آخر الأخبار

هجوم برلين يؤجج حملة يمينية ضد المسلمين والمهاجرين في ألمانيا

شارك

لم تكد الشرطة الألمانية تعلن إنهاء مطاردة المشتبه به في حادثة الدهس قرب احتفالات ما تعرف بـ"فخر برلين" للشواذ حتى تحول الحادث في غضون ساعات إلى وقود لحملة تحريض واسعة، قادتها شخصيات يمينية متطرفة وغذتها حسابات مشبوهة.

وسرعان ما تجاوزت الحملة حدود التحقيقات الجارية لتستهدف الوجود الإسلامي والمهاجرين في ألمانيا ككل، وسط تسابق حسابات وشخصيات معروفة بخطابها المناهض للأجانب على توظيف الاعتداء لوصم الدين الإسلامي بأكمله، وتأطير الواقعة ضمن سرديات ما يعرف بـ"الغزو الديمغرافي" و"صراع الحضارات".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "هجوم ضد متنزهين أبرياء".. كيف أعادت حسابات إسرائيلية صياغة رواية حادثة تل؟
* list 2 of 2 حملة تحريض ضد المهاجرين في إيطاليا بعد وفاة مغربي خلال توقيفه end of list

وتتبعت وحدة التحقق والمصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة أدوات الخطاب التصعيدي والأساليب الرقمية التي اعتمدها أقصى اليمين في هذه الحملة، وفندت بالأدلة الادعاءات والأرقام المضللة التي استندت إليها، إضافة إلى رصد أبرز الفاعلين والحسابات المحركة لها.

تفاصيل عملية الدهس

أكدت الشرطة الألمانية مساء اليوم الأحد مقتل المشتبه به في حادث دهس لحشد من الناس بوسط العاصمة برلين، على مقربة من واحدة من أكبر احتفالات الشواذ في أوروبا، أسفر عن مقتل شخص وإصابة نحو 30 آخرين.

وأوضحت الشرطة في بيان عبر منصة إكس أن عناصرها حددوا مكان المشتبه به البالغ 21 عاما، مشيرة إلى أنه "هرع نحوهم حاملا أداة حادة"، فأطلقوا النار عليه وأردوه قتيلا في موقع الحادث.

وكشفت الشرطة أن مركبة بيضاء اقتحمت المسيرة قبل أن تصطدم بشجرة ويلوذ المشتبه به بالفرار، كما نشرت مذكرة بحث عن المشتبه به، تتضمن صورته واسمه والحرف الأول من اسم عائلته.

ووصفت الشرطة المشتبه به بأنه رجل معروف لدى السلطات ومرتبط وفق زعمها بـ"التيار الإسلامي المتطرف"، مؤكدة عدم توفر معلومات كافية حتى الآن حول الدافع المحدد أو التسلسل الدقيق للأحداث.

وكان القضاء الألماني حكم على المشتبه به في أيار/مايو الفائت لمحاولته الانضمام إلى تنظيم الدولة في سوريا عبر لبنان. إلا أنه لم يودَع السجن، بعدما أخذت النيابة العامة في الاعتبار فترة توقيفه الاحتياطي في ألمانيا لمدة 6 أشهر، بالإضافة الى 3 أشهر أمضاها مسجونا في لبنان حيث تمّ توقيفه.

إدانات رسمية

وفي ردود الفعل الرسمية، وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس الجريمة بـ"البشعة"، مشيرا في تغريدة على منصة إكس إلى أن الحادث "يمثل هجوما على المجتمع بأكمله".

وعلق حزب "البديل من أجل ألمانيا" على الحادثة، إذ كتب تينو كروبالا، الذي يشترك في رئاسة الحزب على حسابه في منصة إكس: "لن نسمح للمتطرفين دينيا بتقسيم بلدنا بالعنف والتعصب".

تصريح رسمي يطلق الشرارة

واشتعلت الحملة بداية من تصريح رسمي، إذ قال وزير الداخلية الألماني إن المشتبه به "مواطن ألماني من أصل لبناني"، مؤكدا أن الاعتداء "هجوم إرهابي إسلامي".

إعلان

ورغم أن التصريح صدر عن مسؤول رسمي في سياق تحقيق أمني، فإنه تحول سريعا على منصات التواصل إلى نقطة انطلاق لحملة تعميم واسعة تجاوزت حدود الحادثة الفردية.

وسرعان ما تحولت الحادثة إلى وقود لحملة تحريض منظمة، جمعت بين حسابات يمينية متطرفة أمريكية وأوروبية استغلت الحادث لتعميم اتهامات جماعية بحق ملايين المسلمين المقيمين في ألمانيا.

وفور تداول أولى الأنباء عن الهجوم، بادرت حسابات نافذة على منصة "إكس"، من بينها شخصيات معروفة بخطابها اليميني المتشدد في الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى نشر محتوى يربط مباشرة بين الحادثة والدين الإسلامي.

وتكرر في هذه المنشورات استخدام عبارات تسخر من الإسلام، وتصف المهاجرين المسلمين بأوصاف عنصرية صريحة، وتطالب صراحة بطرد المسلمين من أوروبا.

أرقام مضللة

وجاء التفاعل الأبرز في 26 يوليو/تموز من حساب "الدكتور معلوف" على منصة "إكس"، المعروف بترويجه روايات يمينية متطرفة تجاه المسلمين، إذ سارع إلى عقد مقارنة بين عدد المساجد في ألمانيا عام 1976 وعام 2026، في محاولة لتصوير الوجود الإسلامي في البلاد بوصفه "غزوا ديمغرافيا".

بيد أن القراءة التفكيكية لواقع المساجد في ألمانيا تكشف عن مفارقة كبيرة بين الصورة النمطية التي تروجها الخطابات اليمينية حول "التغلغل الديمغرافي"، وبين الحقائق التي تؤكدها الإحصاءات الرسمية.

إذ تُظهر البيانات أن الغالبية العظمى مما يتراوح بين 2350 و2750 مصلى ومسجدا تتوزع في البلاد، تندرج تحت مصطلح "مساجد الأفنية الخلفية"، وهي عبارة عن قاعات صلاة صغيرة ومصليات مقتطعة داخل مناطق صناعية وأبنية سكنية، لا تشكل حضورا بارزا في المشهد الحضري للمدن.

في المقابل، تثبت أرقام "مؤتمر الإسلام الألماني" أن 24% فقط من أصل 5.5 ملايين مسلم يترددون على هذه المساجد أسبوعيا، فضلا عن أن رفع الأذان عبر مكبرات الصوت الخارجية يقتصر على نحو 30 مسجدا فقط. في حين تشير تقارير لوسائل إعلام ألمانية إلى أن "سماع صوت المؤذن أمر نادر في البلاد".

ولم يكتفِ صاحب الحساب بالتعليق على الحادثة، بل استند أيضا إلى إحصاءات غير موثقة المصدر، من بينها الزعم بأن 96% من التحقيقات الأمنية المتعلقة بالإرهاب في ألمانيا عام 2025 كانت مرتبطة بـ"التطرف الإسلامي".

وتكشف مقارنة هذا الادعاء بأحدث تقرير رسمي لجهاز حماية الدستور الألماني عن تناقض كبير في اختيار الإحصاء.

ويؤكد التقرير، الذي قدمه وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت أواخر يونيو/حزيران الماضي، أن ما وصفه بالتطرف الإسلامي "لا يزال يمثل خطرا كبيرا" على الأمن الداخلي، مردفا أن حجمه العددي لم يشهد في عام 2025 سوى ارتفاع طفيف، بل إن عدد المصنفين منهم على استعداد لاستخدام العنف تراجع من 9540 إلى نحو 9110 أشخاص.

في المقابل، خلص التقرير إلى أن التطرف اليميني "يمثل أكبر تهديد" للنظام الديمقراطي الحر في ألمانيا، على حد تعبير دوبريندت نفسه، بعدما قفز حجمه العددي بنسبة 17% ليصل إلى 58 ألفا و700 شخص مقارنة بـ50 ألفا و250 في العام السابق، بينهم 15 ألفا و600 شخص مصنفون على استعداد لاستخدام العنف.

إعلان

كما سجل التقرير ارتفاعا في إجمالي الجرائم ذات الخلفية المتطرفة إلى 58 ألفا و851 جريمة، شملت 3294 جريمة عنف، وهي زيادة قاربت 10% عن العام الماضي.

وأعاد حساب "معلوف" نشر صورة قديمة تظهر سيدات منقبات -سبق تداولها عام 2016- لتوظيفها على أنها لواقعة اعتداء نُسبت لفتيات مسلمات على راكبة حافلة بسبب تناولها شطيرة لحم خنزير في ألمانيا، في محاولة لتعزيز السردية ذاتها، من دون تقديم أي دليل.

خطاب واحد وأصوات متعددة

شاركت أصوات يمينية متعددة ضمن الحملة في خطاب واحد متقاطع، فقد كان الناشط البريطاني المعروف بمواقفه المعادية للإسلام، تومي روبنسون، من أوائل من علقوا على الحادثة.

ونشر تدوينة وصف فيها المشتبه به بأنها "إسلاموي معروف"، مستخدما عبارة ساخرة تصف عملية الدهس بأنها تمت "بسلمية" في إشارة تهكمية إلى وصف الإسلام بـ"دين السلام".

ولم يكتف روبنسون بذلك، بل وسع الاتهام ليشمل السياسات الأوروبية للهجرة ككل، متسائلا عما يتوقعه من يسمح لـ"أوغاد إسلامويين" بدخول بلاده، على حد تعبيره.

من جهته، سارع الإعلامي الأمريكي، إريك دوغيرتي، إلى التعليق على حسابه في إكس بنبرة تهكمية توحي بأن الانتماء الديني وحده كاف لتفسير الجريمة، واستخدم الحادثة ذريعة لإطلاق دعوة صريحة لطرد المسلمين من الغرب.

أما الناشطة الأمريكية، بريجيت غابرييل، المعروفة بعدائها للإسلام، فقد ذهبت إلى مدى أبعد، إذ نشرت تدوينة تساءلت فيها بلهجة استفزازية عن عدد الضحايا الذين ينبغي أن يسقطوا قبل أن "يستيقظ الغرب" لما وصفته بـ"التهديد الداخلي".

حسابات مشبوهة

وإلى جانب الأصوات المعروفة، انضمت إلى الحملة حسابات مجهولة الهوية أو مشبوهة النشاط، تنتمي بحسب أسمائها الرقمية إلى دول مختلفة، ما يعكس اتساع رقعة هذا الخطاب خارج الدائرة الأوروبية الأمريكية المعتادة.

ونشر أحد الحسابات تدوينة أنكر فيها صراحة انتماء المشتبه به إلى الهوية الألمانية رغم حمله جنسيتها، مستخدما مقارنة تحريضية مع قضايا جرائم اغتصاب منظمة نُسبت سابقا لجالية باكستانية في بريطانيا.

وخلص إلى أن هؤلاء جميعا "ينتمون إلى العالم الثالث"، في تصريح يسقط حق المواطنة والانتماء عن ملايين المهاجرين وأبنائهم المولودين في أوروبا لمجرد أصولهم العرقية أو الدينية.

كما شارك حساب آخر في الترويج للحادثة عبر ربطها مباشرة بهجوم سابق وقع في مدينة مودينا الإيطالية قبل أشهر، بدعوى تطابق النمط والتنفيذ بين الحادثتين، دون تقديم أي دليل موثق على وجود صلة فعلية بينهما.

ويكشف تتبع هذه الحسابات أن الحملة لم تكن محصورة على شخصيات يمينية من دول مختلفة فقط، بل استندت أيضا إلى شبكة من الحسابات الأقل شهرة والمتعددة الجنسيات، ما يعزز فرضية وجود تناغم أو تنسيق ضمني بين هذه الأصوات لتعزيز نفس السردية.

اتجاه ونمط الحملة

بجمع خيوط هذه الحملة، يتضح نمط متكرر يعتمده أقصى اليمين عند وقوع حوادث أمنية فردية تشمل الانتقال السريع من واقعة محددة إلى تعميم ديني وعرقي شامل، مع استخدام لغة تحقيرية صريحة، وتوظيف معلومات غير مؤكدة أو مصادر غير رسمية لتعزيز مصداقية الرواية المطروحة، وربط الحادثة بقضايا سياسية لا تمت لها بصلة مباشرة.

كما يكشف تحليل الأرقام والإحصاءات التي استندت إليها الحملة عن اعتماد متكرر على بيانات مبتورة من سياقها أو غير موثقة المصدر، إلى جانب توظيف صور ومقاطع سبق تداولها في سياقات مختلفة تماما، وهو أسلوب معروف في أساليب التضليل الرقمي يهدف إلى خلق انطباع بوجود أزمة ممنهجة، بدلا من التعامل مع كل واقعة وفق معطياتها الفعلية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا