في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
من بائع معطرات الجو إلى أبواب السلطة الألمانية.. دراجة من زمن ألمانيا الشرقية، ملايين المشاهدات على تيك توك، ابتسامة لا تفارقه، ومشروع سياسي شديد التطرف، هذه قصة أولريش سيغموند، الرجل الذي جعل اليمين المتطرف يبدو أكثر ودّا، فيما يقترب هو وحزب "البديل من أجل ألمانيا" من اختراق أحد أهم المحرّمات في ألمانيا ما بعد النازية.
حين ظهر أولريش سيغموند أمام أنصاره في سكسونيا أنهالت، لم يكن المشهد يشبه الصورة التقليدية لتجمعات اليمين المتطرف، طوابير طويلة لالتقاط الصور، عناق ومصافحات، قمصان تحمل صورته، ونسخ من مجلة دير شبيغل التي وصفته بـ"الرجل الأخطر في ألمانيا" تنتظر توقيعه، وبعض تلك النسخ التي وقّعها بِيعت لاحقا بأكثر من ألف يورو ، حسب صحيفة لوموند الفرنسية.
لكن خلف هذا المشهد الاحتفالي قصة سياسية أكثر صخبا، ففي انتخابات 6 سبتمبر/أيلول 2026، تصدر حزب البديل النتائج في الولاية بنحو 44% وفق النتائج الأولية، ليقترب للمرة الأولى من قيادة حكومة إقليمية ألمانية منذ انهيار النازية، فمن هو "أولي/ Ulli" الذي صنع هذه القفزة؟ هذه عشرة مفاتيح لفهم الرجل وصعوده.
لم يعد سيغموند مجرد نجم انتخابي، ففوز حزب البديل في سكسونيا أنهالت وضعه على عتبة منصب رئيس حكومة الولاية، وهو منصب أقوى بكثير من نظيره في النظام الفرنسي، لأن حكومات الولايات الألمانية تملك صلاحيات مهمة في التعليم والنقل والشرطة، وفقا لموقع ميديابارت الفرنسي.
وإذا تمكّن الحزب من تشكيل الحكومة، فستكون سابقة تاريخية في ألمانيا الديمقراطية التي أُعيد تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية، وهي الديمقراطية التي صُمم نظامها السياسي أصلا لمنع المتطرفين من الوصول إلى السلطة.
حين وصفته مجلة دير شبيغل الألمانية بـ"الرجل الأخطر في ألمانيا"، لم ينزعج سيغموند، بل جعل من العبارة شعارا انتخابيا، وكان يوقّع على المجلة لأنصاره ويستمتع بالمفارقة.
لكن الخطر الذي تشير إليه التسمية ليس مجرد انطباع صحفي، فجهاز الاستخبارات الداخلية في سكسونيا أنهالت يصنف فرع حزب البديل في الولاية منظمة يمينية متطرفة.
وتكشف صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية جانبا أكثر إثارة للجدل، فقد رفض سيغموند في مقابلة مع موقع بوليتيكو الأمريكي أن يحكم بأن الهولوكوست هو "أسوأ جريمة" في تاريخ البشرية، كما امتنع عن إدانة أنصار له رددوا اسمه بطريقة تحاكي التحية النازية.
تكمن براعة سيغموند في أن برنامجه لا يظهر في مقدمات حملته بقدر ما تظهر شخصيته، لكن خلف الابتسامة برنامج شديد التشدد، وفقا للوموند.
يتعهد الرجل بتسريع ترحيل المهاجرين، وإلزام طالبي اللجوء بأعمال ذات منفعة عامة، وإنشاء فصول خاصة لأطفال اللاجئين، كما يريد تقليص تمويل الإعلام العام، وحظر أعلام قوس قزح في المدارس، وتعزيز نموذج الأسرة المؤلف من رجل وامرأة.
ويمتد المشروع إلى البيئة والتعليم والعلاقات مع روسيا، وصولا إلى اقتراح إنشاء "مليشيا مواطنين متطوعين".
وُلد سيغموند عام 1990، بعد أسابيع من توحيد ألمانيا، ونشأ في تانغيرموند، المدينة الصغيرة الخلابة في الشرق.
لكنه جعل من ذاكرة ألمانيا الشرقية مادة انتخابية، وتقول نيويورك تايمز إن مناطق الشرق عانت بعد الوحدة من تراجع اقتصادي وسكاني وارتفاع للبطالة، مما غذى شعورا بالغبن استثمره حزب البديل.
ميديابارت: تجربة سيغموند التجارية مفتاح لفهم أسلوبه السياسي: منتج عادي، لكن تغليف جذاب ورسالة تسويقية ذكية، ولذلك يقول منتقدوه إنه لا يبيع سياسة جديدة بقدر ما يبيع غلافا جديدا لسياسة قديمة.
والمفارقة أن سيغموند نفسه لم يعش في ألمانيا الشرقية فعليا، ومع ذلك، يقدم نفسه بوصفه صوت ذلك الشرق، مستفيدا من ظاهرة "Ostalgie" أي الحنين إلى بعض جوانب الحياة السابقة للوحدة.
قبل السياسة، عمل سيغموند في إدارة الحسابات لدى مؤسسة للرعاية الصحية، ثم أسس في برلين شركة لبيع مُعطّرات الجو.
وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات قصته إثارة، ففي مقابلة تجارية عام 2014 قال: "اكتشفت قوتي في البيع مبكرا.. أحب أن أبيع"، وفقا لنيويورك تايمز.
أما ميديابارت فتعتبر تجربته التجارية مفتاحا لفهم أسلوبه السياسي: منتج عادي، لكن تغليف جذاب ورسالة تسويقية ذكية، ولذلك يقول منتقدوه إنه لا يبيع سياسة جديدة بقدر ما يبيع غلافا جديدا لسياسة قديمة.
في سن 18 عاما، انضم سيغموند إلى الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الحزب المحافظ التقليدي الذي يقود الحكومة الاتحادية حاليا، لكنه غادره في عام 2014، بعد عام من تأسيس حزب البديل.
وبحسب روايته، انجذب إلى الحزب الجديد لأنه رفض ما اعتبره سياسات متعالية من برلين، أما خصمه في الاتحاد الديمقراطي سفن تشيكالا، فقال للوموند إن سيغموند لم ينجح في الصعود داخل هياكل الحزب، فانتقل إلى "حزب البديل".
وفي عام 2016، انتُخب عضوا ببرلمان الولاية، في انتخابات حصل فيها "البديل" على 24% من الأصوات.
جاءت اللحظة الفاصلة أثناء جائحة كورونا، فقد ظهر سيغموند في مقاطع قصيرة ينتقد الكمامات واللقاحات والقيود الحكومية، مستخدما نبرة هادئة وابتسامة بعيدة عن لغة الغضب التقليدية.
كانت النتيجة انفجارا رقميا: ملايين المشاهدات، ثم أكثر من 850 ألف متابع على تيك توك، بحسب نيويورك تايمز.
وتقول أستاذة العلوم السياسية باولا ديل للصحيفة إن فعالياته "ليست موجهة أساسا للجمهور الموجود في المكان، بل للإنترنت"، فهو يصور الحشود بهاتفه، ثم يعيد بيع المشهد نفسه بوصفه دليلا على شعبيته.
حين يقود سيغموند دراجة سيمسون (Simson) زرقاء صغيرة في ريف سكسونيا أنهالت، فهو لا يقوم بجولة ترفيهية، إذ إن الدراجة نفسها رمز من رموز ألمانيا الشرقية.
وتشير ميديابارت إلى أن نحو 70% من ناخبي الولاية تزيد أعمارهم على 40 عاما، ما يجعل الرمز مألوفا ومشحونا بالذاكرة.
وفي بعض فعالياته ظهرت إشارات إلى رموز ألمانيا الشرقية، بينما أدى فنان النشيد الوطني لألمانيا الشرقية في إحدى المناسبات، الأمر الذي أثار حرجا حتى داخل حزب البديل نفسه.
في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، حضر سيغموند اجتماعا سريا قرب بوتسدام، ناقش خلاله الناشط النمساوي مارتن زيلنر مشروع "إعادة الهجرة"، أي تصور لترحيل أعداد كبيرة من الأجانب والألمان من أصول أجنبية.
لكن القضية لم تكن محصورة عليه، إذ تكشف ميديابارت ونيويورك تايمز أن عددا من أعضاء فريقه لهم صلات بتيارات يمينية متطرفة، وبينهم الناطق باسمه الذي سبق أن انتمى إلى منظمة شبابية محظورة مستوحاة من "شباب هتلر"، وقد أدت فضيحة اجتماع بوتسدام إلى احتجاجات ضخمة ضد اليمين المتطرف في ألمانيا.
لا يخفي سيغموند أن عينه تتجاوز حدود سكسونيا أنهالت، بالنسبة إلى ميديابارت، يمثل انتصار ماغديبورغ الخطوة الأولى في مشروع أكبر للوصول إلى السلطة.
ويقدم سيغموند نفسه كرجل يستطيع إعادة التفاؤل إلى بلد "يتدهور إلى الأسفل"، كما قال لنيويورك تايمز، مؤكدا أنه يريد أن "تبدأ الأمور في الصعود".
أما أحد أنصاره فقال للوموند إنه يراه مستشارا لألمانيا في عام 2033، لا 2029، والمفارقة التاريخية ثقيلة: 2033 هي الذكرى المئوية لوصول الزعيم النازي أدولف هتلر إلى السلطة.
وخلاصة القول أن سيغموند ليس مجرد سياسي يميني متطرف آخر، فقوته تكمن في طريقة تقديمه نفسه، كشاب مبتسم قريب من الناس، بارع في تيك توك، يقود دراجة من ذاكرة الشرق، ويتحدث عن "الأمل" و"المستقبل"، لكن خلف هذا الغلاف توجد سياسات شديدة الصرامة تجاه الهجرة، والثقافة، والإعلام، والمناخ، إلى جانب شبكة من العلاقات مع أوساط يمينية متطرفة.
وهنا تكمن المفارقة التي تفسر صعوده: قد لا يكون أخطر ما في سيغموند أنه يبيع التطرف، بل أنه نجح في بيعه بطريقة تبدو لكثيرين أقل تطرفا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة