أظهرت صور أقمار صناعية وشهادات ميدانية من قطاع غزة وجها جديدا من المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون بعد وقف إطلاق النار. فبينما توثق الصور تلاصق الخيام واكتظاظ مناطق النزوح، تكشف الشهادات عن نزوح متكرر، وخوف دائم من الاقتراب مما بات يُعرف باسم " الخط الأصفر"، وأخطار صحية وأمنية تلاحق السكان حتى داخل أماكن لجوئهم.
وبيّنت صور -حللتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة- تركز أعداد كبيرة من الخيام في مناطق محدودة غرب "الخط الأصفر"، في وقت يستمر فيه تمدد القيود الميدانية الإسرائيلية التي تدفع مزيد من السكان إلى مغادرة أماكن إقامتهم أو البقاء قرب مناطق خطرة.
لا يقتصر أثر تكدس الخيام على ضيق المساحة، إذ وثق نازحون في غزة انتشار القوارض والثعابين والحشرات بين أماكن إقامتهم، بالتزامن مع موجات الحر وتدهور خدمات النظافة والصرف الصحي، بما يكشف ما لا تظهره صور الأقمار الصناعية بشأن تكدس الخيام.
وأفرز تقدم الجيش الإسرائيلي التدريجي نحو عمق القطاع واقعا جديدا بات يُشار إليه بـ"الخط البرتقالي"، في توصيف يعكس تمددا إضافيا في نطاق السيطرة الإسرائيلية الفعلية على الأرض، ويقلص مساحات السكن للفلسطينيين.
وأظهر تحليل -أجرته وحدة المصادر المفتوحة لصور أقمار صناعية ملتقطة في 15 يوليو/تموز- أن الجيش الإسرائيلي شيّد منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025 سواتر وتحصينات ترابية يبلغ مجموع أطوالها نحو 30 كيلومترا، تمتد عبر محافظات قطاع غزة الخمس، وتلامس في بعض أجزائها مسار "الخط الأصفر"، وتتجاوزه في مواضع أخرى.
ويفاقم تمدد الخط الأصفر الاكتظاظ في المناطق المتاحة للسكان، إذ أفاد سكان من دير البلح بأن نقل "المكعبات الإسمنتية الصفراء" -في 17 يوليو/تموز الجاري- مسافة تراوحت بين 300 و350 مترا غربا، دفع عائلات إلى النزوح نحو مناطق مكتظة أصلا، بعدما دخلت أراضٍ زراعية ومناطق سكنية جديدة ضمن نطاق الخط.
وتُظهر مقاطع ميدانية من شرقي دير البلح عائلات تنقل أثاثها وحاجياتها بعد اقتراب "الخط الأصفر" من منازلها. وقال أحد السكان وهو يجمع أغراضه إنه يعيش في حالة خوف مستمرة، في حين قال آخر "اليوم نزحنا وتشردنا من منازلنا بسبب الخطوط الصفر".
وفي حي الزيتون شرقي مدينة غزة، قال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك -في إحاطة صحفية بتاريخ 20 يوليو/تموز- إن أكثر من 30 عائلة اضطرت إلى النزوح بعد تدمير خيامها قرب "الخط الأصفر". وفي المنطقة ذاتها، تُظهر صور الأقمار الصناعية مخيما مكتظا بخيام النازحين بالقرب من الخط، وسط أخطار القصف وإطلاق النار الإسرائيلي.
وفي جولة ميدانية نشرها مصور محلي من حي الزيتون في 18 يوليو/تموز، ظهر سكان يقفون في شارع المستوصف بعد إخلاء أجزاء من محيطه. وقال أحدهم "إحنا نازحين، بيوتنا في الخط الأصفر"، في حين وصف آخر حال العائلات قائلا إنهم "قاعدين في الشوارع، مش عارفين وين نروح". وتربط هذه الشهادات "اقتراب الخط الأصفر" بتكدس الخيام الذي تظهره صور الأقمار الصناعية على بُعد نحو 250 مترا منه.
وفي توثيق ميداني آخر من حي الزيتون، تحدث سكان يقيمون قرب "الخط الأصفر" عن تعرضهم لإطلاق النار أثناء تنقلهم لتأمين احتياجاتهم الأساسية. وقال أحدهم إنه أصيب بالرصاص عندما كان متجها لشراء الخبز، في حين أشار آخرون إلى استمرار إطلاق النار والنقص الحاد في مياه الشرب والغذاء.
وتكشف هذه الشهادات أن اقتراب الخط لا يؤدي فقط إلى حصر السكان والنازحين في مساحة مكتظة، بل يجعل حتى الخروج للحصول على الضروريات اليومية محفوفا بالخطر.
وأكدت الأمم المتحدة استمرار النزوح من المناطق المحاذية "للخط الأصفر"، موضحة أن العمليات العسكرية وتوسع المناطق المقيدة للوصول يقلصان المساحة المتاحة للمدنيين. وذكر تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن عائلات بدأت -في 7 يوليو/تموز- النزوح من موقع لإيواء النازحين جنوبي قطاع غزة هربا من تقدم الدبابات، وسط تقارير عن إطلاق نار ووقوع إصابات في المنطقة المجاورة.
أما العائلات التي لا تستطيع الابتعاد عن "الخط الأصفر"، فتواجه أخطار إطلاق النار إلى جانب الاكتظاظ وانعدام الخدمات. وفي مخيم جباليا، تحدث نازحون عن إطلاق نار متواصل من جنود الاحتلال والدبابات، في وقت أسهم فيه تلاصق أماكن الإقامة وغياب المياه ومواد التنظيف وانتشار مياه الصرف الصحي في تفشي الأمراض الجلدية بين الأطفال والكبار.
وفي توثيق منشور من داخل مخيم جباليا، ظهرت مكعبات "الخط الأصفر" على مقربة من منازل السكان وطرق حركتهم. وقال سكان في المقطع إنهم يخشون الاقتراب من المنطقة، وإن سيارة المياه كانت تصل سابقا إلى المكان الذي وُضعت فيه المكعبات، قبل أن يصبح الوصول إليه محفوفا بالخطر.
كما وثق مصور محلي -في مايو/أيار الماضي- مشهدا لقرب الخط من الأحياء المأهولة، وهو ما يعزز شهادات السكان عن تقييد الوصول إلى المياه والخدمات.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، تشير أحدث حصيلة أممية منشورة للقتلى قرب "الخط الأصفر"، والصادرة في 26 يونيو/حزيران الماضي، إلى أن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تحققت من مقتل 196 فلسطينيا، بينهم 18 امرأة و43 طفلا، في هجمات إسرائيلية أُبلغ عن وقوعها قرب الخط، خلال الفترة من 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى مطلع أبريل/نيسان الماضي.
ووفقا لوزارة الصحة في غزة، استُشهد 1191 فلسطينيا وأصيب 3853 منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 حتى 25 يوليو/تموز 2026. وتشمل هذه الحصيلة قتلى وجرحى إثر غارات وضربات وعمليات عسكرية إسرائيلية متفرقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة