آخر الأخبار

غضب الشرق.. هل صنع التهميش انتصار "البديل" الألماني؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يكن انتصار حزب "ب ديل لألمانيا" (إيه إف دي AfD) في انتخابات ساكسونيا أنهالت مجرد صعود انتخابي لليمين المتطرف، بل بدا -وفق قراءتي صحيفة ليبراسيون ومجلة لونوفيل أوبس الفرنسيتين- تعبيرا عن غضب متراكم شرق ألمانيا، حيث لم تنجح وحدة البلاد بعد أكثر من 3 عقود في محو شعور قطاعات من السكان بالتهميش والاستلاب.

وحصد "البديل" (البديل من أجل ألمانيا) 43.8% من الأصوات في انتخابات 6 سبتمبر/أيلول، متقدما بفارق كبير على الاتحاد الديمقراطي المسيحي "سي دي يو" (CDU) في نتيجة وصفتها لونوفيل أوبس بأنها صدمة سياسية غير مسبوقة لحزب يميني متطرف في ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "الجزار" بطل قومي.. صربيا تلمع راتكو ملاديتش وتغضب أوروبا
* list 2 of 2 مقاتلات سرية ومناطق محظورة.. الصين تشدد حماية الأسرار العسكرية end of list

وبفارق 3 مقاعد فقط عن الأغلبية المطلقة، بات الحزب قريبا من قيادة ولاية ألمانية للمرة الأولى منذ 1945، لكن خلف الرقم الكبير تكمن قصة أعمق، وفقا للتقريرين.

جرح الوحدة

يقول المؤرخ نيكولا أوفنشتات -في مقابلة مع ليبراسيون- إن تفسير التصويت لا يمكن اختزاله في العنصرية أو رفض المهاجرين، فهناك صعود عام لليمين المتطرف في أوروبا، ورفض للأحزاب التقليدية التي تبدو متشابهة وعاجزة عن مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن خصوصية شرق ألمانيا، حيث يشعر كثيرون بأنهم تراجعوا اجتماعيا وسياسيا بعد الوحدة.

ويختصر المؤرخ جوهر هذا الشعور بالقول "كلما شعر المرء بأنه مواطن من الدرجة الثانية، زاد تصويته لحزب البديل".

فالوحدة جلبت من جهة تحسنا في مستوى المعيشة وتجديدا للمدن والقرى، لكنها حملت من جهة أخرى صدمة اقتصادية هائلة، إذ أدت عملية الانتقال إلى اقتصاد السوق في تسعينيات القرن الماضي إلى انهيار آلاف الشركات وفقدان ملايين الوظائف، وترافقت مع هجرة أعداد كبيرة من سكان الشرق إلى الغرب وتراجع بعض الخدمات العامة.

عملية انتقال "ألمانيا الشرقية" إلى اقتصاد السوق في تسعينيات القرن الماضي أدت إلى انهيار آلاف الشركات وفقدان ملايين الوظائف، وترافقت مع هجرة أعداد كبيرة من سكان الشرق إلى الغرب وتراجع بعض الخدمات العامة

بواسطة أوفنشتات

وبقيت آثار تلك المرحلة حاضرة في المشهد الاجتماعي: مصانع مهجورة ومناطق فقدت سكانها ووظائف أكثر هشاشة وشعور بأن كلفة الوحدة لم توزع بالتساوي.

إعلان

ولهذا يحذر أوفنشتات من تجاهل "العنف الاجتماعي في سنوات التسعينيات" حين واجه الشرق البطالة الجماعية وتدهور أوضاع العمل، فيما تعرض سكانه أحيانا لنظرة غربية تقلل من شأنهم أو تصفهم بأنهم أقل كفاءة.

الجدار لا يزال في الرؤوس

وربما تكمن إحدى أكثر مفارقات المشهد وضوحا في أن الوحدة الألمانية لم تُنهِ تماما الانقسام بين المجتمعين، إذ ينقل أوفنشتات عن عالم الاجتماع شتيفن ماو عبارة قوية الدلالة "الجدار لا يزال في الرؤوس".

فالفوارق الاقتصادية والاجتماعية لا تزال قائمة، الأجور أقل في الشرق، كما تختلف أشكال المشاركة المجتمعية والسلوك السياسي، والأهم أن أجزاء واسعة من الاقتصاد والثقافة في الشرق ما زالت -بحسب أوفنشتات- تُدار من جانب نخب غربية أو وافدة من الغرب.

مصدر الصورة زعيم "البديل" يركب دراجة سيسمون النارية التي كانت معروفة بألمانيا الشرقية (رويترز)

وهنا يتشكل ما يسميه المؤرخ "الإحساس بالاستلاب": شعور متراكم بأن قرارات كبرى تتعلق بحياة سكان الشرق تُتخذ من خارج مناطقهم.

ويضيف أن هذا الإحساس يحمل طبقات تاريخية متراكمة: هيمنة السوفيات على ألمانيا الشرقية، ثم هيمنة القيم الغربية بعد 1990، وصولا إلى شعور بعض السكان بأن المهاجرين الذين وصلوا منذ 2015 "فرضوا" عليهم من خلال سياسات الحكومة.

كيف استثمر "البديل" الغضب؟

نجح حزب "البديل" في تحويل هذا الشعور إلى خطاب سياسي، ولم يكتفِ بمهاجمة الهجرة والنخب، بل حاول أيضا أن يستولي على جزء من ذاكرة ألمانيا الشرقية نفسها.

مصدر الصورة رائد الفضاء الألماني سيغموند يان (تاريخ الفضاء الأوروبي)

ففي حملته الانتخابية، استخدم رموزا مألوفة لسكان الشرق، مثل سيارة ترابانت والدراجات النارية سيمسون، واستعاد صورة رائد الفضاء سيغموند يان أحد رموز ألمانيا الشرقية، مقدما إنجازات تلك المرحلة باعتبارها إنجازات "ألمانية" لا مجرد إرث شيوعي.

وبذلك يقدم الحزب نفسه -وفق أوفنشتات- باعتباره القوة التي ستكمل "التغيير" الذي بدأ عام 1989-1990.

وهذه الإستراتيجية تساعد في تفسير قدرة "البديل" على اختراق شرائح انتخابية لم تكن تقليديا محسوبة على اليمين المتطرف، بما في ذلك بعض الناخبين السابقين لحزب "دي لينكه" وإن كان جزء كبير من ناخبي "البديل" جاء أيضا من المحافظين خصوصا "سي دي يو".

مفارقة مكافحة النازية

وتزداد المفارقة حدة في منطقة شرق ألمانيا، حيث جعل النظام الشيوعي من مكافحة الفاشية جزءا أساسيا من شرعيته.

غير أن أوفنشتات يرى أن هذا الإرث لا يكفي لتفسير الحاضر، فقد كانت ألمانيا الشرقية تقدم النازية من خلال رواية رسمية تربطها أساسا بـ"رأس المال الكبير" كما جرى تقديمها إلى حد بعيد بوصفها ظاهرة خارجية عن الألمان العاديين.

ثم جاءت سنوات التسعينيات بما حملته من صدمات اجتماعية، لتضيف طبقة جديدة إلى العلاقة المعقدة بين الشرق والغرب.

وهكذا، فإن المسافة التاريخية بين جمهورية ألمانيا الديمقراطية وبزوغ حزب "البديل" لا تعني غياب الصلة تماما، فالسنوات التي فصلت بينهما أنتجت جرحا اجتماعيا وسياسيا استطاع اليمين المتطرف استثماره.

من الاحتجاج إلى الحكم

أما السؤال الآن، فهو ما إذا كان "البديل" سيتمكن من تحويل انتصاره الانتخابي إلى سلطة فعلية، فالحزب فاز بـ39 مقعدا، ويحتاج إلى 3 مقاعد فقط لتحقيق الأغلبية، وهنا يبرز حزب تحالف سارة فاجنكنشت "بي إس دبليو" (BSW) الذي حصل على نحو 5.3%، بوصفه "صانع الملوك" المحتمل.

إعلان

وهناك تقاطعات بين الحزبين في قضايا مثل الهجرة والمواقف المؤيدة لروسيا والانتقادات الموجهة إلى الاتحاد الأوروبي، لكنهما يختلفان في ملفات أخرى، خصوصا الاقتصاد.

مصدر الصورة سارة فاجنكنشت التي حصل حزبها على 5.3% بالانتخابات الأخيرة (غيتي)

وتصف الباحثة إليسا غودين شتاينمان احتمال تشكيل ائتلاف بينهما بأنه "بعيد" فيما يرى الباحث بول موريس أن "بي إس دبليو" حزب يخلط تماما بين الخطوط.

وفي المقابل، يصر زعيم "البديل" بالولاية أولريش زيغموند على أن حزبه حصل على "تفويض واضح جدا للحكم".

أما الرئيس المشارك للحزب تينو تشوروبالا، فيرسل إشارة أكثر مرونة قائلا "السياسة دائما تسوية" داعيا نواب "سي دي يو" إلى تشكيل "أغلبية مدنية ومحافظة".

لكن "سي دي يو" رفض التحالف مع "البديل" مما يبقي "جدار العزل" السياسي أمام الحزب قائما، ولو أنه بات تحت ضغط متزايد.

صفعة لميرتس وقلق في أوروبا

النتيجة تمثل في الوقت نفسه ضربة قوية للمستشار فريدريش ميرتس الذي وعد بكبح صعود "البديل" لكن نتيجة ساكسونيا أنهالت جاءت عكسية تماما، حيث تقدم اليمين المتطرف بقوة، بينما تراجع حضور "سي دي يو" إلى نحو 17-18%.

وتقول لونوفيل أوبس إن ميرتس الذي يعاني أصلا من تراجع شعبيته وخلافات داخل ائتلافه مع الاشتراكيين الديمقراطيين، أقر بمسؤوليته عن الهزيمة، لكنه شدد على "تصميمه" على مواصلة الحكم، مؤكدا أن الأمر يتعلق بـ"مستقبل بلدنا".

مصدر الصورة الانتخابات مثلت ضربة قوية لميرتس (أسوشيتد برس)

لكن تداعيات انتصار "البديل" قد تتجاوز السياسة الحزبية، فالولايات الألمانية تتمتع بصلاحيات واسعة، خصوصا في مجال الشرطة والأمن، مما يثير تساؤلات حول احتمال وصول الحزب إلى معلومات حساسة إذا تولى مسؤولوه مواقع حكومية.

وتذهب غودين شتاينمان إلى أبعد من ذلك، إذ تصف "البديل" بأنه "حصان طروادة روسيا في ألمانيا" متسائلة عما إذا كان الشركاء الأوروبيون سيشعرون بالارتياح لتبادل معلومات أمنية حساسة مع مسؤولين من الحزب.

هل يصبح "غضب الشرق" عدوى سياسية؟

تكتسب النتيجة أهمية أكبر مع اقتراب انتخابات إقليمية أخرى في مكلنبورغ-فوربومرن وبرلين، فحزب "البديل" يتصدر استطلاعات مكلنبورغ-فوربومرن، فيما تبدو المنافسة في برلين مفتوحة بين عدة قوى.

وترى لونوفيل أوبس أن فوز ساكسونيا أنهالت قد يمنح الحزب زخما جديدا، خصوصا في الولايات الشرقية.

لكن جوهر المسألة -كما تكشفه قراءة ليبراسيون- يتجاوز صعود حزب بعينه: حزب البديل استفاد من غضب لم يصنعه وحده.

إنه غضب اقتصادي ولد من صدمة ما بعد الوحدة، وشعور سياسي بأن الشرق لا يزال أقل تمثيلا في النخب، وإحساس بالاستلاب تجاه قرارات تتخذ من الغرب، فضلا عن تراجع الثقة بالأحزاب التقليدية.

ولهذا يبدو ما تطرحه انتخابات ساكسونيا أنهالت أوسع من سؤال: لماذا صوّت الناخبون لـ"البديل"؟ فالسؤال هو: هل صنعت ألمانيا الموحدة، من دون أن تقصد، البيئة التي سمحت لغضب الشرق بأن يتحول إلى انتصار لليمين المتطرف؟

فقد سقط جدار برلين قبل أكثر من 3 عقود، لكن كما يقول أوفنشتات "الجدار لا يزال في الرؤوس" وربما يكون انتصار "البديل" في ساكسونيا أنهالت أقوى دليل حتى الآن على أن بعض آثار الانقسام الألماني لم تدفن مع الوحدة، بل وجدت لنفسها لغة سياسية جديدة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا