قال مسؤولون حكوميون وخبراء أمن إن القرار المفاجئ الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي بتقليص التدريبات العسكرية مع كوريا الجنوبية، والتي وصفها بأنها معادية لبيونغ يانغ، عزز المخاوف من أن العجز عن التنبؤ بتصرفات ترامب قد يضغط على التحالفات التي حافظت لفترة طويلة على السلام في المنطقة. وتخشى اليابان أن تكون هي الأخرى هدفا لترامب مع خوضها مفاوضات أمنية شائكة، وتراقب تايوان بحذر القمة المرتقبة بين ترامب والرئيس الصيني شي جينبينغ، بينما تتزايد شكوك الهند بشأن مكانتها في حسابات واشنطن الاستراتيجية.
وقال جيريمي تشان المحلل الكبير لدى شركة يوراسيا غروب الاستشارية المتخصصة في المخاطر السياسية والدبلوماسي الأمريكي السابق في اليابان والصين "من المؤكد أن هذا القرار سيؤجج الشكوك المتزايدة في المنطقة بشأن التزامات الولايات المتحدة الأمنية".
وذكرت سول اليوم (الاثنين 25 أغسطس / آب 2025) إن الولايات المتحدة ألغت تدريبات عسكرية أخرى مع كوريا الجنوبية كانت مقررة الشهر المقبل بعد أن إشارة واشنطن إلى محدودية القوات الأمريكية المتاحة بسبب حرب إيران، وهو ما يزيد من شدة القلق. وقال مسؤول في البيت الأبيض، ردا على سؤال حول هذه المخاوف، إن ترامب محبط من إحجام حلفاء الولايات المتحدة عن دعم حربه على إيران، وإنه أوضح أن على الكثير منهم إنفاق المزيد على دفاعاتهم. وأضاف المسؤول أن واشنطن لا تزال ملتزمة بالتعاون مع سول.
وقال مصدر مطلع على المناقشات الجارية بين المسؤولين الأمريكيين والكوريين الجنوبيين إن ترامب يتوق إلى استئناف المحادثات مع كوريا الشمالية وتحقيق إنجاز على الساحة الدولية، في وقت يواجه فيه ضغوطا بسبب حرب إيران التي تلقى معارضة معظم الأمريكيين.
يريى إتسونوري أونوديرا النائب الياباني الكبير ووزير الدفاع السابق أن مساعي ترامب للقاء كيم جونغ أون - التي قوبلت حتى الآن برد فعل فاتر من بيونغ يانغ، قد تأتي بنتائج عكسية وتزيد كوريا الشمالية المسلحة نوويا جرأة. وقال في برنامج إخباري على قناة (فوجي تي.في) التلفزيونية الخميس الماضي إن مثل هذا الاحتمال يمثل "مصدر قلق بالغ" لطوكيو. وعلى الرغم من مبادرة ترامب، أطلقت بيونغ يانغ سلسلة من الصواريخ الباليستية قبالة سواحلها الشرقية في وقت سابق من ذلك اليوم لتعلن كوريا الجنوبية واليابان المجاورتان حالة التأهب.
وأكثر ما يقلق المسؤولين اليابانيين هو نهج ترامب في وقت تستعد فيه طوكيو لمحادثات مع واشنطن حول المبلغ الذي ينبغي أن تتحمله لتغطية تكاليف استضافة القوات الأمريكية، أكبر انتشار عسكري للولايات المتحدة في الخارج. وقال مسؤول كبير في الحكومة اليابانية، طلب عدم نشر اسمه نظرا لحساسية الموضوع، إن اليابان تتوقع أن يطالب ترامب، دون تمهيد يذكر، بزيادة حادة في التكاليف، وهو ما سيكون من الصعب تقبله سياسيا.
ويقول محللون إن ترامب ربما يستخدم أيضا التدريبات العسكرية الأمريكية المرتقبة مع اليابان في أكتوبر تشرين الأول ورقة ضغط. وقلل مسؤولون في واشنطن وطوكيو من احتمال تقليص حجم التدريبات، لكنهم حذروا من أن ترامب قد يغير رأيه في أي لحظة. وربما تكون هذه التدريبات، المعروفة باسم السيف الحاد، أصغر حجما بالفعل من نسخة عام 2024 بسبب تحويل الموارد والعسكريين الأمريكيين إلى الصراع مع إيران.
شمل تقليص الموارد الدفاعية الأمريكية في آسيا مغادرة "جورج واشنطن"، وهي حاملة الطائرات الأمريكية الوحيدة في آسيا، إلى الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة لتخفيف العبء عن حاملة الطائرات إبراهام لينكولن، وأثار ذلك مخاوف من أن الردع الأمريكي ضد الصين آخذ في التآكل. وخلال زيارة إلى آسيا هذا الشهر، قال وكيل وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون السياسات إلبريدج كولبي إن العمل مع الحلفاء لضمان الاستعداد القتالي على طول ما يُسمى سلسلة الجزر الأولى الممتدة من اليابان مرورا بالفلبين يمثل أولوية لواشنطن.
ولا توجد منطقة تتصاعد فيها المخاوف حيال الضغط العسكري الصيني المتزايد أكثر من تايوان، الجزيرة المتمتعة بنظام حكم ديمقراطي وتطالب بكين بالسيادة عليها. وأرجأ ترامب الموافقة على حزمة مبيعات أسلحة بقيمة 14 مليار دولار إلى تايبه من أجل الحفاظ على العلاقات الودية والهدنة التجارية الهشة مع الرئيس الصيني.
وفي حين يستعد ترامب لقمة أخرى مع شي في واشنطن الشهر المقبل، يتوقع مسؤولون في تايبه أن تقسم واشنطن، على أقل تقدير، مبيعات الأسلحة إلى أحجام أصغر في مسعى لتجنب إثارة غضب شديد من بكين.
ويقول دومينغو يانغ من معهد أبحاث الدفاع والأمن الوطني، وهو مركز دراسات تابع لوزارة الدفاع التايوانية، إن هناك فرقا بين خطاب ترامب والسلوك الفعلي للولايات المتحدة، مشيرا إلى أن التعاون بين الولايات المتحدة وتايوان لا يزال متينا مثل تبادل معلومات المخابرات والتدريب والدوريات.
ويقول محللون في مجال الأمن إن أحدث الإجراءات التي اتخذها ترامب هزت أيضا ثقة الهند، حيث تخاطر الولايات المتحدة بإهدار سنوات من الجهود الرامية إلى التقارب مع نيودلهي باعتبارها قوة موازنة لروسيا والصين.
ويأتي ذلك أيضا في أعقاب قرار البنتاغون في يونيو/ حزيران بإعادة تسمية مقره العسكري في آسيا من قيادة منطقة المحيطين الهندي والهادي إلى قيادة المحيط الهادي، وهي خطوة يقول بعض المحللين إنها تشير إلى أن الهند لم تعد تتمتع بالأهمية الاستراتيجية نفسها بالنسبة لواشنطن.
ونفى البنتاغون حدوث تحول من هذا القبيل. لكن الهند غضبت بالفعل بسبب الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها ترامب على الصادرات الهندية وحديثه المتكرر عن التوسط في وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان. وذكر مصدران هنديان إن المسؤولين يتوخون الآن "الحذر الشديد" إزاء الالتزام باتفاقات دفاعية طويلة الأمد مع واشنطن.
تحرير: عادل الشروعات
المصدر:
DW