في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد أكثر من 3 عقود على انتهاء الحرب في البوسنة والهرسك، لا تزال البلاد محكومة بنظام سياسي بالغ التعقيد أنشأه اتفاق دايتون عام 1995. في ظل هذا النظام تتنافس الأحزاب البوشناقية والكرواتية والصربية على المؤسسات والموارد والنفوذ والمشاريع التنموية، وآخرها مشروع "خط الربط الجنوبي" لنقل الغاز، الذي أصبح عنوانا للهشاشة السياسية للبلاد، وللصراع الخارجي على النفوذ داخلها في الوقت نفسه.
تعتمد البوسنة بصورة شبه كاملة على الغاز الروسي القادم عبر مسار واحد من صربيا منذ سنوات طويلة، ولذا طُرح خط الربط الجنوبي حلا لتنويع مصادر الغاز، وهو خط أنابيب يرمي لنقل الغاز من شبكة الغاز الكرواتية إلى البوسنة والهرسك. ولكن المشروع تحول إلى صراع حول ملكية البنية التحتية وتوزيع السلطة بين الجماعات القومية المختلفة. والأخطر أن الخط الذي يهدف لتقليص الاعتماد على الغاز الروسي، تحول في غضون أشهر قليلة إلى نقطة خلاف بين أوروبا وأمريكا، وعلامة على التباين المتزايد بينهما.
وتكمن أهمية المشروع في تقليل اعتماد البوسنة على مصدر واحد لإمدادات الغاز، فالبلاد لا تنتج الغاز الطبيعي، وتمتلك حاليا نقطة دخول دولية واحدة مربوطة بالشبكة الصربية، ومن ثم تعتمد على الغاز الروسي عبر مسار شرقي واحد، في حين يسعى خط الربط الجنوبي إلى إنشاء نقطة دخول ثانية تتيح الوصول إلى محطة الغاز الطبيعي المسال في جزيرة كرك الكرواتية، شمال البحر الأدرياتيكي.
ولفهم الخلاف الداخلي حول المشروع، يجب توضيح طبيعة النظام السياسي في البوسنة والهرسك، الذي يوصف بأنه أحد أعقد الأنظمة السياسية في العالم. فوفقا لاتفاقية دايتون، تتكون البوسنة والهرسك من كيانين رئيسيين داخل دولة موحدة ذات سيادة: "اتحاد البوسنة والهرسك"، الذي ينقسم إلى عشرة كانتونات لكل منها حكومة وبرلمان محلي، و"جمهورية صرب البوسنة" (صربسكا)، بالإضافة إلى مقاطعة برتشكو ذات الحكم الذاتي، وهي منطقة إدارية مشتركة لا تتبع لأي من الكيانين وتخضع مباشرة لسلطة الدولة المركزية. وبذلك تعمل البلاد عبر مستويات متعددة ومتداخلة من الحكم: مركزي وفيدرالي ومحلي.
"يعد النظام السياسي في البوسنة من أعقد الأنظمة السياسية في العالم"
يعترف الدستور بالبوشناق والكروات والصرب بوصفهم "شعوبا مكونة" للدولة. ولهذا لا يعتمد النظام السياسي على حكم الأغلبية العددية وحده، بل يمنح كل جماعة قومية وسائل لحماية ما تعتبره مصالحها الحيوية. وعلى مستوى الدولة، يجب أن تمر القوانين عبر مجلسين: مجلس النواب، الذي يمثل المواطنين والأحزاب السياسية، ومجلس الشعوب، الذي يضم ممثلي القوميات من البوشناق والكروات والصرب. ويملك اتحاد البوسنة والهرسك تشكيلا برلمانيا مماثلا تقريبا. ويتيح هذا النظام لممثلي إحدى الجماعات تعطيل قانون أو تأخير إقراره إذا رأت أنه يضر بمصالحها. وقد منع هذا الترتيب هيمنة جماعة واحدة، لكنه جعل اتخاذ القرارات بطيئا، وحول بعض المشروعات الاقتصادية إلى ساحة للصراع القومي والحزبي.
تقع معظم الصلاحيات المتعلقة بالطاقة والغاز في أيدي الكيانين الفيدراليين، وليس الحكومة المركزية. لذلك كان على اتحاد البوسنة والهرسك إصدار قانون خاص لتنظيم الجزء البوسني من خط الربط الجنوبي وتحديد الشركة المسؤولة عن تنفيذه. ولكن الخط يعبر الحدود الدولية مع كرواتيا، ولهذا لا تستطيع حكومة الاتحاد وحدها إنجاز المشروع بالكامل، حيث أن الاتفاق مع كرواتيا يتطلب مشاركة مؤسسات دولة البوسنة والهرسك المركزية كلها، بما فيها مجلس الوزراء ورئاسة الدولة والبرلمان.
هذا التداخل بين مستويات الحكم يفسر كيف أصبح اختيار الشركة المشغلة، ومسار الأنبوب، والاتفاق مع كرواتيا، مسائل سياسية معقدة تتجاوز الجوانب الفنية والاقتصادية للمشروع. ويزداد الوضع تعقيدا جراء عدم وجود قانون موحد للغاز على مستوى الدولة، ووجود أنظمة منفصلة وغير متوافقة بصورة كاملة مع قواعد الاتحاد الأوروبي. وقد بدأت منظمة "جماعة الطاقة " (Energy Community)، التي تضم الاتحاد الأوروبي و9 دول أخرى، تطبيق إجراءات ضد البوسنة منذ عام 2014 بسبب هذا القصور، ووصلت التدابير في بعض المراحل إلى تعليق بعض حقوق دولة البوسنة في التصويت والمشاركة المتعلقة بقطاع الطاقة.
وقد ظهرت فكرة إنشاء مدخل ثان للغاز إلى البوسنة والهرسك عام 2009، عندما أعدت أول دراسة لإيصال الغاز إلى جنوب غربي البلاد. وتبعتها دراسات فنية ومالية وبيئية بدعم من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومؤسسات أوروبية. وفي عام 2017، صنفت حكومة اتحاد البوسنة والهرسك المشروع على أنه ذو أهمية إستراتيجية. ثم أدرجته منظمة "جماعة الطاقة" ضمن مشروعات المنفعة المتبادلة عام 2020، لكن هذا التصنيف انتهى بعد تعديل قواعد الطاقة الأوروبية التي استبعدت مشروعات الغاز الطبيعي من هذه الفئة تماشيا مع توجه الاتحاد الأوروبي نحو التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري.
"تحول الخلاف على إدارة خط الغاز إلى جزء من الصراع الأوسع بين البوشناق والكروات حول توزيع السلطة والموارد داخل اتحاد البوسنة والهرسك"
دخل مشروع قانون خط الربط الجنوبي البرلمان عام 2020، وأقرّه مجلس النواب في اتحاد البوسنة والهرسك في ديسمبر/كانون الأول 2021، لكنه تعطل في مجلس الشعوب بسبب الخلاف على الجهة التي ستدير المشروع. وطالب حزب الاتحاد الديمقراطي الكرواتي في البوسنة والهرسك (HDZ BiH) بإنشاء شركة غاز جديدة، تشارك في ملكيتها الكانتونات التي يمر بها الخط. وكان المقترح يمنح المناطق ذات الأغلبية الكرواتية نفوذا واسعا على إدارة المشروع واستثماراته ووظائفه.
في المقابل، تمسكت الأحزاب البوشناقية بإسناد المشروع إلى شركة "بي إتش غاز" (BH-Gas) العامة ومقرها سراييفو، محذرة من أن إنشاء شركة على أساس قومي يزيد انقسام المؤسسات العامة. وبسبب هذا الخلاف، سُحب مشروع القانون من جدول أعمال مجلس الشعوب في مايو/أيار 2023، وتحول الخلاف على إدارة خط الغاز إلى جزء من الصراع الأوسع بين البوشناق والكروات حول توزيع السلطة والموارد داخل اتحاد البوسنة والهرسك.
بعد ضغوط دبلوماسية أمريكية قوية، عاد القانون إلى البرلمان وأقرّه مجلس النواب في 12 ديسمبر/كانون الأول 2024، ثم وافق عليه مجلس الشعوب في منتصف الشهر التالي، من دون دعم حزب الاتحاد الديمقراطي الكرواتي. ونُشر القانون في الجريدة الرسمية لاتحاد البوسنة والهرسك في فبراير/شباط 2025، وعيّن شركة "بي إتش غاز" مستثمرا ومسؤولا عن تطوير المشروع، ونصّ على أن الخط مشروع منفعة عامة، وسَمح بنزع ملكية الأراضي اللازمة لمساره.
ولكن في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، اجتمع جون غينكِل، القائم بأعمال السفارة الأمريكية في سراييفو، مع أبرز قادة الائتلاف الحاكم في اتحاد البوسنة والهرسك، ومن بينهم رئيس حكومة الاتحاد نرمين نيكشيتش، وزعيم حزب الاتحاد الديمقراطي الكرواتي دراغان تشوفيتش. وطرحت السفارة تولي شركة أمريكية خاصة تطوير خط الربط الجنوبي وبنائه وإدارته، وأعلن المشاركون موافقتهم المبدئية على مناقشة هذا الطرح.
بعد أيام، عقدت السفارة اجتماعا آخر على مستوى ممثلي الأحزاب، وشدّدت على ضرورة بدء البناء خلال عام 2026، وتسريع الاتفاق مع كرواتيا لإتاحة استيراد الغاز الطبيعي المسال، بما فيه الغاز الأمريكي. واستمر الضغط السياسي على مدار الأشهر التالية، ففي 13 يناير/كانون الثاني الماضي، اجتمع غينكل مع تشوفيتش لبحث المشروع مع ممثلي الشركة الأمريكية "إيه إيه إف إس للبنية التحتية والطاقة -المحدودة – سراييفو" (AAFS). وبعد أيام، أعلنت حكومة اتحاد البوسنة والهرسك تلقيها خطاب نوايا من الشركة الأمريكية.
وبحلول مطلع أبريل/نيسان، رافق غينكل مسؤولي الشركة الأمريكية في اجتماع مع المسؤولين في البوسنة، حيث أُعلن وجود توافق سياسي على أهمية المشروع والشراكة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة. وفي اليوم التالي، صرّح جيسي بينال، محام أمريكي مقرّب من الرئيس ترمب، بأن نجاح خط الربط الجنوبي يمثل أولوية للإدارة الأمريكية. وذكرت صحيفة الغارديان استنادا إلى مصادر مطّلعة أن القادة البوسنيين تعرضوا لضغط أمريكي من أجل الموافقة على تنفيذ المشروع عبر "إيه إيه إف إس". وهكذا، أقرّ مجلس النواب التعديلات في 8 أبريل/نيسان، ووافق عليها مجلس الشعوب لاحقا، ثم نُشرت في الجريدة الرسمية.
"يُعتقد أن أن القادة البوسنيين تعرضوا لضغط أمريكي من أجل الموافقة على تنفيذ المشروع عبر شركة أمريكية"
بموجب التعديلات، سُحبت تراخيص المشروع من شركة "بي إتش غاز"، ومُنحت إلى شركة "إيه إيه إف إس"، مع إلزام الشركة البوسنية بتسليم وثائق المشروع إلى المستثمر الجديد. وقد وسّعت التعديلات مسار المشروع بإضافة أفرع جديدة، وأبقت للمستثمر الخاص امتيازات مهمة، مثل استخدام الأراضي العامة والاستفادة من إجراءات نزع الملكية وتسريع التراخيص. وأثار ذلك اعتراضات بسبب اختيار شركة خاصة محدّدة مباشرة في القانون بدون مناقصة عامة، وعدم نشر معلومات كاملة عن ملكيتها النهائية، ومنحها صلاحيات كانت مخصصة في الأصل لشركة عامة.
بجانب الضغوط الأمريكية، كان للتغيير بُعد سياسي داخلي. فقد رفض حزب الاتحاد الكرواتي لسنوات أن تتولى "بي إتش غاز" إدارة المشروع، وطالب بإنشاء شركة جديدة وهو ما رفضته الأحزاب البوشناقية. ولذا جاء اختيار شركة أمريكية خاصة بوصفه حلا ثالثا تجاوز الخلاف بين الطرفين، وشكلا من أشكال "التسوية السياسية".
بحلول نهاية أبريل/نيسان، وقّعت بوريانا كريشتو، رئيسة مجلس وزراء البوسنة والهرسك، وأندريه بلينكوفيتش، رئيس الوزراء الكرواتي، اتفاقا حكوميا في مدينة دوبروفنيك بشأن بناء خط الربط الجنوبي، وبحضور وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت. ونصّ الاتفاق على أن تتحمّل كل دولة مسؤولية تمويل وبناء الجزء الواقع على أراضيها، وأن تخضع أعمال الشراء والبناء للقواعد الوطنية أو الدولية المعمول بها. وفي 30 يوليو/تموز، وافق مجلس الوزراء على مشروع قرار التصديق وأحاله إلى رئاسة البوسنة والهرسك لاستكمال الإجراءات، لكن حتى اليوم لم يكتمل التصديق النهائي.
"لم تبدأ عمليات البناء في الخط إلى اليوم"
البناء أيضا لم يبدأ حتى اليوم. ففي 12 أغسطس/آب، أعلنت وزارة الطاقة في اتحاد البوسنة والهرسك أن المفاوضات مع الشركة الأمريكية لا تزال تركز على استكمال عقد التنفيذ، ما يعني أنه لم يُعلن بعد عن عقد نهائي أو تمويل مؤكد أو بدء للأعمال الإنشائية. وتشير وثائق مالية رسمية إلى نهاية عام 2030 موعدا محتملا، لكنه ليس مضمونا، لأن التنفيذ لا يزال مرتبطا بالعقد والتمويل والتصديق والأراضي والتراخيص والاتفاقات الفنية مع كرواتيا. وتُقدّر الشركة الأمريكية تكلفة خط الغاز بنحو 300 مليون يورو، إضافة إلى 900 مليون يورو لبناء ثلاث محطات كهرباء تعمل بالغاز، ومن ثم يصبح حجم الحزمة الاستثمارية نحو 1.2 مليار يورو .
تقدم شركة "إيه إيه إف إس" نفسها بوصفها منصة أمريكية لتطوير وتمويل مشروعات الطاقة والبنية التحتية في جنوب وشرق أوروبا. ووفق موقع الشركة، تشير الأحرف الأربعة إلى "تصميم الأصول والإستراتيجية المالية" (Asset Architecture and Financial Strategy)، وهي تركز على خطوط الغاز ومحطات الكهرباء والنقل والخدمات اللوجستية. لكن الموقع لا ينشر أسماء جميع المالكين أو بيانات مالية أو قائمة بمشروعات سابقة منجزة. وكان هذا تحديدا أحد أبرز الانتقادات لتسليم الشركة مشروع الخط الجنوبي، إذ لا خبرة سابقة لها في إنشاء مشاريع من هذا النوع.
"الشركة التي تتولى المشروع يمثلها مقربون من إدارة ترمب مثل محاميه السابق جيسي بينال، وجو فلين، شقيق مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين"
تُظهر وثائق ولاية وايومنغ الأمريكية أن الشركة تأسست في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ولا تكشف وثائق التأسيس أسماء المالكين المستفيدين أو مقدار رأس مال الشركة. أي أن التأسيس جاء بعد أيام قليلة فقط من الاجتماع الذي عقدته السفارة الأمريكية في الشهر نفسه مع قادة الائتلاف الحاكم في اتحاد البوسنة والهرسك، واقترحت فيه السفارة أن تتولى شركة أمريكية تطوير خط الربط الجنوبي وبنائه وإدارته.
ويمثّل الشركة مقرّبون من إدارة ترمب، أبرزهم محاميه السابق جيسي بينال، وجو فلين، شقيق مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين، إضافة إلى أمير بيكان، المسؤول عن الشركة التابعة في سراييفو، وهو رجل أعمال وناشط سياسي سابق. أما الشركة التابعة لهم في سراييفو فقد تأسست عام 2021 باسم "خدمات وقود المطارات والطيران"، وكان نشاطها المسجل تجارة الوقود بالجملة. وفي فبراير/شباط الماضي، أصبحت الشركة الأمريكية مالكة لها بنسبة 100% وتغيّر اسمها إلى الاسم الحالي "إيه إيه إف إس – المحدودة – سراييفو".
لم تقتصر العقبات السياسية أمام المشروع على العلاقة غير الواضحة بين الشركة الأمريكية والإدارة الأمريكية، والسجال الداخلي بين البوشناق والكروات، بل سرعان ما امتدت إلى الخلافات المتزايدة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول طريقة تنفيذ المشروع، بسبب اختلاف الأولويات السياسية لكل منهما في الملف البوسني حاليا.
على مدى العقود الثلاثة التي أعقبت حروب يوغوسلافيا، كانت سياسات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تجاه غرب البلقان متقاربة إلى حد كبير، وإن لم تتطابق دائما. اضطلعت واشنطن بالدور الحاسم في التفاوض على اتفاق دايتون عام 1995، ثم قاد حلف شمال الأطلسي (الناتو) قوات تنفيذ الاتفاق وتحقيق الاستقرار في البوسنة.
وفي المقابل، تولى الاتحاد الأوروبي تدريجيا الدور الاقتصادي والمؤسسي الأكبر عن طريق تمويل إعادة الإعمار، وتقديم المساعدات، وربط الإصلاحات باحتمال الانضمام إلى الاتحاد. وبذلك ظهر نوع من تقسيم العمل: الولايات المتحدة ضامن أمني وسياسي لاتفاق دايتون، والاتحاد الأوروبي شريك اقتصادي وصاحب المشروع طويل الأمد لتحويل دول المنطقة إلى دول أعضاء أو مؤهلة للعضوية.
استمر هذا الإطار في معظم مرحلة ما بعد الحرب. فقد دعمت واشنطن انضمام دول المنطقة إلى الناتو والاتحاد الأوروبي، بينما استخدمت بروكسل سياسة "المشروطية " لمنح العضوية، أي تقديم المساعدات والتقدم نحو العضوية مقابل إصلاح القضاء والإدارة العامة، ومحاربة الفساد، وحماية الحقوق الأساسية، وتعزيز التعاون الإقليمي. وخلال إدارة جو بايدن، عادت الولايات المتحدة إلى تنسيق أوثق مع الأوروبيين، ودعمت مكتب الممثل السامي ومؤسسات الدولة البوسنية، واستخدمت العقوبات ضد المسؤولين المتهمين بالفساد أو بتقويض اتفاق دايتون.
"دعمت واشنطن انضمام دول المنطقة إلى الناتو والاتحاد الأوروبي، بينما استخدمت بروكسل سياسة المشروطية لمنح العضوية"
وتقوم سياسة الاتحاد الأوروبي في غرب البلقان على فكرة أساسية، وهي أن المنطقة جزء من أوروبا، لكن العضوية في الاتحاد نفسه لا تمنح عبر صفقات سياسية سريعة، بل عن طريق عملية طويلة لتغيير القوانين والمؤسسات والاقتصاد. وقد عدّل الاتحاد عام 2020 منهجية التوسع في العضوية لجعل العملية أكثر سياسية وصرامة، مع إمكانية التراجع عنها إذا تدهورت الديمقراطية أو سيادة القانون.
إلى جانب شروط العضوية، يستخدم الاتحاد الأوروبي التمويل والاستثمار لتقريب اقتصادات المنطقة من السوق الأوروبية. فقد أطلق عام 2020 "الخطة الاقتصادية والاستثمارية لغرب البلقان "، التي تستهدف تعبئة استثمارات تصل إلى 30 مليار يورو حتى نهاية عام 2027 في النقل والطاقة والتحول الأخضر والرقمي والقطاع الخاص. وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2024، كانت هناك مشروعات بقيمة حوالي 17.2 مليار يورو قد دخلت إطار التعبئة الاستثمارية بالفعل. ولا تأتي هذه الأموال كلها في صورة منح؛ بل تجمع بين المنح والقروض الميسرة والضمانات والاستثمار المؤسسي.
ثم أطلق الاتحاد "خطة النمو لغرب البلقان"، مدعومة بمرفق مالي قيمته 6 مليارات يورو للفترة بين عامي 2024 و2027، منها مليارا يورو منح و4 مليارات من القروض الميسرة. وتقوم الخطة على 4 أهداف: فتح أجزاء من السوق الأوروبية أمام دول المنطقة قبل العضوية الكاملة، وإنشاء سوق إقليمية مشتركة وفق القواعد الأوروبية، وتسريع الإصلاحات، وزيادة المساعدات المالية. لكن صرف الأموال مرتبط بتنفيذ خطوات محددة، ويمكن خفض المخصصات أو إعادة توزيعها إذا لم تُنفذ الإصلاحات في مواعيدها.
وفيما يتعلق بالبوسنة، فإنها حصلت على صفة دولة مرشحة في ديسمبر/كانون الأول 2022، وعلى الضوء الأخضر لبدء مفاوضات الانضمام في مارس/آذار 2024. ولكن منذ ذلك الحين لم يطرأ أي تقدم يذكر على مسار عضويتها في الاتحاد الأوروبي.
على الجهة الأخرى، تغيرت أولويات السياسة الأمريكية في المنطقة، كما أفاد تقرير رسمي قصير قدمته وزارة الخارجية إلى الكونغرس في مايو/أيار الماضي. ونص التقرير على أن مرحلة بناء الدول بقيادة الولايات المتحدة قد انتهت، وأن السياسة الجديدة تركز على الاستقرار والشراكات ذات المنفعة المتبادلة. ومع ذلك، لا تتخلى الوثيقة عن وحدة أراضي دول المنطقة، أو عن مكافحة الجريمة المنظمة ومواجهة النفوذين الروسي والصيني، لكنها لا تجعل توسيع الاتحاد الأوروبي أو بناء المؤسسات الديمقراطية محور السياسة الأمريكية كما كان في السابق. وبدلا من الإدارة الدولية الطويلة للأزمات، تدعو واشنطن الأطراف المحلية والأوروبيين إلى تحمل مسؤولية أكبر.
"لم يعد توسيع الاتحاد الأوروبي أو بناء المؤسسات الديمقراطية محور السياسة الأمريكية في البلقان"
من الناحية الاقتصادية، تولي السياسة الجديدة أهمية للدبلوماسية التجارية وحماية مصالح الشركات الأمريكية. وتنظر واشنطن إلى غرب البلقان على أنه ممر للنقل والطاقة، ومنطقة تحتوي على موارد طبيعية وعمالة مؤهلة وفرص في الغاز والكهرباء والبنية التحتية والتكنولوجيا. ومن هنا جاء التركيز على تصدير الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، وإنشاء خطوط ومحطات قادرة على إدخاله إلى وسط وجنوب شرقي أوروبا، وتقليص النفوذ الذي اكتسبته روسيا من خلال اعتماد بعض دول المنطقة على غازها.
وبذلك تختلف أدوات واشنطن الجديدة عن أدوات بروكسل: يقدم الاتحاد الأوروبي العضوية التدريجية والوصول إلى السوق والتمويل مقابل إصلاحات قانونية ومؤسسية، أما إدارة ترمب فتميل إلى اتفاقات ثنائية أسرع واستثمارات خاصة ومشروعات ذات مردود اقتصادي وجيوسياسي مباشر للولايات المتحدة. ومع أن ذلك لا يشكل قطيعة كاملة بين الطرفين، فكلاهما يريد الحد من النفوذ الروسي والصيني وتحسين أمن الطاقة، إلا أن الخلاف يدور حول الوسيلة: هل يجب إخضاع المشروع أولا لقواعد المنافسة والمشتريات والرقابة الأوروبية؟ أم يمكن تسريعه من خلال اتفاق سياسي مباشر مع مستثمر أمريكي؟
قادة الاتحاد الأوروبي ودول غرب البلقان في قمة تيفات، مونتينيغرو، 5 يونيو/حزيران 2026 (الفرنسية)ظهر التحول الأمريكي أولا في التعامل مع ميلوراد دوديك، الرئيس السابق لجمهورية صرب البوسنة. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، رفعت وزارة الخزانة الأمريكية العقوبات عن دوديك وأفراد من عائلته وحلفائه وشركات مرتبطة بهم. وجاءت الخطوة بعد قبول دوديك عمليا ترك منصبه الرئاسي تنفيذا لحكم قضائي صادر عن المحكمة الدستورية، وبعد التراجع عن بعض الإجراءات التي اعُتبرت مخالفة للنظام الدستوري.
لا يوجد دليل حاسم يثبت أن رفع العقوبات كان مقابلا مباشرا لموافقة دوديك على خط الربط الجنوبي، لكن التزامن بين تخفيف العقوبات، وتحسن علاقات دائرة دوديك بإدارة ترمب، وتراجع معارضته للمشروع الأمريكي؛ كل ذلك أدى إلى ظهور هذا التفسير في التحليلات السياسية. ومما زاد من قوة التحليلات القائلة بوجود صفقات تحت الطاولة، كان توقيع شركة غاز تابعة لجمهورية صرب البوسنة في أبريل/نيسان الماضي عقدا لبناء خط أنابيب من صربيا لنقل الغاز الروسي. ولذا بينما يهدف الخط الجنوبي إلى تقليل الاعتماد على روسيا، يعمل المشروع الآخر على توسيع الشبكة التي تستقبل الغاز الروسي عبر صربيا.
وانتقد رجل الأعمال الأمريكي (ونجل الرئيس) دونالد ترمب الابن الاتحاد الأوروبي أثناء زيارة إلى بانيا لوكا (عاصمة جمهورية صرب البوسنة) في 7 أبريل/نيسان الماضي، مشيدا بفوائد شراء الغاز الأمريكي، فيما سعت قيادة جمهورية صرب البوسنة إلى تقديم الزيارة باعتبارها دليلا على تحسن موقعها لدى واشنطن. ولذلك كانت أهميتها سياسية ورمزية وتجارية، مع أنها لا تمثل في حد ذاتها اتفاقا رسميا بين الولايات المتحدة وجمهورية صرب البوسنة.
"يتفق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على أهمية خط الربط الجنوبي، لكنهما يختلفان حول آلية تنفيذه"
يتفق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على أهمية خط الربط الجنوبي لأنه يمنح البوسنة منفذا ثانيا للغاز ويربطها بشبكة كرواتيا ومحطة الغاز المسال في جزيرة كرك. ويمكن لهذه الشبكة أن تنقل غازا أمريكيا أو غازا مُسالا من موردين آخرين. وقد بدأ الخلاف عندما عُدل قانون المشروع في أبريل/نيسان 2026، وأُخرجت شركة "بي إتش غاز" العامة من موقع المستثمر الرئيسي، وحلت محلها شركة "إيه إيه إف إس" المسجلة في سراييفو والمملوكة لشركة أمريكية تحمل الاسم نفسه. وجاء التعديل بعد ضغط سياسي ودبلوماسي أمريكي واضح لتسريع المشروع من خلال استثمار خاص مدعوم من واشنطن.
لم يعترض الاتحاد الأوروبي على جنسية المستثمر، ولا على تنويع مصادر الغاز. كان اعتراضه على تسمية شركة خاصة محددة في قانون خاص من دون مناقصة تنافسية، وعلى عدم وضوح ملكيتها وخبرتها وتمويلها النهائي، وعلى احتمال منحها سيطرة لا تتفق مع قواعد السوق الأوروبية. وفي رسالة مؤرخة بتاريخ 13 أبريل/نيسان 2026، حذر سفير الاتحاد الأوروبي في سراييفو، لويجي سوريكا، من أن القانون الخاص بالمشروع قد يعرقل اندماج البوسنة في سوق الطاقة الأوروبية، ويعرّض للخطر فرصا مالية تصل إلى نحو مليار يورو في مشروعات الطاقة والبنية التحتية ضمن خطة النمو.
دونالد ترمب الابن لدى وصوله للقاء قيادات سياسية ورجال أعمال في بانيا لوكا، 7 أبريل/نيسان 2026 (الفرنسية)امتد الخلاف الأوروبي الأمريكي إلى إحدى الركائز الكبرى في اتفاقية دايتون: الممثل السامي، وهو أعلى منصب سياسي ودولي أنشأته اتفاقية دايتون لمراقبة تنفيذ الاتفاق. فقد أعلن الممثل السامي الألماني كريستيان شميدت في مايو/أيار الماضي قراره الاستقالة، واصفا الخطوة بأنها "قرار شخصي"، لكنه قال لاحقا إنه تعرّض لضغط أمريكي "هائل ومفاجئ"، وإن مشروع خط الغاز لعب دورا في الخلاف، مع تأكيده أنه لم يكن معارضا للمشروع نفسه.
دخلت استقالة شميدت حيز التنفيذ في مطلع يوليو/تموز، ويقوم مقام شميدت حاليا الدبلوماسي الأمريكي ونائبه سابقا لويس جيه كريشوك. ولم تفضِ اجتماعات تعيين ممثل سام جديد إلى أي نتيجة، وسط خلافات أمريكية أوروبية. وقد فشل اجتماع حضره سفراء من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي وكندا واليابان وتركيا في تعيين خليفة لشميدت. من جهتها، دفعت إدارة ترمب بالدبلوماسي الإيطالي أنطونيو لاندي، فيما رشحت باريس ولندن وبرلين رينيه تروكاز، مبعوث فرنسا إلى البلقان. وقد حاولت برلين لاحقا اقتراح مرشح وسط هو الدنماركي بيتر سورنسون، المبعوث السابق للاتحاد الأوروبي في سراييفو، إلا أن المحاولة لم تأتِ بأي انفراجة.
تريد إدارة ترمب ممثلا ساميا بصلاحيات أضيق وبدور أقل تدخُّلا، بما يتفق مع إنهاء مرحلة الإشراف الدولي المفتوح. أما الأوروبيون فيرون أن تقليص المكتب يجب أن يتم تدريجيا وبالتوازي مع تقوية مؤسسات الدولة والتقدم نحو عضوية الاتحاد الأوروبي، وليس في وقت لا تزال فيه الانقسامات العرقية ومحاولات إضعاف الدولة قائمة.
كريستيان شميدت خلال اجتماع مجلس تنفيذ السلام في سراييفو في 3 يونيو/حزيران 2026 (الفرنسية)تدرك البوسنة ألا مصلحة لها في اختيار الولايات المتحدة باعتبارها ضدا للاتحاد الأوروبي أو العكس. فالولايات المتحدة توفر دعما سياسيا وأمنيا مهما، كما يُمكن لرأس المال الأمريكي أن يُسرّع تنويع الطاقة، في حين يُعد الاتحاد الأوروبي السوق الاقتصادي الأساسي للبوسنة، وأكبر شريك تجاري، ومصدر رئيسي للمساعدات، كما أن القوانين الأوروبية ستصبح ملزمة للبوسنة إذا أرادت العضوية. ولهذا لا يمكن استبدال طرفٍ بالآخر في نظر سراييفو.
ستكون الأشهر القليلة المقبلة كفيلة بالكشف عن آثار الخلافات الأوروبية الأمريكية في البوسنة والهرسك، وكيف ستوظّفها الأحزاب القومية في الحملات الانتخابية. ففي بلد يقوم استقراره منذ ثلاثة عقود على التوافق الداخلي والتنسيق الوثيق بين واشنطن وبروكسل، قد لا يُعطّل استمرار هذا الصدع مشروع خط الغاز والمسار الأوروبي فحسب بل قد يزيد هشاشة المؤسسات، ويمنح القوى الانفصالية والقومية ساحة أوسع لتعميق الانقسامات، ويُلقي بظلال كثيفة على اتفاق دايتون للسلام، الذي ربط البلاد بخيط رفيع وهش على مدار ثلاثة عقود.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة