آخر الأخبار

هذا سرنا نحن الروس الذي لن تخبرك عنه الخرائط

شارك

حين يطرح السؤال، هل روسيا دولة أوروبية أم آسيوية؟ يبدو للوهلة الأولى سؤالا جغرافيا بسيطا، يمكن الإجابة عنه بنظرة سريعة إلى الخارطة، غير أن هذا السؤال بالنسبة للروس أنفسهم يبدو سؤالا محيرا، ولم يكن يوما ما متعلقا بالحدود، بل بالهوية.

فمنذ أكثر من 3 قرون لا تزال روسيا تبحث عن موقع بين عالمين، أوروبا التي أثرت فيها وتعلمت منها الكثير، وآسيا التي تمتد فيها معظم أراضيها وتشاركها جزءا من تاريخها.

في الواقع يقع نحو 3 أرباع مساحة روسيا في آسيا، بينما يعيش معظم سكانها في القسم الأوروبي غرب جبال الأورال.

لكن الجغرافيا وحدها لا تفسر هوية الدول، فأستراليا تقع في قارة أوقيانوسيا، لكنها جزء من العالم الغربي سياسيا وثقافيا وتاريخيا.

منذ أكثر من 3 قرون لا تزال روسيا تبحث عن موقع بين عالمين، أوروبا التي أثرت فيها وتعلمت منها الكثير، وآسيا التي تمتد فيها معظم أراضيها وتشاركها جزءا من تاريخها

وتركيا تمتد بين قارتين، ومع ذلك لا يزال الجدل قائما حول موقعها الحضاري، أما روسيا فقد جعلها اتساعها الاستثنائي حالة مختلفة عن الجميع.

تعود جذور هذا السؤال إلى مطلع القرن 18، عندما قرر القيصر بطرس الأول أن يغير وجه الدولة الروسية، ويفتح نافذة على أوروبا.

لم يكن مشروعه مجرد إصلاحات إدارية أو تحديث للجيش، بل محاولة لإعادة توجيه روسيا نحو أوروبا.

سافر إلى هولندا وإنجلترا متخفيا، وتعلم صناعة السفن، واستقدم المهندسين والعلماء والحرفيين المهرة من أوروبا، ثم أسس مدينة سان بطرسبورغ، لتكون نافذة روسيا على الغرب الأوروبي.

ومنذ ذلك الحين، دخلت روسيا في حوار طويل مع أوروبا، لم يكن دائما حوارا هادئا، بل علاقة تجمع بين الإعجاب والمنافسة والريبة في آن معا.

لكن هذا التوجه لم يطمس الوجه الآسيوي لروسيا، فالإمبراطورية الروسية توسعت شرقا عبر سيبيريا حتى وصلت إلى شواطئ المحيط الهادئ، وضمت شعوبا ذات أصول مختلفة بينها أصول تركية، وأقصى شمالية، وآسيوية متعددة، وهكذا تشكلت دولة متعددة القوميات والإثنيات والأديان والثقافات، لذلك لم يكن الشرق بالنسبة إلى روسيا فضاء خارجيا، بل جزءا من تكوينها الداخلي.

إعلان

في القرن 19 انقسم المفكرون الروس حول سؤال الهوية، رأى أصحاب "النزعة الغربية"، أن مستقبل روسيا يكمن في الاقتراب من أوروبا والاستفادة من مؤسساتها وأفكارها وتجاربها، أما أصحاب "النزعة السلافية" فاعتبروا أن لروسيا رسالة حضارية مستقلة، وأن تقليد الغرب يفقدها خصوصيتها التاريخية.

دخلت روسيا في حوار طويل مع أوروبا، لم يكن دائما حوارا هادئا، بل علاقة تجمع بين الإعجاب والمنافسة والريبة في آن معا

لم ينتصر أي من الاتجاهين بصورة نهائية، بل بقي الجدل حاضرا حتى اليوم، وإن تبدلت أشكاله مع تغير الظروف السياسية.

في الحقبة السوفياتية، تراجع هذا النقاش نسبيا تحت هيمنة الأيديولوجيا الشيوعية، التي قدمت الاتحاد السوفياتي باعتباره مشروعا أمميا يتجاوز الانقسامات الحضارية، لكن انهيار الدولة السوفيتية أعاد السؤال إلى الواجهة.. من هي روسيا؟ وإلى أي فضاء تنتمي؟

خلال تسعينات القرن المنصرم، سعت موسكو إلى الاندماج مع الغرب (بشكل تابع وذليل أحيانا)، غير أن العلاقات سرعان ما دخلت في مرحلة من التوتر المتصاعد.

ومع مرور الوقت بدأ الخطاب الرسمي الروسي يؤكد بصورة متزايدة، أن البلاد ليست دولة أوروبية تابعة، بل حضارة مستقلة تمتد بين أوروبا وآسيا.

وفي الوقت نفسه اتجهت روسيا إلى توطيد وتعميق علاقتها مع الصين والهند ودول آسيا، دون أن تنقطع بالكامل عن إرثها الأوروبي.

غير أن اختزال هذا التحول في السياسة وحدها سيكون خطأ، فالمجتمع الروسي نفسه يحمل ملامح العالمين معا: ففي موسكو، وسان بطرسبورغ، تبدو الحياة اليومية قريبة من حواضر أوروبا الغربية في التعليم والعمارة والثقافة ونمط الحياة.

أما في جمهوريات تتارستان أو داغستان أو ياقوتيا، فتظهر وجوه أخرى لروسيا تعكس امتدادها الآسيوي وتنوعها القومي والديني.

ولعل أكبر خطأ يقع فيه المراقبون هو الاعتقاد أن روسيا مضطرة إلى اختيار أحد العالمين، فالتجربة التاريخية توضح أنها كلما حاولت أن تصبح أوروبية بالكامل، اصطدمت بخصوصيتها الداخلية، وكلما أدارت ظهرها لأوروبا، اكتشفت أن جزءا مهما من ثقافتها ومؤسساتها وتاريخها تشكل من خلال الحوار العميق والعلاقات معها.

ظلت روسيا عصية على الفهم والتصنيف المنطقي السهل، فهي أوروبية حين نتأمل أدبها وموسيقاها وفنونها وجزءا كبيرا من تاريخها السياسي، وآسيوية حين ننظر إلى جغرافيتها، وتنوعها السكاني، وامتدادها الإستراتيجي

لذلك يبدو أن قوة روسيا تكمن في قدرتها على الجمع بين المجالين، لا في الانتماء الحصري إلى أحدهما، وهذا ما يفسر جانبا من سياساتها الخارجية أيضا.

فروسيا تنظر إلى نفسها كقوة أوراسية، تمتلك مصالح في أوروبا كما في آسيا، وتسعى إلى أن تكون جسرا بين المجالين، حتى وإن كانت الظروف السياسية تجعل هذا الدور أكثر صعوبة في الحقبة الأخيرة.

السؤال: "هل روسيا دولة أوروبية أم آسيوية"؟ قد يكون مضللا من الأساس، فهو يفترض أن الهوية خيار ثنائي، بينما تظهر التجربة الروسية أن الهويات الكبرى قد تكون مركبة ومتعددة في نفس الوقت، فروسيا ليست دولة من أوروبا الشرقية فقط، وليست من آسيا الشمالية فقط، بل كيان تاريخي تشكل عند نقطة التقاء العالمين.

إعلان

وربما لهذا السبب ظلت روسيا عصية على الفهم والتصنيف المنطقي السهل، فهي أوروبية حين نتأمل أدبها وموسيقاها وفنونها وجزءا كبيرا من تاريخها السياسي، وآسيوية حين ننظر إلى جغرافيتها، وتنوعها السكاني، وامتدادها الإستراتيجي.

وبين هذين البعدين، نشأت دولة لا تزال حتى اليوم تعيد تعريف نفسها، فيما يواصل العالم محاولاته لتعريفها من الخارج.

ولعل السؤال الأجدر بالطرح: إلى أي قارة تنتمي روسيا، هذا البلد الذي يتوسط شعاره نسر إمبراطوري ذو رأسين ينظران إلى الشرق والغرب معا؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا