لم تعد المطارات الأمريكية مجرد بوابات لعبور المسافرين، بل باتت تتحول تدريجيا إلى إحدى أبرز ساحات تطبيق سياسات الهجرة والرقابة الأمنية، مع اتساع حملات توقيف أصحاب التأشيرات المنتهية حتى ممن لديهم طلبات قانونية قيد النظر للإقامة في البلاد.
وفي سياق متصل، يتصاعد الجدل بشأن حدود الخصوصية الرقمية عند المعابر الأمريكية، بعدما واجه مواطن أمريكي اتهاما جنائيا إثر استخدامه كلمة مرور أدت إلى محو بيانات هاتفه خلال تفتيش جمركي، في أول قضية فدرالية معروفة ترتبط باستخدام خاصية لحماية البيانات الشخصية أثناء التفتيش الحدودي.
واستعرضت تقارير أمريكية هذا التحول من زوايا متعددة، فتبحث في توسع إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة داخل المطارات، والإطار القانوني المنظم لتفتيش الهواتف والأجهزة الإلكترونية، كما تتناول تداعيات القضايا المستجدة على مستقبل الخصوصية الرقمية وحقوق المسافرين.
كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بدأت توقيف الأجانب الذين انتهت صلاحية تأشيراتهم أثناء تنقُّلهم عبر المطارات الأمريكية، بمن فيهم أزواج مواطنين أمريكيين وعاملون في قطاع التكنولوجيا وآخرون لديهم طلبات قيد النظر للبقاء في الولايات المتحدة، وذلك استنادا إلى وثائق حصلت عليها الصحيفة ومقابلات أجرتها مع محامي هجرة.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه السياسة تفتح أمام السلطات شريحة أوسع بكثير من الأشخاص الذين يمكن ترحيلهم، في وقت ينفذ فيه عناصر من إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية يرتدون ملابس مدنية عمليات توقيف عند منصات تسجيل السفر وبوابات الوصول في ما لا يقل عن 15 مطارا خلال الأسابيع الماضية.
وتمثل هذه الاعتقالات -وفق التقرير- توسعا في آلية التعاون بين إدارة أمن النقل ووكالة الهجرة والجمارك، إذ كانت الصحيفة قد كشفت في ديسمبر/كانون الأول الماضي أن عناصر الهجرة كانوا يعتقلون أشخاصا صدرت بحقهم أوامر ترحيل داخل المطارات، بالاستفادة من المعلومات التي كانت شركات الطيران تقدمها إلى إدارة أمن النقل.
لكن مراجعة وثائق لوزارة الأمن الداخلي إلى جانب مقابلات أجرتها الصحيفة مع محامي أكثر من 25 شخصا احتُجزوا مؤخرا في المطارات، أظهرت أن البرنامج توسع ليشمل أيضا حاملي التأشيرات المنتهية الصلاحية، وهي شريحة أكبر بكثير من الأشخاص الذين كانوا مستهدفين في السابق.
وأوضحت الصحيفة أن مئات الآلاف من المهاجرين والزوار يتجاوزون مدة صلاحية تأشيراتهم كل عام، وأن كثيرا منهم ينتظرون تمديد تأشيراتهم أو الحصول على البطاقة الخضراء وكانوا في السابق لا يمثلون أولوية للترحيل ما لم يرتكبوا جرائم.
إلا أن هذا النهج تغير في عهد ترمب، إذ باتت إدارته تعتبر جميع حالات تجاوز مدة التأشيرة مخالفة قانونية ضمن حملة ترحيل واسعة.
بدورها، قالت محامية الهجرة شانون شيبرد نائبة رئيس فرع شيكاغو في الجمعية الأمريكية لمحامي الهجرة، إن المحامين باتوا يراجعون النصائح التقليدية المتعلقة بالسفر الداخلي جوا، مضيفة "في السابق كنت أقول ما دمت تحمل بطاقة هوية يمكنك السفر داخل الولايات المتحدة. أما الآن فأقول إذا كنت في مرحلة تغيير وضعك القانوني، فتجنب أي سفر".
وفي تقرير منفصل، تناولت نيويورك تايمز قضية قد تفتح بابا جديدا في الجدل القانوني حول خصوصية الهواتف عند الحدود الأمريكية، بعدما وجّه الادعاء الفدرالي في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا تهمة عرقلة سير العدالة إلى المواطن الأمريكي صامويل تونيك، إثر تسليمه إدارة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية ما يعرف بـ"رمز المرور تحت الإكراه"، وهو ما أدى إلى محو محتويات هاتفه.
وكانت السلطات قد أوقفت تونيك في مطار هارتسفيلد جاكسون الدولي أثناء عودته إلى الولايات المتحدة في 24 يناير/كانون الثاني 2025، وصادرت هاتفه قبل السماح له بدخول البلاد، في حين عقدت محكمة فدرالية في أتلانتا جلسة استماع للنظر في القضية الأسبوع الماضي.
وتشير الصحيفة إلى أن القضية تعد من أوائل الحالات المعروفة التي توجه فيها السلطات الفدرالية اتهاما بتدمير الأدلة بسبب استخدام برنامج صمم لمحو بيانات الجهاز بمجرد إدخال رمز محدد.
وخلال الجلسة، قال محامو تونيك إن موكلهم استُهدف بسبب نشاطه السياسي المعارض لمشروع إنشاء مركز لتدريب الشرطة والإطفاء داخل منطقة غابات حضرية في المدينة.
ويستند الادعاء إلى قانون فدرالي يعتبر إتلاف الأدلة أو نقل الأصول لمنع الحكومة من مصادرتها جناية يعاقب عليها بالسجن لمدة تصل إلى 5 سنوات أو الغرامة أو كليهما.
وينطبق هذا القانون قبل التفتيش أو أثناءه أو بعده إذا كان الشخص يعلم بقرب تنفيذ عملية تفتيش أو مصادرة واتخذ إجراء لإحباطها، وفق خبراء.
من جانبه، قال أستاذ القانون بجامعة كولومبيا دانيال ريتشمان إن حذف بيانات الهاتف قبل الوصول إلى نقطة التفتيش، لمجرد منع الحكومة من الاطلاع على الملفات الشخصية، قد لا يعد دليلا على وجود قصد جنائي لإحباط تفتيش وشيك.
لكنه أوضح أن الأمر يختلف بعد بدء إجراءات التفتيش، إذ إن تزويد السلطات عمدا برمز يؤدي إلى محو البيانات مع العلم بأنها تمارس صلاحياتها القانونية يضع صاحبه مباشرة ضمن نطاق القانون.
وتسلط مجلة نيوزويك الضوء على التداعيات القانونية الأوسع لقضية تونيك، معتبرة أنها أثارت تساؤلات بشأن حقوق المواطنين الأمريكيين عندما يطلب منهم عناصر الجمارك تفتيش أجهزتهم الإلكترونية، وما إذا كان استخدام أدوات مصممة لحماية الخصوصية قد يتحول بحد ذاته إلى مسؤولية جنائية.
وتوضح المجلة أن تونيك دفع ببراءته، إلا أن القضية وسعت الجدل حول نظام "غرافين أو إس"، الذي يتيح استخدام "رمز مرور تحت الإكراه" لمحو بيانات الهاتف، وهي ميزة مصممة لحماية خصوصية المستخدمين.
ويؤكد محامو تونيك أن عملية التفتيش كانت غير قانونية وأن موكلهم حُرم من التواصل مع محام وخضع لاستجواب في قضايا لا ترتبط بأمن الحدود، بينما تصف السلطات الفدرالية ما جرى بأنه مجرد إجراء تفتيش حدودي روتيني.
وفي هذا الصدد، تؤكد إدارة الجمارك وحماية الحدود أن جميع المسافرين يخضعون للتفتيش عند المعابر الحدودية بما في ذلك أجهزتهم الإلكترونية، كما تسمح سياساتها بإجراء تفتيش أساسي للهواتف دون مذكرة قضائية، مع إمكانية مصادرة الجهاز أو إخضاع صاحبه لاستجواب إضافي إذا رفض إتاحة الوصول إليه.
في المقابل، ترى منظمات مدافعة عن الخصوصية، بينها الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ومؤسسة الحدود الإلكترونية، أن الهواتف الذكية تحتوي على كم هائل من البيانات الشخصية يجعلها تستحق حماية دستورية أقوى من تلك المطبقة على تفتيش الأمتعة التقليدية.
وفي هذا السياق، تنقل المجلة عن المحامي شون كالاغي نصيحته بعدم فتح الهاتف أو الموافقة على تفتيشه أو الإدلاء بأي تفسيرات قبل حضور محام، مؤكدا أن الصمت ليس اعترافا بالذنب بل وسيلة لحماية الحقوق القانونية.
وتخلص نيوزويك إلى أن المواطنين الأمريكيين يتمتعون بحماية قانونية لا تشمل غير المواطنين، إذ لا يمكن في العادة منعهم من دخول البلاد لمجرد رفضهم فتح أجهزتهم الإلكترونية، إلا أن هذا الرفض لا يحول دون تعرضهم لتبعات قانونية أو إجرائية أخرى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة