في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أكدت المحكمة الجنائية الدولية أنها اتخذت إجراءات لتحصين عملها من تداعيات العقوبات الأميركية، في وقت يستمر فيه التوتر بينها وبين إدارة الرئيس دونالد ترامب على خلفية تحقيقات وملاحقات تطال مسؤولين إسرائيليين وأميركيين.
وقالت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان، إن المحكمة اتخذت سلسلة إجراءات لحماية عملياتها من تداعيات أي عقوبات أميركية جديدة قد تستهدف المؤسسة بأكملها.
كما أكدت في مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز"، اليوم الجمعة أن الاستعدادات لذلك مستمرة منذ نحو عام.
كذلك أردفت"يجب أن يسود القانون على القوة"، لافتة إلى أن المحكمة لا تنتظر حتى تفرض العقوبات للتحرك. وقالت خان التي تشارك حالياً في إدارة مكتب الادعاء بالمحكمة إن المؤسسة وضعت بالفعل "حواجز حماية" للحد من آثار العقوبات المحتملة، بعدما أفادت تقارير هذا الأسبوع بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب تستعد لفرض إجراءات على المحكمة بأكملها. وأوضحت أن المحكمة سمعت "شائعات" بشأن عقوبات وشيكة، لكنها لم تتلق حتى الآن أي إخطار رسمي بإجراءات أميركية جديدة.
أتت تلك التصريحات بعد أشهر من استعدادات داخل المحكمة التي تتخذ من لاهاي مقراً لها لمواجهة احتمال توسيع واشنطن نطاق العقوبات من مسؤولين وأفراد إلى إجراءات يمكن أن تمس قدرة المحكمة نفسها على استخدام الخدمات المالية والتكنولوجية الدولية. حيث بدأ موظفي المحكمة اتخاذ تدابير احتياطية، من بينها تنزيل وطباعة ملفات مهمة، بينما درست الإدارة تقليل اعتمادها على مزودي خدمات تكنولوجية أميركيين، إلى جانب مراجعة ترتيباتها المصرفية والتأمين والسفر والعمل عن بعد.
وخلال العام الماضي، أعادت المحكمة النظر في عدد من أنظمتها التقنية، وبدأت نقل برامج العمل المكتبي من خدمات "مايكروسوفت" الأميركية إلى منصة openDesk الألمانية، في محاولة لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأميركية، وفق "فايننشال تايمز".
لا سيما أم موظفيها كانوا أُبلغوا العام الماضي بأن أكثر من 90% من عملياتها تعتمد، في ذلك الوقت، على أنظمة تكنولوجية أميركية.
كما وضعت المحكمة ترتيبات بديلة للتعامل مع الخدمات المصرفية والتأمين الصحي، لكنها رفضت الكشف عن تفاصيلها حتى لا تفقد تلك الإجراءات فعاليتها.
هذا ولم تتوقف الاحتياطات عند هذا الحد، إذ دفعت المحكمة رواتب موظفين لأشهر مقدماً، بهدف الحد من تأثير أي اضطراب محتمل في عمليات دفع الرواتب إذا امتدت العقوبات إلى المؤسسة نفسها.
وكان ترامب أصدر في فبراير (شباط) 2025، أمراً تنفيذياً يتيح فرض عقوبات على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية، متهماً المحكمة باتخاذ إجراءات "غير مشروعة" ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
فيما شمل الأمر تجميد الممتلكات والمصالح المالية الخاضعة للولاية الأميركية لأشخاص مدرجين بموجبه. كما أتاح استهداف أجانب ترى واشنطن أنهم شاركوا مباشرة في جهود المحكمة للتحقيق مع مواطنين أميركيين أو من دول حليفة غير موافقة على اختصاص المحكمة، أو قدموا دعماً مادياً أو تقنياً لتلك الجهود، بحسب البيت الأبيض الأميركي.
وتصاعد الخلاف بعدما أصدرت المحكمة في نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب في غزة.
في حين رفض نتنياهو وإسرائيل الاتهامات واختصاص المحكمة، كما رفضت واشنطن أيضا اختصاصها على مواطني الولايات المتحدة وإسرائيل، وهما ليستا طرفين في نظام روما الأساسي.
ولم تقتصر الإجراءات الأميركية على التهديدات. فقد فرضت واشنطن عقوبات على مسؤولين في المحكمة، بينها عقوبات على أربعة من قضاتها، شملت تجميد أصول خاضعة للولاية الأميركية وقيوداً على التعاملات معهم. وقالت إدارة ترامب إن الخطوات جاءت رداً على تحركات المحكمة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما رفضت المحكمة هذه الإجراءات وتمسكت باستقلالها.
وتكمن حساسية العقوبات الأميركية في أن تأثيرها قد يتجاوز تجميد أصول مسؤول بعينه. فالمؤسسات المالية والتكنولوجية العالمية تعتمد بدرجات متفاوتة على النظام المالي الأميركي وشركات أميركية، ما قد يدفع بعضها إلى تجنب التعامل مع جهة خاضعة للعقوبات خشية الوقوع تحت طائلة القيود الأميركية.
لهذا بدأت المحكمة منذ فترة إعداد خطط بديلة. وبحسب "فايننشال تايمز"، شملت التحضيرات البحث عن بدائل لمزودي التكنولوجيا الأميركيين، ولا سيما مع اعتماد المحكمة الكبير على خدمات "مايكروسوفت"، فضلاً عن دراسة كيفية استمرار الخدمات المصرفية والتأمين والسفر في حال تشديد الإجراءات.
وهنا تكتسب تصريحات نائبة المدعي العام أهميتها، إذ تشير إلى أن المحكمة ترى أنها أصبحت أكثر قدرة على امتصاص تداعيات أي إجراءات إضافية.
وقالت خان إن بعض مسؤولي المحكمة الذين طالتهم العقوبات واجهوا بالفعل ما وصفته ب"الإفراط في الامتثال"، إذ فرضت بعض المؤسسات قيوداً عليهم تتجاوز المتطلبات المباشرة للعقوبات، ما اضطرهم إلى إيجاد طرق بديلة لمواصلة حياتهم وتعاملاتهم.
وكانت خان نفسها قد تعرضت لعقوبات أميركية العام الماضي، بحسب "فايننشال تايمز".
ويعيد الصدام الحالي إلى الأذهان ولاية ترامب الأولى، عندما فرضت واشنطن عقوبات على المدعية العامة السابقة فاتو بنسودا ومسؤول آخر في مكتب الادعاء على خلفية التحقيق في أفغانستان. وألغت إدارة جو بايدن تلك العقوبات في أبريل 2021، رغم استمرار اعتراض واشنطن على بعض تحركات المحكمة.
أما في ولاية ترامب الحالية، فعادت سياسة العقوبات بصورة أوسع، فيما تتمسك المحكمة بأن عملها يستند إلى نظام روما الأساسي وأن الضغوط الخارجية لن توقف تحقيقاتها.
وبذلك انتقل الخلاف بين واشنطن والمحكمة من مواجهة قانونية وسياسية بشأن حدود اختصاصها إلى اختبار عملي لقدرتها على مواصلة عملياتها المالية والتكنولوجية في مواجهة واحدة من أقوى أدوات الضغط الأميركية وهي العقوبات.
المصدر:
العربيّة