في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بين آلاف العائلات الفلسطينية التي تعيش على وقع الغياب في قطاع غزة، جاء خبر عودة الأسير حمادة البنا حيا استثناء نادرا، بعدما كانت عائلته قد أقامت له مجلس عزاء قبل نحو عام اعتقادا منها باستشهاده.
وتكشف قصة البنا، التي رصدها مراسل الجزيرة شادي شامية في تقرير، معاناة آلاف الأسر التي تجهل مصير أبنائها، في ظل غياب معلومات مؤكدة عن المفقودين، واستمرار المطالبات الحقوقية بإلزام إسرائيل بكشف مصيرهم.
وكانت وزارة الصحة في غزة أعلنت تلقيها نحو 3500 بلاغ عن مفقودين مجهولي المصير، في حين تقدر مؤسسات حقوقية، بينها مؤسسة الضمير، عدد المفقودين في القطاع بنحو 9500 حالة، في أرقام تعكس اتساع دائرة الغموض التي تحاصر آلاف الأسر.
وسط أنقاض المباني المدمرة، عاد حمادة البنا إلى خيمة تؤوي أفراد عائلته، بعد أشهر طويلة اعتقد خلالها الجميع أنه فارق الحياة، غير أن خطيبته لم تتوقف عن البحث عنه، متمسكة باحتمال نجاته رغم كل المؤشرات التي كانت تشير إلى خلاف ذلك.
ولم يكن البحث سهلا، إذ باعت خطيبته حليها الذهبية لتوكيل محام يتابع قضيته ويحاول الوصول إلى أي معلومة عن مصيره، بعدما تعذر الحصول على معلومات رسمية بشأن مكان احتجازه أو وضعه الصحي.
لكن المحامي أبلغ العائلة، بعد 6 أشهر من البحث، بأن حمادة استشهد، لتدخل الأسرة في حالة من الحزن العميق، وتقيم له مجلس عزاء استمر ثلاثة أيام، قبل أن تنقلب القصة رأسا على عقب مع الإفراج عنه من السجون الإسرائيلية.
ويصف حمادة لحظة خروجه بأنها أقرب إلى النجاة من الموت، مؤكدا أنه حتى بعد الإفراج عنه لم يستوعب أنه عاد حيا، ويقول إنه يعاني إصابات متعددة في أنحاء جسده، بينها إصابة في القلب، إضافة إلى شظايا وآثار تعذيب وإصابات لا تزال ترافقه.
وتروي خطيبته كيف تحولت رحلة البحث إلى سلسلة من الصدمات، بدءا من بيع ذهبها لتوفير أتعاب المحامي، وصولا إلى تلقي خبر استشهاده، قبل أن تستعيد الأمل مجددا مع ظهوره بين الأسرى المفرج عنهم، في مشهد بدد عاما كاملا من الحداد.
غير أن هذه النهاية السعيدة، بحسب التقرير، لا تمثل حال آلاف العائلات الفلسطينية التي لا تزال تعيش بين انتظارين؛ انتظار خبر يثبت الحياة، أو آخر يؤكد الوفاة، دون أن تمتلك أي يقين بشأن مصير أحبائها.
ومن بين تلك القصص، تبرز مأساة الفلسطيني نافذ عابد، الذي لا يزال في عداد المفقودين، بينما تعيش أسرته على وقع الغياب، فلا تعرف إن كان قد استشهد أم لا يزال محتجزا داخل السجون الإسرائيلية.
وتقول والدته إن انتظار مصير الأسير أشد قسوة من تلقي خبر الاستشهاد، لأن العائلة تبقى معلقة بين الاحتمالات، دون أن تحصل على أي معلومة تطمئنها أو تنهي حالة الشك التي تعيشها منذ اختفائه.
أما زوجته، فتتحدث عن الأثر العميق الذي تركه غيابه في أطفاله، موضحة أنهم يفتقدونه في تفاصيل حياتهم اليومية، وأن ابنته لا تكف عن الدعاء بعودته سالما، وتتأمل بحسرة كل أب يحمل طفلته في الشارع.
ويشير التقرير إلى أن مأساة المفقودين لا تقتصر على القصص الفردية، بل تطال آلاف الأسر الفلسطينية التي تعيش حالة انتظار مفتوحة، وسط غياب أي معلومات رسمية توضح مصير أبنائها، أو تحدد ما إذا كانوا أحياء أم قضوا خلال الحرب.
وفي الساحات العامة، يواصل أهالي المفقودين تنظيم وقفات واعتصامات، حاملين صور أبنائهم، للمطالبة بكشف مصيرهم، مؤكدين أن حق العائلات في معرفة الحقيقة لا يسقط مهما طال الزمن.
وفي هذا السياق، يقول مدير جمعية "واعد" للأسرى والمحررين عبد الله قنديل إن آلاف العائلات الفلسطينية تواصل مناشدة المؤسسات الدولية ممارسة الضغط على إسرائيل، لإجبارها على تقديم معلومات عن مصير المفقودين من أبناء قطاع غزة، بمن فيهم الشبان والفتيات الذين انقطعت أخبارهم.
ويرى قنديل أن استمرار غياب المعلومات يزيد من المعاناة الإنسانية والنفسية لعائلات المفقودين، التي تعيش بين الأمل والخوف، في ظل انعدام أي آلية تكفل لها معرفة مصير أبنائها أو أماكن وجودهم.
ويختتم التقرير بصورة تختزل معاناة آلاف الفلسطينيين؛ آباء وأمهات يحملون صور أبنائهم، وأطفال ينتظرون عودة آبائهم، في مشهد يبدو فيه الانتظار أكثر من مجرد مرور للوقت، بل حياة كاملة معلقة على خبر قد يأتي، أو قد لا يأتي أبدا.
المصدر:
الجزيرة