آخر الأخبار

5 أسئلة حول اتفاقية مكة.. هل تمثل نواة لـ"ناتو إسلامي"؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أعاد إعلان تركيا والسعودية وباكستان توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك فتح النقاش بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في العالم الإسلامي، لا سيما بعد تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان التي شبّه فيها الاتفاق، من الناحية الفنية، بمبدأ الدفاع المتبادل الوارد في المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي ( الناتو).

وأشار فيدان إلى أن الاتفاقية ستتضمن أمانة عامة ولجنة وزارية على غرار الحلف الأطلسي، مع إمكانية انضمام دول أخرى إليها مستقبلا، وفي مقدمتها مصر بعد تسوية بعض المسائل الفنية.

وقال فيدان إن رؤية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تقوم على "ألا نقتصر على الدول الثلاث، بل أن نتوسع وأن نضم، إذا لزم الأمر، جميع الدول تحت سقف الاتفاقية"، في إشارة إلى طموح أنقرة لتحويل الاتفاق إلى إطار أمني أوسع يتجاوز حدود التعاون الثلاثي الحالي.

وفي ضوء هذه التصريحات، يبرز تساؤل رئيسي: هل تشكل اتفاقية مكة للدفاع المشترك نواة لتحالف دفاعي إسلامي واسع النطاق، أم أنها لا تزال أقرب إلى إطار للتنسيق السياسي والأمني دون الوصول إلى مستوى التحالفات العسكرية المؤسسية الكبرى؟

مصدر الصورة المادة الخامسة من ميثاق الناتو تنص على أن أي هجوم مسلح على دولة عضو يُعد هجوما على جميع الأعضاء (غيتي)

على ماذا تنص المادة الخامسة من ميثاق الناتو؟

تُعد المادة الخامسة أشهر مواد معاهدة حلف شمال الأطلسي، إذ تنص على أن أي هجوم مسلح يقع على دولة عضو أو أكثر في أوروبا أو أمريكا الشمالية يُعد هجوما على جميع أعضاء الحلف.

وبموجب هذه المادة، يلتزم كل عضو بمساعدة الدولة التي تعرضت للهجوم عبر اتخاذ ما يراه ضروريا من إجراءات، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، بهدف استعادة الأمن والحفاظ عليه في منطقة شمال الأطلسي.

غير أن المادة الخامسة لا تفرض شكلا موحدا للمساعدة، فلا تجبر جميع الدول الأعضاء على إرسال قوات قتالية بصورة تلقائية، بل تترك لكل دولة تحديد طبيعة الدعم الذي ستقدمه، سواء كان عسكريا أو استخباراتيا أو لوجيستيا أو سياسيا.

إعلان

وعمليا، يتم تفعيل المادة من خلال إعلان الدولة المتضررة تعرضها لهجوم، ثم اجتماع أعضاء الحلف للتشاور قبل أن تقرر كل دولة حجم ونوعية مساهمتها.

ولم تُفعّل هذه المادة سوى مرة واحدة في تاريخ الناتو بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة .

اتفاقية مكة.. مبدأ مشابه للناتو

تنص اتفاقية مكة للدفاع المشترك، الموقعة في 7 أغسطس/آب 2026، على أن "أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يعد هجوما عليها جميعا"، إلى جانب تعزيز مجالات التعاون الدفاعي والعسكري والاستخباراتي بين السعودية وتركيا وباكستان.

ولهذا السبب تحديدا شبّه فيدان الاتفاق بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو، إذ يقوم الطرفان على فكرة الردع الجماعي والدفاع المشترك ضد أي اعتداء خارجي.

غير أن التشابه في المبدأ لا يعني التطابق في البنية أو القدرات؛ فالناتو يمتلك قيادة عسكرية موحدة وهيكلا مؤسسيا متكاملا وخطط عمليات وقوات جاهزة للتدخل، بينما لا تزال آليات الاتفاق الجديد في مرحلة التأسيس.

مصدر الصورة هاكان فيدان شبّه الاتفاق مكة من الناحية الفنية بمبدأ الدفاع المتبادل الوارد في المادة الخامسة من ميثاق الناتو (غيتي)

هل تعني "اتفاقية مكة" تدخلا فوريا عند وقوع هجوم؟

ومن بين أكثر التساؤلات التي أثيرت عقب توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك طبيعة الالتزامات التي تفرضها على الدول الأعضاء في حال تعرض إحدى الدول الثلاث لهجوم، وما إذا كانت تقتضي تدخلا عسكريا فوريا وتلقائيا.

وفي هذا السياق، أوضح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الاتفاقية تتضمن في مرحلتها الحالية التزامات عامة، مشيرا إلى أن آليات تطبيق هذه الالتزامات وتفاصيلها العملية ستُحدد من خلال المؤسسات واللجان التي ستنشأ في إطار الاتفاق.

وقال فيدان ردا على تساؤلات بشأن وجود التزام فوري في حال وقوع هجوم "عند النظر إلى نص الاتفاقية، نجد أن هناك التزامات عامة. وكما ذكرت دائما، فإن كيفية وتفاصيل تطبيق هذه الالتزامات العامة على أرض الواقع تعتمد على النقاشات والقرارات التي ستتخذها اللجان المعنية".

وأضاف أن تفعيل بنود المساعدة لا يتم بصورة تلقائية، موضحا أن الدولة التي تتعرض لتهديد أو هجوم هي التي تتقدم بطلب المساندة، كما أنها تحدد طبيعة الدعم الذي تحتاج إليه وفقا لظروف الموقف.

وقال "على إحدى الدول المعنية أن تطلب المساعدة في هذا الشأن، وأن الدولة هي التي ستحدد أيضا طبيعة المساعدة التي تريدها".

وأشار فيدان إلى أن نطاق الدعم المنصوص عليه في الاتفاقية يتدرج بحسب حجم التهديد وطبيعته، موضحا أن أشكال المساندة قد تشمل التعاون الاستخباراتي أو الدعم اللوجيستي أو توفير الذخائر، قبل أن تصل، عند الضرورة، إلى مستويات أعلى من التعاون العسكري.

وأضاف "الدول تقول أحتاج إلى استخبارات، أحتاج إلى دعم لوجيستي، أحتاج إلى ذخيرة، وإذا لم يكن ذلك كافيا، ففي مرحلة أكثر تقدما أحتاج إلى وحدات عسكرية"، مؤكدا أن "هذه أمور متعددة المراحل وتتغير وفقا لحجم التهديد".

هل نحن أمام "ناتو إسلامي"؟

ترى تقديرات بحثية وإستراتيجية أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك، بصيغتها الحالية، لم تصل بعد إلى مستوى "الناتو الإسلامي" بالمعنى المؤسسي والعسكري المتعارف عليه، رغم أنها تتبنى مبدأ الدفاع الجماعي الذي يُعد إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها حلف شمال الأطلسي.

إعلان

وفي هذا السياق، خلص تحليل نشره المجلس الأطلسي الأمريكي إلى أن الاتفاقية لا تمثل حلفا عسكريا مكتملا على غرار الناتو، كما أنها لا تؤسس في الوقت الراهن لتكتل إقليمي مستقل ذي هياكل راسخة، لكنها تمثل خطوة إستراتيجية مهمة تعكس توجها متصاعدا نحو تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين الدول الثلاث.

وقد كشف فيدان أن الرياض وأنقرة وإسلام آباد تتجه إلى إنشاء هيكل مؤسسي دائم يتولى تحويل التفاهمات السياسية إلى سياسات وإجراءات عملية، قائلا "الرؤية التي طرحناها في الدراسات التي أُجريت حتى الآن هي أننا سننشئ الآن هيكلا يتمثل في لجنة وزارية".

وأوضح أن هذا الهيكل سيستند إلى نموذج قريب من الأطر التنظيمية المعمول بها داخل حلف شمال الأطلسي، مضيفا "كما هو الحال في الناتو، هناك لجنة سياسية وعسكرية تضم وزراء الخارجية ووزراء الدفاع ورؤساء هيئة الأركان العامة".

وبحسب فيدان، ستتولى هذه اللجنة ترجمة التوجهات الإستراتيجية التي يضعها قادة الدول الثلاث إلى قرارات وسياسات قابلة للتنفيذ داخل إطار الاتفاقية، موضحا أن "اللجنة السياسية والعسكرية هي اللجنة التي تُحوّل الرؤية التي يطرحها القادة إلى قرارات داخل هذا التحالف، وتنجز الأعمال اللازمة".

وأشار كذلك إلى أن الاتفاقية لن تقتصر على الأطر السياسية والعسكرية العليا، بل ستشمل إنشاء جهاز إداري دائم يتولى متابعة التنفيذ والتنسيق بين الأطراف، قائلا "هناك أمانة عامة ومنظمة لتنفيذ الرؤية التي تطرحها هذه اللجنة".

ماذا تمثل "اتفاقية مكة" للدول الموقّعة عليها؟

بالنسبة للسعودية، ترى الباحثة أليسون ماينور، مديرة مشروع التكامل في الشرق الأوسط، أن الاتفاقية تعزز الموقع التفاوضي للسعودية في مواجهة بيئة إقليمية مضطربة وتحديات متنامية، كما تمنح الرياض مرونة أكبر عبر شبكة من الشراكات الأمنية بدلا من الاعتماد على شريك واحد.

وبحسب الباحثة، تستثمر المملكة المرحلة الراهنة لترسيخ دورها كقائد إقليمي للاستقرار، مستفيدة من شراكتها مع تركيا وباكستان، في وقت يُنظر فيه إلى قوى إقليمية أخرى باعتبارها مصدرا للتوتر وعدم الاستقرار.

كما ترى أن القيمة الدبلوماسية للاتفاق قد تكون أكبر من المكاسب العسكرية المباشرة في المدى المنظور.

أما بالنسبة لباكستان، فيرى الباحث مايكل كوجلمان، المتخصص في شؤون جنوب آسيا، أن الاتفاقية تعزز اندماج باكستان في المنظومة الأمنية الناشئة في الشرق الأوسط، وتمنحها نفوذا إضافيا بوصفها الدولة النووية الوحيدة بين أطراف الاتفاق.

ويشير كوجلمان إلى أن الشرق الأوسط يمثل مجالا حيويا للمصالح الباكستانية، سواء من حيث الطاقة أو العلاقات الإستراتيجية أو الجاليات الباكستانية العاملة في المنطقة، ما يفسر اهتمام إسلام آباد بتوسيع نطاق حضورها الأمني والدفاعي هناك.

وفيما يتعلق بتركيا، يرى ريتش أوتزن، المستشار السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، أن اتفاقية مكة تمثل نقطة تحول في النظام الإقليمي الناشئ بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا، إذ توسع المظلة الأمنية التي أسستها تركيا بالفعل مع عدد من شركائها الإقليميين.

وبحسب أوتزن، فإن انضمام السعودية بثقلها الاقتصادي وباكستان بقدراتها النووية والعسكرية إلى إطار مشترك مع تركيا يرفع مستوى الردع الجماعي ويمنح الدول الثلاث مزايا عملياتية وصناعية ودبلوماسية، كما يتيح فرصا واسعة أمام الصناعات الدفاعية التركية ويعزز موقع أنقرة في شبكات التجارة والطاقة العابرة للإقليم.

كيف تنظر تركيا إلى مستقبل الاتفاقية؟

وفي معرض توضيحه للرؤية التركية تجاه اتفاقية مكة للدفاع المشترك، شدد هاكان فيدان على أن الهدف يتجاوز البعد العسكري المباشر، ليرتبط ببناء منظومة إقليمية أكثر استقلالا وقدرة على إدارة شؤونها الأمنية والاقتصادية بعيدا عن الاعتماد المفرط على القوى الخارجية.

إعلان

وقال فيدان إن أنقرة ترى ضرورة تعزيز ما وصفه بـ"الملكية الإقليمية" للأمن والاستقرار، معتبرا أن الاعتماد على القوى الكبرى القادمة من خارج المنطقة لم ينجح في معالجة أزماتها المزمنة، بل أدى في كثير من الأحيان إلى زيادة تعقيدها ورفع كلفتها السياسية والاقتصادية.

وأوضح أن الرؤية التركية تقوم على تحويل العلاقات الثنائية التقليدية وروابط الأخوة والتعاون السياسي إلى أطر مؤسسية أكثر استدامة واحترافية، بما يضمن استمرارها بغض النظر عن التحولات السياسية أو تغير الحكومات.

وفي سياق حديثه عن البعد الإستراتيجي للاتفاقية، ربط فيدان بين الأمن والتنمية الاقتصادية، معتبرا أن بناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد يتطلب أولا توفير بيئة أمنية مستقرة ومطمئنة بين دول المنطقة. وقال "لا تستطيع الدول في منطقة ما بناء هياكل اقتصادية تراكمية من دون أن تكون مطمئنة إلى أمن بعضها البعض".

وفي الوقت ذاته، أقر الوزير التركي بأن تحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي لن يكون مهمة سهلة، مشيرا إلى أن أنقرة تدرك حجم التحديات السياسية والأمنية التي قد تواجه هذا المسار، لكنها ترى أن البدء في بناء مؤسسات إقليمية مشتركة يمثل خطوة ضرورية على هذا الطريق.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا