آخر الأخبار

القبيلة التي أربكت النيجر.. من هم "عرب المحاميد"؟

شارك
لا يوجد إحصاء حديث وموثوق يحدد عدد المحاميد وحدهم

أعاد طلب السلطات النيجرية من عرب المحاميد في شرق البلاد تسليم وثائقهم الوطنية فتح ملف جماعة عربية استقرت في النيجر منذ عقود، ونجت عام 2006 من قرار جماعي بطردها إلى تشاد، قبل أن تنتقل تدريجيا من هامش المجتمع الرعوي إلى قلب السياسة، ثم تعود بعد انقلاب 2023 إلى مواجهة الشكوك القديمة حول الأصل والولاء وحق المواطنة.

وقالت مصادر خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية" إن مفاوضات جرت، الثلاثاء، بين ممثلين للمحاميد والسلطات المحلية في نغويغمي بإقليم ديفا، حيث أُبلغ ممثلو الجماعة بضرورة تسليم وثائقهم الوطنية تنفيذا لتعليمات صادرة عن وزارة الداخلية.

وأضافت المصادر أن ممثلي المحاميد رفضوا الطلب بصورة قاطعة وطالبوا بلقاء المسؤولين المعنيين في نيامي، فيما أُحيل طلبهم إلى ممثل السلطة العسكرية من دون صدور رد أو توضيح رسمي حتى الآن.

وقال أحد المصادر: "أوضحت لنا السلطات أن القرار لا يستهدف عرب النيجر تحديدا، وإنما يشمل جماعات تقول الحكومة إنها استقرت في البلاد بصورة غير قانونية، حتى لو حصل أفراد منها لاحقا على وثائق وطنية، ومن بينهم قادمون من تشاد وليبيا ونيجيريا".

وسبقت المفاوضات مصادرة نحو ألفي رأس من الإبل تعود إلى المحاميد قبل إعادتها إليهم، وفق المصادر، التي أكدت أن الجماعة تعتبر سجلها الأمني نظيفا، وترفض التعامل معها بوصفها مجموعة وافدة بعد أجيال وُلدت وعاشت داخل النيجر.

من هم عرب المحاميد؟

المحاميد فرع من الرزيقات الشماليين، وهم تجمع عربي رعوي تنتشر فروعه تاريخيا بين دارفور في السودان وشرق تشاد.

ويُصنف المحاميد ضمن "الأبالة"، أي الجماعات التي ارتبط نمط حياتها بتربية الإبل والترحال الموسمي، بخلاف فروع الرزيقات الجنوبية التي غلبت عليها تربية الأبقار.

وتضم الرزيقات الشمالية فروعا أخرى، من بينها الماهرية والنوايبة والعريقات والعطيفات. وينتمي قائد قوات الدعم السريع السودانية محمد حمدان دقلو "حميدتي" إلى الماهرية، وليس المحاميد، وإن كان الطرفان ينتميان إلى المحيط الرزيقي الأوسع.

وتربط الرواية النسبية المتداولة الرزيقات بقبائل جهينة العربية، بينما يثبت الحضور التاريخي الحديث أن هذه الجماعات عاشت داخل نطاق صحراوي ورعوي مفتوح سبق رسم الحدود الحالية بين السودان وتشاد وليبيا والنيجر.

ويتحدث محاميد النيجر لهجة عربية سودانية-تشادية، إلى جانب لغات محلية اكتسبوها بفعل الاستقرار والتجارة، ويدينون بالإسلام السني.

وتقوم بنيتهم الاجتماعية على العائلة الممتدة والفروع القبلية والأعيان المحليين، من دون قيادة واحدة تمثل جميع أفراد الجماعة في النيجر.

وينبغي التمييز بينهم وبين بقية عرب البلاد؛ فالوجود العربي في حوض بحيرة تشاد أقدم من موجات المحاميد الحديثة، ويضم عرب الشوا وجماعات من أولاد سليمان وغيرها.

أما الاستقرار الكبير للمحاميد في النيجر فحدث خلال موجتين أساسيتين؛ جاءت الأولى في سبعينيات القرن الماضي عقب الجفاف القاسي الذي ضرب تشاد والساحل وقضى على مساحات واسعة من المراعي، بينما وصلت الموجة الثانية خلال الثمانينيات هربا من الحرب الأهلية التشاديةوالحرب التشادية الليبية.

واستقر معظمهم في إقليم ديفا بأقصى جنوب شرقي النيجر، خصوصا في محيط نغويغمي ونغورتي وغودوماريا ومايني سوروا وفولاطاري ونغيلبيلي، مع استمرار الروابط العائلية ومسارات الرعي والتجارة نحو تشاد.

ولا يعني هذا المسار أن المقيمين اليوم لاجئون وصلوا حديثا؛ فقد وُلدت داخل النيجر أجيال متعاقبة، وتملك أسر منهم وثائق مدنية وجوازات سفر وممتلكات وقطعانا، بينما خدم أفراد في الجيش والإدارة ومؤسسات الدولة.

أرقام غامضة وثروة تثير النزاع

لا يوجد إحصاء حديث وموثوق يحدد عدد المحاميد وحدهم، وظلت أعدادهم منذ البداية جزءا من الخلاف السياسي حول وضعهم القانوني.

فخلال أزمة 2006، قدّر تقرير لوزارة الخارجية الأميركية عددهم بما بين 17 و50 ألفا، بينما تحدثت الحكومة ووسائل إعلام عن أرقام تراوحت بين 100 و150 ألفا. وقالت نيامي لاحقا إن المطلوب إبعادهم لا يتجاوز 3 أو 4 آلاف شخص لا يحملون أوراق إقامة سليمة.

أما مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فتحدثت آنذاك عن وجود ما بين 100 و150 ألفا في ديفا، مع إقرارها بأنها لم تكن تصنفهم قبل الأزمة ضمن الجماعات الواقعة تحت اختصاصها.

وتفيد بيانات مستندة إلى تعداد النيجر لعام 2012 بأن العرب بجميع جماعاتهم يمثلون نحو 1.53 في المئة من السكان، أي قرابة 262 ألف شخص من مجموع 17.1 مليون نسمة وقتها، لكن التعداد لا يقدم رقما منفصلا للمحاميد.

ويُقدر عدد سكان النيجر في منتصف 2026 بنحو 28.8 مليون نسمة، وفق إسقاطات الأمم المتحدة، إلا أن غياب تعداد إثني حديث يجعل تقدير عدد المحاميد حاليا أقرب إلى التخمين.

وتظل الإبل والأغنام والماعز والتجارة الصغيرة أساس النشاط الاقتصادي التقليدي للجماعة. ويمنحهم امتلاك قطعان كبيرة ثقلا في أسواق ديفا، لكنه يضعهم في احتكاك مستمر مع المزارعين والرعاة الآخرين حول الآبار والمراعي ومسارات عبور الحيوانات.

وفي 2006 اتهمتهم السلطات بحيازة أسلحة غير قانونية وتخريب مصادر المياه وتهديد السكان المحليين، بينما قال ممثلو الجماعة إن الحملة تستهدف إخراجهم من منطقة عاشوا فيها لعقود والاستيلاء على قطعانهم.

وتجددت الصدامات لاحقا، خصوصا مع رعاة الفولاني، قبل أن يوقع الطرفان في ديسمبر 2018 اتفاق سلام محليا بعد أكثر من عام من المواجهات. وتعهد الاتفاق باحترام قواعد الوصول إلى المياه والمراعي، والتصدي لسرقة المواشي، والرجوع إلى السلطات التقليدية والإدارية لحل النزاعات.

ومثل المحاميد في الاتفاق زكريا جعفر ويوسفو شافيم وآبي عبد الرحمن، وهم من أبرز الأسماء الموثقة في القيادة المجتمعية المحلية. مركز الحوار الإنساني

غير أن تمدد بوكو حرام وتنظيم داعش في حوض بحيرة تشاد، إلى جانب النزوح وتراجع المراعي وتغير المناخ، ضاعف الضغط على الموارد وحوّل بعض الخلافات الرعوية إلى أزمات أمنية وعرقية.

من قرار الطرد إلى صعود بازوم

مثّل عام 2006 نقطة التحول السياسية الأبرز في تاريخ المحاميد داخل النيجر. ففي أكتوبر من ذلك العام أعلنت حكومة الرئيس مامادو تانجاترحيلهم إلى تشاد، معتبرة أنهم أجانب يهددون الأمن والموارد الطبيعية.

وقاد حمد أحمد، أحد أبرز ممثلي عرب المحاميد، الاعتراض على القرار، محذرا من أنه سيؤجج الكراهية بين مكونات ديفا ويدفع المنطقة نحو صراع واسع. وانضم تسعة نواب من أصول عربية إلى الحملة وطالبوا الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بالتدخل.

وكان محمد بازوم بين أبرز المدافعين عن المحاميد، قبل أن يصبح عام 2021 أول رئيس عربي للنيجر. وبعد ضغوط داخلية وتحركات من تشاد ودول مجاورة، تراجعت نيامي عن الترحيل الجماعي وقررت تشكيل لجنة لمعالجة الخلافات المتعلقة بالأرض والمياه.

لكن بازوم ليس من المحاميد، بل ينتمي إلى قبيلة أولاد سليمان ذات الامتدادات في ليبيا وتشاد والنيجر. ويكتسب هذا التمييز أهمية بسبب الخلط المتكرر بينه وبين جميع عرب ديفا.

ووصل بازوم إلى الرئاسة بعد حملة انتخابية اتُهم خلالها بأنه "ليبي" و"أجنبي"، قبل أن ترفض المحكمة الدستورية الطعن في جنسيته. وكان انتخابه ذروة انتقال عرب شرق النيجر من أقلية مهددة بالطرد إلى جماعة خرج منها أول رئيس للبلاد.

لكن انقلاب يوليو 2023 أطاح بازوم وأعاد ترتيب موقع العرب داخل الدولة، بالتزامن مع تداول اتهامات حول انخراط مقاتلين من الجماعات العربية العابرة للحدود في حرب السودان.

شبهة "الدعم السريع"

أكدت دراسات حديثة وجود تجنيد عابر للحدود داخل قوات الدعم السريع من جماعات عربية في تشاد والنيجر ومالي وليبيا وأفريقيا الوسطى.

ووصف بحث أكاديمي نشر عام 2025 الظاهرة بأنها شكل من "الارتزاق الإثني" القائم على القرابة القبلية وشبكات الرعي والذهب والسلاح الممتدة عبر الحدود.

ونقلت مجلة "أوريجنز" التابعة لجامعة ولاية أوهايو عن مصادر أمنية تقديرا بوجود أكثر من 4 آلاف مقاتل من النيجر في صفوف الدعم السريع، قالت إن غالبيتهم من المحاميد. ولم تسم المجلة مصادرها، كما لم تؤكد حكومة النيجر أو الأمم المتحدة هذا الرقم بصورة مستقلة، ليظل تقديرا بحثيا غير مثبت رسميا.

ولا تعكس حركة المقاتلين العابرة للحدود موقفا موحدا للجماعة. فمحاميد السودان أنفسهم منقسمون سياسيا وعسكريا؛ إذ دخل زعيمهم البارز موسى هلال في صراع طويل مع حميدتي وقوات الدعم السريع، وانحاز لاحقا إلى الجيش السوداني.

ويُعد هلال أشهر شخصية معاصرة من المحاميد على المستوى الإقليمي، لكنه لا يمثل محاميد النيجر. كما ارتبط اسمه بقيادة ميليشيات الجنجويد واتهامات خطيرة بارتكاب انتهاكات خلال حرب دارفور.

الجنسية.. عودة إلى جرح 2006

لا تتعلق الأزمة الحالية بأوراق السفر فقط، بل بهوية أجيال وُلدت وعاشت في النيجر ولا تعرف وطنا آخر. فالقانون النيجري يمنح الجنسية الأصلية، في حالات محددة، بالنسب إلى أب أو أم نيجريين، أو للمولود في البلاد لأحد الوالدين المولود فيها، كما يتيح التجنس بعد إقامة طويلة.

وتأتي قضية المحاميد في وقت وسعت فيه السلطة العسكرية استخدام إسقاط الجنسية؛ فمنذ أكتوبر 2024 جُرد عدد من المقربين من بازومومعارضين في الخارج منها بصورة مؤقتة، بموجب أوامر تشمل المشتبه في تهديدهم "المصالح الأساسية للدولة" أو الأمن العام.

وفي يونيو 2026 استخدم الإجراء ضد المعارضة مرياما جبريل، المولودة في نغويغمي، مما دفع "هيومن رايتس ووتش" إلى التحذير من تحويل الجنسية إلى سلاح سياسي وخلق حالات انعدام جنسية.

لكن سحب وثائق الحالة المدنية من جماعة كاملة يختلف قانونيا عن إسقاط الجنسية بمرسوم ضد أشخاص محددين. ولم تعلن السلطات حتى الآن النص الذي تستند إليه، ولا كيفية التمييز بين المواطن بالميلاد والمتجنس والمقيم التشادي، أو ما إذا كانت تشاد تعترف أصلا بالأشخاص المراد إعادتهم مواطنين لديها.

وبعد نصف قرن من الاستقرار، لم يعد المحاميد مجرد رعاة عبروا حدودا رخوة بين تشاد والنيجر، بل أصبحوا جزءا من التركيبة الاجتماعية والاقتصادية للبلاد. ولذلك يهدد أي إجراء جماعي ضدهم بإعادة إنتاج أزمة 2006 في بيئة أشد تسلحا وهشاشة، وعلى حدود تتقاطع فيها صراعات النيجر و تشاد وليبيا والسودان.

سكاي نيوز المصدر: سكاي نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا