بالرغم من وجود مصلحة مشتركة بين السعودية وإسرائيل لصدّ جماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن، تستبعد صحف عبرية أن يتحقق هذا التعاون في الوقت الراهن، لعدة أسباب، لعلّ أهمها أن أي حدث له علاقة بالسياسة الخارجية يُقرأ في الدولة العبرية من خلال عدسة انتخابات الكنيست.
ونقلت صحيفة "هآرتس" عن مصادر عسكرية وأمنية إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي أوصى القيادة السياسية بالامتناع عن شن هجوم استباقي على الحوثيين في اليمن، وتجنب تنفيذ عمليات قد تضع إسرائيل في صدارة المواجهة العسكرية مع الجماعة.
وبحسب المصادر، أوصى الجيش بالتركيز بدلاً من ذلك على مسار سياسي يهدف إلى تشكيل تحالف دولي وإقليمي للتعامل مع التهديد الحوثي.
وترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وفق "هآرتس"، أن التهديد الذي يشكله الحوثيون يتجاوز إسرائيل، خصوصاً في ظل سيطرتهم على مناطق ومواقع قريبة من مضيق باب المندب، الذي يُعد ممراً رئيسياً لحركة الملاحة الدولية، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي والتجارة البحرية.
وأشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل تحافظ في الوقت نفسه على مستوى منخفض من التصريحات الإعلامية بشأن التحركات الأخيرة للحوثيين، فيما تستعد لاحتمال أن تحرك إيران الجماعة ضد إسرائيل في حال تصاعد التوتر العسكري بين طهران والولايات المتحدة.
وبحسب التقديرات التي نقلتها "هآرتس"، فإن خطورة الحوثيين بالنسبة إلى إسرائيل لا تكمن أساساً في قوتهم العسكرية، وإنما في قدرتهم على توسيع جبهات المواجهة وتعطيل حركة التجارة البحرية.
وترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن ربط ملف الحوثيين بمصالح عدد كبير من الدول وتحويله إلى قضية دولية من شأنه أن يساعد في حشد تحرك أوسع ضد الجماعة، كما يبقي إيران في صلب النقاش الدولي المرتبط بأمن الملاحة والتوتر الإقليمي.
من جهة أخرى، أجرت السعودية وإسرائيل محادثات بوساطة القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، بهدف مساعدة الرياض على الدفاع عن نفسها في مواجهة الحوثيين، من خلال تقديم دعم استخباراتي، بحسب ما أوردته صحيفة "واللا" الإسرائيلية يوم الثلاثاء، نقلاً عن مصادر دبلوماسية في الشرق الأوسط.
وصعّد الحوثيون خلال الأسبوع الماضي هجماتهم ضد السعودية، بما في ذلك هجوم بطائرة مسيّرة استهدف خطوط أنابيب النفط ومنشآت للضخ، ما أدى إلى تعليق جزئي للعمليات على طول خط الأنابيب الرئيسي.
كما نفذ الحوثيون هجوماً استهدف مدنيين سعوديين كانوا داخل مسجد ومبانٍ قريبة منه، على مسافة غير بعيدة من الحدود بين اليمن والسعودية.
وفي الوقت نفسه، سيطر الحوثيون على عدد من الجزر ذات المواقع الاستراتيجية في البحر الأحمر، ومنعوا السفن السعودية من المرور عبر مضيق باب المندب، في خطوة وصفتها المصادر بأنها تفرض حصاراً اقتصادياً ودبلوماسياً على السعودية.
وأثارت التطورات الأمنية مخاوف كبيرة ليس لدى السعوديين فقط، وإنما أيضاً لدى دول أخرى في المنطقة، وفقاً لمصادر أمنية.
وتستند هذه المخاوف إلى احتمال توصل الولايات المتحدة إلى تفاهمات مع إيران والحوثيين، بما قد يترك السعودية ودولاً أخرى في المنطقة في مواجهة تهديدات لم تتم معالجتها خلال المستقبل المنظور، مع استمرار تعرضها لهجمات متواصلة.
في السياق عينه، يقول الدكتور براندون فريدمان، مدير الأبحاث في إسرائيل والباحث في الشأن السعودي، في حديثه لصحيفة "جيروزاليم بوست" يوم الاثنين، إن إسرائيل لن تهرع لسدّ حاجة السعودية بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدة العسكرية في الحرب ضد الحوثيين.
وأتى حديث الرجل بعدما نقلت وكالة "رويترز" أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يسعى للحصول على مساعدة عسكرية أمريكية لمواجهة التهديد الحوثي.
وبعد ذلك نقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" أن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) قد تواصلت مع إسرائيل بشكل غير مباشر لتبادل المعلومات الاستخباراتية وتقديم مساعدات أخرى. كما تزامنت هذه التطورات مع ما أعلنته وسائل إعلام سعودية عن أن بن سلمان ناقش التطورات الإقليمية مع قائد سنتكوم الأدميرال براد كوبر في جدة يوم الاثنين، بالرغم من أنه لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى سعت الرياض إلى خيارات أخرى للحصول على دعم عسكري.
ورغم أن فريدمان قال إنه سيكون من المنطقي لإسرائيل أن تتعاون مع السعودية، لرغبة تل أبيب في تمهيد العلاقات من أجل التطبيع، ولأنهما ستكونان تقاتلان "عدوًا مشتركًا"، إلا أنه شدد على أن "جميع قضايا السياسة الخارجية اليوم تُقرأ من خلال عدسة الانتخابات الإسرائيلية".
وأكد المتحدث أن أي دعم قد تتلقاه الرياض من تل أبيب سيحتاج إلى أن يحدث "بهدوء"، أي خلف الكواليس، بسبب "الاعتبارات السياسية السعودية"، فيما يحتاج الائتلاف الحاكم في إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو حاليًا إلى أمر يوظّفه في الانتخابات، في العلن.
ويشير فريدمان إلى أن الرياض، بالرغم من أنها احتلت المرتبة 25 من أصل 145 دولة في مؤشر القوة العالمية لعام 2026، إلا أن نقاط ضعفها تكمن في أنها اعتمدت بشكل متزايد على واشنطن طيلة السنوات الـ15 الماضية، وأنه لم يعد لديها الآن "إلا القليل جدًا من قوتها العسكرية الذاتية"، مما يترك لها أدوات محدودة تحت تصرفها، ورأى أن "هذا هو السبب في أن حربها في اليمن منذ عام 2015 تقريبًا كانت فاشلة".
وفي العامين الماضيين، كانت علاقة المملكة قد ساءت مع كل من إسرائيل و الإمارات ، الدولة الثانية التي يمكن لها أن تحصل منها على الدعم، بسبب التنافس المستمر بينهما على أكثر من صعيد.
ومع تقارير تشير إلى أن واشنطن رفضت الآن مساعدة الرياض ضد الحوثيين، وأن التعاون مع إسرائيل لا يزال خارج الطاولة، أوضح فريدمان أن السعودية بدأت البحث عن قوى إقليمية جديدة، ومن هنا جاء اتفاق مكة الذي وقعته تركيا وباكستان.
لكن الاتفاق لم يوفر للرياض الدعم الذي تحتاجه الآن، لأن مثل هذه الخطوة ستُعتبر سابقة لأوانها. إذ رفضت باكستان تقديم قواتها للحرب مع الحوثيين، وهي منشغلة بقتال طالبان . وفي ذات الوقت لا تبدي الحكومة التركية أي رغبة حقيقية في الانخراط المباشر في حرب اليمن، إذ اكتفت أنقرة بإصدار بيان يدين التصعيد في 8 سبتمبر.
في هذا السياق، يعتقد فريدمان أن الخيار الأخير للسعودية سيكون محاولة "استرضاء" إيران، وهو ما اقترح أنه يحدث الآن. وأردف شارحًا: "الإيرانيون يحاولون ربط الحرب في اليمن بمفاوضاتهم الجارية عبر عُمان مع دول مجلس التعاون الخليجي بشأن رسوم الخدمات للشحن التجاري عبر مضيق هرمز"، مضيفًا أن إيران وجهت الحوثيين إلى التصعيد أملًا في أن تتراجع الرياض عن مطالب طهران.
ومع محاولة الحوثيين فرض السيطرة على مضيق باب المندب ، الذي يربط البحر الأحمر ببحر العرب والمحيط الهندي، يمكن أن تتعرض صناعة النفط السعودية لـ"خنق"، على حد قوله.
وقد أشار فريدمان إلى أن الرياض تتمسك بالأمل في أن تتدخل واشنطن بقوتها ضد الحوثيين وطهران، وهو أمر قال فريدمان إنه غير مرجح بالنظر إلى القمة المقبلة مع الرئاسة الصينية والانتخابات النصفية المقبلة. وقال نظريًا: "الأمريكيون ليسوا حريصين على رؤية الحرب تتوسع الآن، وأعتقد أن هذا جزء من سبب تصعيد الإيرانيين في هذه المرحلة".
ومع عدم قدرة دول الخليج على الاتفاق على رد موحد، ومع استخدام إيران المتزايد للاقتصاد العالمي كورقة ضغط سياسية، توقّع فريدمان أن الرياض ستصبح محاصرة تحت الضغط المتزايد.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة