آخر الأخبار

من فاتورة إلى دخل.. هل تحول الطاقة الشمسية الأسر العربية إلى منتجين للكهرباء؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تكشف الألواح الشمسية التي بدأت تنتشر فوق أسطح المنازل في عدد من الدول العربية عن تحول يتجاوز مجرد خفض فاتورة الكهرباء، إذ تفتح الباب أمام نموذج تصبح فيه الأسرة منتجة للطاقة وقادرة على ضخ فائض إنتاجها إلى الشبكة، بدلا من اقتصار دورها على الاستهلاك.

ولا يرتبط هذا التحول بالاعتبارات البيئية وحدها، بل بمعادلة اقتصادية تقوم على تحويل أسطح المنازل إلى أصول منتجة، في وقت تبحث فيه الدول عن مصادر إضافية للكهرباء، وخفض كلفة الطاقة، وزيادة حصة المصادر المتجددة في مزيجها الكهربائي.

قصص مقترحة

list of 3 items
* list 1 of 3 ارتفاع الحرارة ومحدودية الكهرباء يدفعان الموريتانيين للاعتماد على الطاقة الشمسية
* list 2 of 3 الكهرباء أولا.. كيف دفعت الانقطاعات التونسيين نحو حلول فردية؟
* list 3 of 3 هل تنقذ الطاقة الشمسية العراقيين من أزمة الكهرباء؟ end of list

وتبرز قطر وعُمان والإمارات والبحرين ضمن الدول الخليجية التي تبنت آليات تسمح بإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية في المنازل والمنشآت، مع اختلاف طريقة احتساب الفائض بين الحصول على مقابل مالي أو ترحيل قيمته وخصمه من الاستهلاك اللاحق.

كما بدأت دول عربية أخرى، بينها مصر والمغرب، تطوير أطر تسمح بالإنتاج الذاتي للكهرباء، بما يطرح سؤالا أوسع حول إمكانية انتقال الأسر العربية من دفع فاتورة الكهرباء فقط إلى المشاركة في إنتاجها وتحقيق عائد منها.

من المنزل إلى الشبكة

تستهدف قطر رفع حصة الطاقة المتجددة من 5% إلى 18% بحلول عام 2030، مع الاعتماد بصورة رئيسية على الطاقة الشمسية الكهروضوئية.

ويتيح النموذج للمشترك إنتاج الكهرباء للاستهلاك الذاتي وضخ الكميات الفائضة إلى الشبكة الوطنية، باستخدام عداد ثنائي الاتجاه يقيس الكهرباء المسحوبة من الشبكة وتلك التي يعيد المنتج ضخها إليها.

وتسمح المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء "كهرماء " بتركيب أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية في المنازل والمنشآت والمحلات التجارية من خلال خدمة "بي سولار "، ضمن سياسة للطاقة الشمسية الموزعة وآلية لصافي الفوترة.

ويقول الخبير الاقتصادي خلفان الطوقي للجزيرة نت، إن هذا النموذج يمكن أن يساعد على ظهور أسر رائدة في إنتاج الكهرباء، بما يخفف جزءا من أعباء الطاقة على الدول، وفي الوقت نفسه يدعم التحول نحو مصادر أكثر استدامة.

إعلان

ويرى الطوقي أن المسألة لا تتعلق فقط بتركيب ألواح شمسية، وإنما بخلق نموذج اقتصادي تصبح فيه الأسرة جزءا من منظومة إنتاج الطاقة بدلا من بقائها في نهاية سلسلة الاستهلاك.

نماذج خليجية

بدأت سلطنة عُمان منذ عام 2017 تطبيق برنامج "ساهم "، الذي يشجع الأسر والأفراد والمؤسسات على إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، مع توفير آليات تساعد على تركيب الأنظمة وإتاحة ضخ الكهرباء المنتجة إلى الشبكة.

وتتجه السلطنة إلى توسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة، مع استهداف وصول حصتها إلى نحو 20% بحلول عام 2030.

ويرى الطوقي أن دول الخليج تمتلك مقومات تساعدها على توسيع هذه التجربة، من بينها ارتفاع معدلات السطوع الشمسي والقدرة المالية على توفير برامج تمويل وحوافز تساعد الأسر والمؤسسات على تحمل الكلفة الأولية للأنظمة الشمسية.

وفي الإمارات، أطلقت هيئة كهرباء ومياه دبي مبادرة "شمس دبي "، التي تتيح لأصحاب المنازل والمباني تركيب ألواح كهروضوئية لإنتاج الكهرباء وربطها بشبكة الهيئة، بحيث يستهلك المبنى حاجته محليا ويصدر الفائض إلى الشبكة.

وتطبق البحرين بدورها آليات لصافي القياس والفوترة، تسمح للمشتركين في القطاعات السكنية والتجارية والصناعية بإنتاج الكهرباء الشمسية وترحيل قيمة فائض الطاقة المصدرة إلى الشبكة للاستفادة منها في الأشهر اللاحقة.

ويكشف اختلاف هذه النماذج أن الهدف واحد تقريبا، وهو إدخال المستهلك إلى جانب الإنتاج، بينما تختلف الحوافز وطريقة تسعير الكهرباء وتسوية الفائض من دولة إلى أخرى.

مصدر الصورة عُمان تستهدف رفع حصة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء إلى نحو 20% بحلول 2030 (رويترز)

مستهلكون منتجون

امتد التوجه إلى دول عربية أكبر من حيث عدد السكان، إذ اتخذت مصر والمغرب خطوات لتوسيع الإنتاج الذاتي للكهرباء واستغلال أسطح المنازل والمصانع في تركيب الأنظمة الشمسية.

وفي مصر، تدعم الحكومة تركيب محطات الطاقة الشمسية الصغيرة وربطها بشبكات التوزيع من خلال نظام صافي القياس، الذي يسمح بضخ الكهرباء الفائضة إلى الشبكة وتسوية الإنتاج مقابل الاستهلاك وفق القواعد المنظمة.

ووفقا لمجلة "الأهرام العربي " التابعة لمؤسسة الأهرام، بلغ عدد محطات الطاقة الشمسية الصغيرة المنزلية والتجارية المنفذة في مصر نحو 2965 محطة، بقدرة مركبة إجمالية تصل إلى نحو 329.89 ميغاواطا.

ويقول خبير الطاقة الجديدة والمتجددة وعضو مجلس الطاقة العالمي ماهر عزيز للجزيرة نت، إن انتقال الأسر من الاستهلاك فقط إلى الإنتاج يمثل جوهر ما يعرف بـ "الطاقة الموزعة "، حيث يجري توليد الكهرباء بالقرب من مكان استهلاكها بدلا من الاعتماد الكامل على محطات الإنتاج المركزية.

ويستشهد عزيز بالتجارب الدولية، مشيرا إلى وجود نحو مليوني منزل منتج للكهرباء في ألمانيا، بينما توجد ألواح شمسية فوق نحو منزل من كل 3 منازل في أستراليا.

ويرى أن الدول العربية تمتلك ميزة إضافية تتمثل في وفرة الإشعاع الشمسي، إذ يصل عدد الأيام المشمسة في بعض المناطق إلى نحو 300 يوم سنويا، ما يعزز الجدوى المحتملة لإنتاج الكهرباء فوق أسطح المنازل.

وبحسب عزيز، فإن انتشار نظام صافي القياس (احتساب الإنتاج مقابل الاستهلاك) يغير وظيفة المنزل اقتصاديا، إذ يصبح قادرا على إنتاج الكهرباء وضخ الفائض إلى الشبكة نهارا واسترداده أو الاستفادة من قيمته عند الحاجة.

إعلان

وفي المغرب، وضع القانون رقم 82.21 الصادر في فبراير/شباط 2023 إطارا قانونيا للإنتاج الذاتي للكهرباء وفق مجموعة من الضوابط والشروط، في خطوة نحو توسيع مشاركة المستهلكين في سوق إنتاج الطاقة.

مصدر الصورة بعض المناطق العربية تسجل نحو 300 يوم مشمس سنويا ما يعزز جدوى الطاقة الشمسية المنزلية (الأوروبية)

هل تصبح الأسرة رائد أعمال؟

يمكن أن يتجاوز النموذج خفض فاتورة الكهرباء إلى خلق نشاط اقتصادي صغير إذا سمحت القواعد التنظيمية للأسرة بتحقيق دخل من فائض إنتاجها.

ويقول عزيز إن تحقيق ذلك يتطلب حوافز اقتصادية واضحة، لأن الأسر لن تدخل سوق إنتاج الكهرباء اعتمادا على الاعتبارات البيئية وحدها.

ويقترح عزيز 4 أنواع من الحوافز:


* يبدأ أولها بالدعم المالي المباشر لتغطية جزء من تكلفة تركيب النظام، أو توفير قروض خضراء منخفضة أو معدومة الفائدة تمتد عدة سنوات.
* ويتمثل الحافز الثاني في وجود سعر واضح ومجد لشراء الكهرباء المنتجة، بما يسمح للأسرة بحساب العائد المتوقع على استثمارها قبل تركيب النظام.
* أما الحافز الثالث فيرتبط بإتاحة تخزين الكهرباء باستخدام البطاريات والاستفادة منها أو بيعها خلال فترات ارتفاع الطلب والأسعار.
* ويقوم الحافز الرابع على نموذج "الطاقة المجتمعية "، الذي يسمح لمجموعة من الأسر أو سكان مبنى أو حي بالمشاركة في محطة شمسية واحدة وتقاسم إنتاجها وعوائدها، وهو نموذج يمكن أن يوسع الاستفادة من الطاقة الشمسية لتشمل الأسر التي لا تمتلك أسطحا مناسبة لتركيب نظام مستقل. مصدر الصورة إنتاج الكهرباء منزليا يقلل اعتماد الأسر على الكهرباء التقليدية المولدة من المحطات المركزية (غيتي)

اقتصاد فاتورة الكهرباء

تتوقف جاذبية إنتاج الكهرباء منزليا في النهاية على الأرقام، وتحديدا تكلفة النظام وحجم خفض الفاتورة والفترة المطلوبة لاسترداد الاستثمار.

ويقدم عزيز مثالا من السوق المصرية، إذ يقدر متوسط استهلاك أسرة بنحو 650 كيلوواط ساعة شهريا، مع فاتورة تقارب 1200 جنيه ( 23.3 دولارا)، بينما يمكن لنظام شمسي بقدرة 5 كيلوواطات وتكلفة تتراوح بين 85 ألفا و110 آلاف جنيه (نحو 1651 و2136 دولارا) تغطية نحو 90% من هذا الاستهلاك.

وبحسب تقديراته، انخفضت فترة استرداد تكلفة الاستثمار من نحو 7 سنوات سابقا إلى ما بين 3.5 و4 سنوات مع ارتفاع أسعار الكهرباء وتراجع أسعار الألواح، في حين يصل العمر التشغيلي للألواح إلى نحو 25 عاما.

ويقدر عزيز العائد السنوي على الاستثمار في هذه الحالة بنحو 22% إلى 25%.

ولا تقتصر المكاسب المحتملة، وفق عزيز، على الأسرة، إذ يقدر أن كل ميغاواط من الطاقة الشمسية المركبة على الأسطح يمكن أن يخفض استهلاك الوقود المستخدم في إنتاج الكهرباء ويحد من الفاقد في الشبكة بسبب قرب الإنتاج من مواقع الاستهلاك، إلى جانب خلق وظائف في التركيب والتشغيل والصيانة.

وهنا يتحول السطح غير المستخدم من مساحة خاملة إلى أصل يمكنه خفض النفقات وربما توليد دخل، إذا توافرت التعرفة المناسبة والقواعد التي تسمح بتسويق الكهرباء الفائضة.

مصدر الصورة العمر التشغيلي للألواح الشمسية يصل إلى نحو 25 عاما مقابل عائد سنوي يقدر بنحو 22% إلى 25% (الجزيرة)

عقدة التكلفة

رغم انخفاض أسعار تقنيات الطاقة الشمسية، تبقى الكلفة الأولية لتركيب النظام إحدى العقبات الرئيسية أمام توسع الأسر في إنتاج الكهرباء.

ويرى عزيز أن تجاوز هذه العقبة لا يتطلب بالضرورة أن تتحمل الأسرة التكلفة كاملة، إذ يمكن الاعتماد على نموذج التأجير، بحيث تتولى شركة متخصصة تركيب النظام وتمويله مقابل الحصول على جزء من قيمة خفض فاتورة الكهرباء لعدد من السنوات، قبل انتقال ملكيته إلى المستهلك.

ويطرح كذلك التمويل الأخضر متناهي الصغر من خلال البنوك ومؤسسات التنمية، إلى جانب نموذج التقسيط عبر فاتورة الكهرباء، بحيث يسدد المستهلك تكلفة النظام تدريجيا من خلال الفاتورة قبل أن يمتلك المحطة بالكامل بعد انتهاء مدة التمويل.

إعلان

ويضيف أن توطين صناعة الألواح والهياكل والمكونات يمكن أن يخفض الكلفة الأولية ويجعل الاستثمار المنزلي أكثر جاذبية، خصوصا مع اتساع حجم السوق.

لكن التمويل ليس العقبة الوحيدة، فالتوسع في إنتاج الكهرباء منزليا يحتاج إلى شبكة قادرة على استقبال الإنتاج الموزع، وعدادات ذكية، وقواعد واضحة لاحتساب الفائض، وآليات مستقرة للتسعير والتسوية.

مصدر الصورة التوسع في الكهرباء المنزلية يتطلب عدادات ذكية وشبكات قادرة على استيعاب الإنتاج الموزع (رويترز)

وضوح السياسات

يرى الطوقي أن نجاح نموذج الأسر المنتجة للطاقة يرتبط قبل كل شيء باستقرار السياسات الحكومية ووضوح الأهداف طويلة الأجل.

ويوضح أن المستهلك أو الشركة التي تستثمر في نظام شمسي يمتد عمره لسنوات تحتاج إلى معرفة قواعد السوق وطريقة احتساب العائد ومستقبل الحوافز، وهو ما يجعل تغير السياسات أحد أبرز المخاطر التي قد تحد من التوسع.

ويشير الطوقي إلى أن وجود أهداف معلنة حتى عام 2030 في عدد من دول الخليج يوفر رؤية تساعد الأسر والشركات على اتخاذ قرارات استثمارية، لكن استمرار الزخم بعد ذلك يحتاج إلى سياسات واضحة ومتسقة مع مستهدفات الحياد الكربوني طويلة الأجل.

ويرى أن بعض التجارب يمكن أن تبدأ من أسرة تنتج الكهرباء لتغطية احتياجاتها، ثم تتطور إلى نشاط تجاري أو شركة تعمل في تركيب الأنظمة أو تقديم خدمات الطاقة، بما يضيف بعدا لريادة الأعمال إلى عملية التحول نحو الطاقة المتجددة.

سوق كهرباء مصغرة

المرحلة الأكثر تقدما من هذا التحول، وفق عزيز، لا تتوقف عند بيع الكهرباء إلى شركة التوزيع، بل يمكن أن تصل إلى إنشاء سوق مصغرة تسمح للمستهلكين بتبادل الطاقة فيما بينهم.

ويقترح في هذا السياق تطوير أطر قانونية تسمح بالبيع المباشر للكهرباء بين المستهلكين عبر منصات رقمية، وإنشاء جمعيات لخدمات الطاقة تتيح لمجموعة من الأسر تأسيس كيان صغير لإنتاج الكهرباء وبيعها.

كما يمكن لتسعير الكهرباء بصورة مختلفة بين ساعات النهار وفترات الذروة أن يخلق حافزا لاستخدام البطاريات، بحيث تخزن الأسرة الكهرباء عندما تكون متاحة بتكلفة منخفضة، وتستخدمها أو تضخها إلى الشبكة عندما ترتفع الأسعار.

ويضيف عزيز أن منصة رقمية للمقاصة (تسوية المستحقات المالية) يمكن أن تسمح للأسرة بمتابعة إنتاجها واستهلاكها وقيمة الكهرباء التي باعتها، بما يحول العلاقة مع قطاع الطاقة من فاتورة شهرية فقط إلى تدفقات مالية يمكن إدارتها.

وفي هذه الحالة، لا يعود انتشار الألواح الشمسية مجرد تحول تقني أو بيئي، بل يصبح تغييرا في هيكل سوق الكهرباء نفسها، إذ ينتقل جزء من الإنتاج تدريجيا من المحطات المركزية الكبرى إلى ملايين الوحدات الصغيرة القريبة من المستهلك.

ويختصر عزيز هذه الرؤية بالقول إن التحول المطلوب هو الانتقال "من اقتصاد يعتمد على فاتورة إلى اقتصاد يعتمد على محفظة "، بحيث يصبح كل سطح غير مستغل فرصة محتملة لإنتاج الطاقة.

لكن الوصول إلى هذا النموذج سيظل مرتبطا بقدرة الدول العربية على حل معادلة تجمع بين خفض تكلفة التركيب، وتوفير التمويل، وتحديث الشبكات، وتثبيت قواعد شراء الفائض، وضمان استمرار السياسات لسنوات تسمح للأسرة باسترداد استثمارها وتحقيق عائد منه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا