذاته اللجوء إلى الوقود الأحفوري مثل الفحم في محاولة عاجلة لإنقاذ الموقف بغض النظر عن آثاره السلبية على البيئة.

"أبرزت الاضطرابات في الشرق الأوسط مخاطر الاعتماد الشديد على سلاسل توريد النفط والغاز الهشة"

ففي الصين، على سبيل المثال، تعهدت أعلى هيئة تنظيمية للطاقة بتسريع تطوير صناعة الهيدروجين لديها والاستفادة من مدخلات أرخص، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية المحلية، وأُطلِقَت خطة في يونيو/حزيران لتزويد الشاحنات بالكهرباء بهدف جعل بعض الطرق السريعة المزدحمة تعمل بالكهرباء بنسبة 80% بحلول عام 2030.

كما يُعَد مشروع شبكة الطاقة التابعة لرابطة "آسيان"، التي تضم 11 دولة في جنوب وشرق آسيا، والمدعومة من بنك التنمية الآسيوي، إحدى أكثر مبادرات التكامل الإقليمي للطاقة طموحا في العالم، ومن شأنها تسريع نشر الطاقة المتجددة. وقد وفَّر التوسع السريع الذي شهدته فيتنام مثلا في توليد الطاقة الشمسية خلال السنوات الأخيرة هامش أمان لها أثناء الأزمة، مما يدل على أن الدول التي سارعت إلى تبني مصادر الطاقة المتجددة امتلكت هوامش أمان أعلى من غيرها.

وهكذا لم تعد الأزمة مجرد اختبار عابر لقدرة الدول على تأمين شحنات النفط والغاز، بل تحولت إلى لحظة مهمة في رسم خريطة الطاقة العالمية. فكلما طال أمدها، ازدادت احتمالات تحوّل إجراءات الطوارئ إلى سياسات دائمة: تنويع الموردين والمسارات، وتوسيع الاحتياطيات الإستراتيجية، وتسريع الربط الكهربائي الإقليمي، والاستثمار في الطاقة المتجددة والنووية. وفي هذا المعنى، لا تقاس تداعيات الأزمة بارتفاع الأسعار أو نقص الإمدادات الآنية فحسب، بل بقدرتها على التمييز بين الدول القادرة على استيعاب التحول، وتلك التي تظل رهينة الممرات البحرية والأسواق الفورية.