لم تكن الغارات الإسرائيلية، التي استهدفت مطار "أبو الظهور" العسكري في شرقي مدينة إدلب، مجرد ضربة استباقية، بل محاولة إسرائيلية لرسم حدود القوة المسموح بها في سوريا الجديدة، ومنعها من إعادة بناء قدرات عسكرية (خاصة جوية)، ترى فيها إسرائيل تهديدا مستقبليا لأمنها.
يبدو أن الرسائل السياسية والعسكرية، التي حملتها الضربة لكل من سوريا وتركيا، كانت أكبر بكثير من حجم الدمار الذي خلفته، خاصة أن المطار خارج عن الخدمة منذ سنوات عديدة، ولم يكن يشهد أي نشاط جوي عملياتي، الأمر الذي يطرح أسئلة عن سبب اختياره هدفا للضربة.
تأتي هذه الضربة الإسرائيلية في سياق تحدي تركيا واستفزازها، إذ ركزت الرواية الإسرائيلية بشكل مباشر على البعد التركي
الملاحظ هو أن الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة للأراضي السورية، لم تعد مجرد عمليات عسكرية روتينية، إذ يشكل قصف مطار "أبو الظهور" تحولا لافتا، ونوعيا، في الاعتداءات الإسرائيلية من حيث التوقيت والأهداف والجغرافيا، بالنظر إلى:
أولا: يتجسد هذا التحول في أن الاستهداف نقل مسرح العمليات الإسرائيلية نحو أقصى الشمال السوري، وعلى مقربة مباشرة من خطوط التماس مع الجانب التركي، حيث يبعد المطار نحو 70 كيلومترا عن الحدود التركية.
ثانيا: تأتي هذه الضربة الإسرائيلية في سياق تحدي تركيا واستفزازها، إذ ركزت الرواية الإسرائيلية بشكل مباشر على البعد التركي.
وجاءت الغارات بعد ساعات من زيارة وفد عسكري تركي للمطار، بذريعة أن أنقرة تعمل على إنشاء قاعدة عسكرية فيه، وذلك على الرغم من نفي المسؤولين السوريين والأتراك لأي وجود عسكري تركي داخله، الأمر الذي يزيد من حجم الشكوك حول المستهدف الحقيقي بها.
ثالثا: تزامنت الضربة مع تصعيد لافت في الخطاب السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تجاه تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، مما يشير إلى أن حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية تسعى لتوظيف الأجواء السورية، من أجل توجيه رسائل ردع استباقية تتجاوز سوريا لتطال جارها التركي مباشرة.
رابعا: يتعلق استهداف أبو الظهور بما يمكن أن يصبح عليه مستقبلا، وليس بوضعه الحالي. ويتسق هذا مع الإستراتيجية الجديدة التي تتبعها إسرائيل حيال سوريا، وتقوم على منع تشكيل وقائع عسكرية جديدة، وضربها قبل اكتمالها، لا بعد تحولها إلى أمر واقع.
يصعب النظر إلى الغارات على "أبو الظهور" باعتبارها حادثة منفصلة عن سياق أوسع. فمنذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، تعرضت سوريا لأكثر من 480 غارة إسرائيلية، إضافة إلى نحو 900 توغل بري داخل الأراضي السورية.
استهدفت إسرائيل عددا من المواقع العسكرية السورية التي ارتبط اسمها ببرامج إعادة التأهيل أو بالتعاون العسكري السوري التركي، من بينها مطار "تي فور" في تدمر، ومطار "حماة" العسكري. إضافة إلى سعيها توسيع نطاق الاحتلال، وإنشاء مناطق أمنية، وإقامة نقاط عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي السورية.
هذا يعني أن المسألة لم تعد مجرد ضربات جوية استباقية لاحتواء تهديدات، بل انتقلت إلى إدارة المجال الميداني وتشكيله، ومحاولة إنتاج وقائع قابلة للتحويل لاحقا إلى ترتيبات سياسية وأمنية.
يدخل كل ذلك ضمن إستراتيجية إسرائيلية للتعامل مع سوريا الجديدة، تهدف إلى إبقائها مجالا أمنيا ضعيفا ومفككا، وغير مسموح لها بالوقوف على قدميها والنهوض من جديد
وترافقت الاعتداءات مع تصاعد وتيرة التهديدات الإسرائيلية الموجهة إلى سوريا، ووصفها بأنها "غزة المضخمة"، وأن المواجهة معها حتمية، واعتبار الرئيس السوري أحمد الشرع "العدو المقبل لإسرائيل".
ويدخل كل ذلك ضمن إستراتيجية إسرائيلية للتعامل مع سوريا الجديدة، تهدف إلى إبقائها مجالا أمنيا ضعيفا ومفككا، وغير مسموح لها بالوقوف على قدميها والنهوض من جديد.
يظهر كل ذلك أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي تحاول التخلص من تقييد يديها بتوسيع الحرب في المنطقة، عبر اللجوء إلى توزيع الضربات والاعتداءات على أكثر من ساحة. وهو أمر يحتاجه نتنياهو لدعم رصيده الشخصي والحزبي قبل الانتخابات المقبلة في أكتوبر، ويلقى صداه بين أوساط اليمين المتطرف الإسرائيلي.
كانت دمشق حريصة على ترسيخ صورة جديدة ومختلفة عن صورتها السابقة إبان فترة نظام الأسد الساقط، وتقديم نفسها باعتبارها طرفا يبحث عن الاستقرار وإعادة الإعمار وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ولا يسعى إلى فتح جبهات جديدة في المنطقة.
ووفق هذا المنظور، لم تتخذ الحكومة السورية أي خطوات عدائية تجاه إسرائيل، وحاولت طوال الأشهر السابقة التوصل إلى اتفاق أمني جديد لخفض التصعيد على الحدود بين الجانبين. لكن مقاربتها بدأت بالتغير بسبب الاشتراطات الإسرائيلية، وخلصت إلى أنها بحاجة إلى الدفاع عن نفسها في مواجهة العدوانية الإسرائيلية.
في مقابل الغطرسة الإسرائيلية، اختارت دمشق مسارا مختلفا، وحافظت على الدبلوماسية والنهج البراغماتي، من خلال تبني خطاب سياسي يركز على إدانة الاعتداءات والتحرك ضمن القنوات الدولية والقانونية، وعلى حشد مواقف عربية وإقليمية ودولية رافضة للانتهاكات الإسرائيلية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، على الرغم من تكرار الاستهدافات والتوغلات.
انخرطت دمشق في عدد من جولات التفاوض والاتصالات غير المباشرة التي جرت بوساطة أمريكية. وما تزال مستعدة للانخراط مجددا فيها بغية التوصل إلى تفاهمات أمنية جديدة توقف العدوانية الإسرائيلية، لكنها في الوقت نفسه ترفض القبول بشروط الإذعان والاستسلام الإسرائيلية.
ليس أمام الإدارة السورية سوى الاستمرار بالنهج السياسي البراغماتي، لكنها في الوقت نفسه لن تتخلى عن تعزيز علاقات التعاون مع تركيا (وغيرها) في كافة المجالات، من أجل تعزيز قدراتها ونهوضها.
وصف المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى سوريا والعراق، والسفير في تركيا في الوقت نفسه، توماس براك، الضربة الإسرائيلية بالتصعيد غير المبرر، وعكست تصريحاته حجم القلق الأمريكي من احتمال تحول الساحة السورية إلى نقطة صدام مباشر بين حليفي الولايات المتحدة، تركيا وإسرائيل.
ليست إسرائيل في وارد منح سوريا فرصة للتعافي، وليس أمام الإدارة السورية الجديدة سوى المضي في اعتماد مقاربات تتسم بالواقعية السياسية، والاعتماد على الحاضنة العربية، والدول الصديقة، من أجل كبح العدوانية الإسرائيلية
لا يخفى على أحد حجم التوتر المتصاعد في العلاقات بين تل أبيب وأنقرة، على خلفية ملفات كثيرة، إلى درجة أنه صدرت تحذيرات من أطراف عدة من أن صداما عسكريا بين الطرفين بات احتماله قائما.
تحدث براك عن أن العمل جار على إنشاء آلية تنسيق أمني تمنع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا، وأن تركيا لم تتلق إخطارا مسبقا بالضربة الإسرائيلية، ورصدت أجهزتها المقاتلات الإسرائيلية المتجهة نحو حدودها.
وكان يمكن أن يقود ذلك إلى رد فعل مختلف لو سارت الأمور في اتجاه آخر، و"لحسن الحظ، تمكنت العقول الهادئة من منع الوضع من التدهور أكثر".
بدورها، اعتبرت الخارجية التركية الغارات على مطار أبو الظهور تهديدا مباشرا للأمن القومي، ودانتها بشدة ودعت " المجتمع الدولي لاتخاذ موقف أكثر حزما لوقف العدوان الإسرائيلي المتصاعد على سوريا ومحاسبة المسؤولين عن هذه الأعمال التي تتجاهل القانون الدولي".
أما الرئاسة التركية فقد نفت المزاعم التي أطلقها مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحق تركيا، لأنها "تهدف إلى شرعنة الغارات الإسرائيلية غير القانونية التي تستهدف سيادة سوريا ووحدة أراضيها".
ووجهت رسالة إلى إسرائيل، أكدت فيها أن تركيا "ستواصل بحزم التعاون مع الحكومة السورية على أساس مشروع من أجل إرساء الأمن والاستقرار والرفاه في سوريا، ولن تسمح بأي حال من الأحوال بزعزعة استقرار سوريا".
إذا، لن تغير الضربة الإسرائيلية في خيارات تركيا ومواقفها حيال مواصلة التعاون مع سوريا، لكن، ليس مرجحا أن يفضي التباعد بين موقفي كل من تركيا وإسرائيل حيال سوريا إلى انخراط في صدام عسكري مباشر بينهما، خاصة وأن إسرائيل تعي تماما التكلفة الباهظة لأي صدام مباشر مع تركيا، بالنظر إلى قوتها العسكرية، وتمتعها بعضوية حلف شمال الأطلسي ( الناتو)، والعلاقات المميزة التي تربط رئيسها برئيس الولايات المتحدة، فضلا عن أنها دولة قادرة على الوقوف بوجه محاولات إسرائيل الرامية إلى الاستفراد بدول المنطقة.
تحمل الضربة الإسرائيلية ما هو أبعد من رسالة مزدوجة إلى تركيا وسوريا، لتندرج ضمن محاولة إسرائيلية لإعادة تشكيل سوريا وفق الرؤية الإسرائيلية، وإبقائها في حالة ضعف وفق ما تقتضيه العقلية الأمنية لليمين الإسرائيلي المتطرف.
يتسق هذا التوجه مع ما تقوم به إسرائيل في مناطق الجنوب السوري، حيث تمنع أي وجود عسكري سوري فيه، مقابل دعمها الكبير للمحاولات الانفصالية التي يقودها الزعيم الروحي للموحدين الدروز حكمت الهجري ومسلحيه في محافظة السويداء.
من حق سوريا المنهكة والمدمرة، بعد أكثر من 14 عاما من الحرب التي خاضها نظام الأسد البائد ضد السوريين، البحث عن فرصة لإعادة بناء الدولة، لذلك تحاول تجنب أي صدام مع إسرائيل.
لكن الأخيرة ليست في وارد منحها فرصة للتعافي، وليس أمام الإدارة السورية الجديدة سوى المضي في اعتماد مقاربات تتسم بالواقعية السياسية، والاعتماد على الحاضنة العربية، والدول الصديقة، من أجل كبح العدوانية الإسرائيلية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة